الملك أحمُس

حياة الملك أحمُس

كان أول فرعون يتولى الحكم في الدولة الحديثة.

كان الملك أحمُس هو أول فراعنة الأسرة الثامنة عشرة.

وصلت حدود الإمبراطورية المصرية وتأثيرها الدولي إلى أقصى مدى في هذه الفترة، وهو ابن الملك (سقنن رع تاعا)، الحاكم الرابع عشر من الأسرة السابعة، وكان الملك (سقنن رع تاعا) متزوجاً من (اعح حوتب)، ولهما ابنان هما (كامس وأحمس).

خلف (سقنن رع تاعا) ابنُه الأكبر (كامُس)، وبعد موت (كامُس) خلفه أخوه الأصغر أحمُس، الذي كان في ذلك الوقت طفلاً.

اضطرت (اعح حوتب) والدة أحمُس أن تتولى الوصاية على العرش، بينما كان (أحمُس) لا يزال طفلاً، واستخدمت كل خبراتها لمساعدته على الحكم، حتى يكبر ويتولى إدارة شؤون المُلك بنفسه.

وقد عاش أحمُس في طيبة مع أمه (اعح حوتب) وجدّته (تتي شيرى).

وأمضى بعض الوقت في (الكاب) جنوب الأقصر مع عائلة حُكّام المدينة، وهناك ذهب إلى المدرسة ليتعلم القراءة والكتابة، وتعلّم كذلك فنون الحرب.

وتركز العمل في طيبة طُوال السنوات القليلة الأولى من حكم أحمُس على بناء الجيش وعتاده.

وبحلول سنة 1540ق.م، اعتُبر أحمُس كبيراً بما يكفي لبدء حملته العسكرية لتخليص البلاد من(الهكسوس).

وتذكُر برديّة (رايند التاريخية) أن أحمس في السنة الحادية عشرة من حكمه دخل مدينة (هليوبوليس) عين شمس الحالية، وفي ذات السنة دخل مدينة (صيلع) وهذا يُظهر أن أحمُس كان يتحرك بطريقة سريعة نسبياً، فقد استولى على عين شمس شمال منف مباشرة، ثم تجاوز (أواريس) ليستولي على المستوطنة التي تقع على حدودها عند مدينه صيلع، وحقق له ذلك فوائد تكتيكية جيدة، لأنه باستيلائه على (صيلع) قضى أحمُس من الناحية العملية على أي أمل لحُكام الهكسوس في الحصول على تعزيزات من القوات التي ترسلها كنعان، وكذلك قطع حلقات الاتصال بين الهكسوس وحلفائهم، فقد كان من الضروري عزلهم في أواريس، ثم تقدم أحمُس وجيشه إلى أواريس ذاتها.

موقعة أواريس الثانية

وصل أحمُس إلى عاصمة الهكسوس في أواريس، مثلما فعل أخوه (كامُس) من قبل، وفي البداية لم تكن جيوشه أكثر توفيقاً من جيوش أخيه، فلقد عسكرت قوات أحمُس خارج المدينة الحصينة.

وتشير الأدلة الأثرية إلى أن جيش أحمُس المنتصر احتلّ المدينة بأسرها.

ويذكُر (مانيتون) في فترة لاحقة أن جيش أحمُس كان يتكون من 48000 جندي، ونُهبت المباني المهمة والمعابد، وتم حرق بعضها حتى سُوِّيت بالأرض.

رأى أحمُس في وجود قوات الهكسوس على مقربة من حدود مصر تهديداً مستمراً، ومن ثم قرر أن يطاردهم إلى ما هو أبعد من ذلك، كي يظفر بنصر نهائي حاسم، فسار هو وجيوشه على مدار الثلاث سنوات التالية عبر صحراء سيناء، وحاصروا مدينة شاروهن في سلسلة من الحملات، وفي النهاية قاموا بالاستيلاء على المدينة وتدميرها في سنة 1535ق.م.

ثم قام بمزيد من الحملات شمالاً إلى سوريا، وربما لمطاردة فلول جيش الهكسوس، وللمرة الأولى فيما يربو على مئةِ عامٍ تتوحد مصر في ظل حُكم ملك قوي.

كشفت الأدلة الأثرية الحديثة في أواريس عن أن أحمُس ربما وجد له حليفاً في الحرب ضد الهكسوس، وأن آلاف الأجزاء المتناثرة من اللوحات الجدارية التي تم اكتشافها ترجع أصولها إلى القصر الجديد الذي بناه أحمُس في أواريس.

الحملة النوبية

بعد الانتهاء من تأمين الحدود الشمالية لمصر، وجه أحمس اهتمامه نحو الجنوب، حيث كانت الأراضي المصرية السابقة في واوات ومعظم بقية النوبة لا تزال تحت سيطرة ملك كوش، الذي كان حليفاً للهكسوس.

وبعد سنة 1535ق.م أبحر أحمُس وجيشه نحو الجنوب لمواجهة النوبيين، وفي هذه الحرب خلَّف وراءه قواته من (الميجا) وهم رماة القوس النوبيين، لأنه لم يكن على يقين من الكيفية التي سيتصرفون بها إذا ما واجهوا أفراداً من قبائلهم في الجانب الآخر.

وعلى الرغم من استرداد أحمُس لأراضي واوات المصرية بين الشلايين الأول والثاني، فإنه كان لايزال هناك بعض المقاومة من جانب القوات النوبية، حيث قام أحد المتمردين ويدعى (عاتا) بمهاجمة الجيش المصري في مكان ما، شمال الشلال الثاني.

واجه الملك أحمُس انتفاضة واحدة أخرى على الأقل داخل مصر قبل أن تنعم البلد أخيراً بالسلام، ونجح في استعادة حدود مصر الشمالية والجنوبية، واجتمع شمل البلاد تحت حكم فرعون واحد، وقد تمكَّن بعدها من توجيه اهتمامه نحو حكم أرض مصر ذاتها.

حكمت (أعح حوتب) والدة أحمُس إقليم طيبة معه طوال سنين الحملات

العسكرية، وظلت تساعده حتى بعد أن استتب السلام.

وإبّان هذه السنوات تزوج أحمُس من الأميرة أحمس نفرتاري، والتي أنجبت له ابنهما ووريثه أمنحوتب، وابنة تدعى میریت آمون، وفي سنة 1531ق.م وجه أحمُس اهتمامه نحو الحكم داخل مصر، وشرع في إعادة هيكلة نظامي كلا الحكمين: القومي والمحلي، وفي أوقات السلم نجحت الدولة المصرية دائماً في الحفاظ على سيطرتها الاجتماعية والاقتصادية، وذلك عن طريق نظام إداريّ مُحكم، وعدد ضخم من موظفي الدولة.

وإبّان السنوات العديدة التي أمضاها أحمُس في حملاته العسكرية، ترك الشؤون الداخلية لإقليم طيبة في أيدي والدته أعح حوتب، ولكن في وقت السلم كان عليه مواجهة مهمة إعادة بناء البلد بأكمله بعد سنوات من الانقسام والإهمال، وبعد انتصاراته على الهكسوس والكوشيين، كان يحكم بلداً زاد حجمه لأكثر من ضعف مملكته الأصلية في طيبة.

أكرم أحمُس الإله (آمون) نظراً لجميع الانتصارات التي حققها، ومن ثم أغدق الكثير من الهبات والعطايا على المعبد الرئيس لـ (آمون) بالكرنك.

وكان أول أعمال أحمُس السياسية هو الاهتمام بتعزيز دور الملك والعائلة المالكة، فضلاً عن تقوية أواصر علاقتهم بهذا الإله المهم، واتباعاً للقوة التي أرستها كل من (تتى شرى) و(أعح حوتب) كامرأتين قويتين من العائلة المالكة، أدخل أحمُس منزلة زوجة الإله (آمون)، وذلك بإدراج اسمها على جدران المعبد.

كافأ أحمُس كذلك أفراد عائلته والحكام المحليين المخلصين لمملكة طيبة بمنحهم أراضيَ وممتلكات، وكان لهذا أثره في ربطهم برباط وثيق بالملك أكثر من ذي قبل، وكذلك أقام نظاماً حكومياً أكثر مركزية، يرفع فيه الموظفون بمن فيهم وزيرا مصر العليا والسفلى تقاريرهم مباشرة إليه.

مشروعات البناء

كان من المهم لـ أحمُس أن يعيد بناء وتأثيث العديد من معابد مصر العظيمة، التي تعرضت للإهمال والتخريب إبان حكم الهكسوس، وإعادة افتتاح محاجر الجير بـ(طرة) بالقرب من (منف).

ماتت (أعح حوتب) والدة أحمُس حوالي سنة 1530ق.م، وبموتها لم يفقد والدته الحبيبة فحسب، بل أيضاً واحدة من أقرب مستشاريه إليه، وقرر "أحمُس" أن يكون دفن "أعـح حوتب" حدثاً مهيبًا، وتم إعداد مقبرة لها في الضفة الغربية من طيبة، في الموضع المعروف بـ (دراع أبي النجا).

وقام أحمُس كذلك بتشييد مجموعة من النصب التذكارية في (أبيدوس)، مركز عبادة الإله (أوزيريس)، وهي مصممة لإعلاء شأن الملك بصفته رمزاً للإله، وكذلك لتكريم أفراد عائلته من الإناث.

-واشتملت مباني أحمُس هناك على هرم ملحق به معبد، وهذا كان رمزياً، بمعنى أن "أحمس" لم يكن ينوي أن يدفن تحته، وإنما كان المقصود منه هو إظهار عبادة (أوزيريس) واعترافه بأهمية أبيدوس، وأمر أحمُس كذلك بتشييد معبد آخر في الموقع نفسه، أشرف على بنائه (نفربريت)، واستخدم فيه الطوب، واللبن، وكتل الحجر الجيري المستخرجة من محاجر طرة، والمعابد مزينة بصور لحملات أحمُس ضد الهكسوس.

وأقام أحمُس مقصورة صغيرة تخليداً لذكرى جدته (تتى شرى).

وفاة الملك

توفي أحمُس في السنة السادسة والعشرين من حكمه 1525ق.م، ولم يتم التعرف على مقبرته بعد، ولكن يرجح أنها كانت في الجبانة الموجودة في منطقة (دراع أبو النجا) في غرب طيبة، وقد تم التعرف على جثته ضمن غيرها من الجثث التي عثر عليها في المقبرة القريبة من الدير البحري.

وتم العثور على جثة أحمُس مع مجموعة من المومياوات الملكية الأخرى سنة 1871ق.م، وقد تم استخراج المخ عقب الوفاة عن طريق قطع مؤخرة عنقه، ولم يكن هذا معتاداً، ثم خشبت جمجمته بكرة مـن الكتان المنقوع في راتنج، وعثر على جثة زوجته (أحمس نفرتاری) في المقبرة نفسها.

خلف أحمُس ابنه (أمنحوتب الأول) الذي تولى الحكم بين السنتين 1525ق.م، و1504ق.م.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.