المكتبات الخاصة في عهد الدولة العباسية

 من بنَّيات أفكاري الذي اقتضاني أن أبدأ الحديث – في هذا المقال – عن المكتبات الخاصة – على اعتبار أن هذه المكتبات كانت أسبق من غيرها في الوجود، وأقدم من سواها في الظهور.

وذلك بعد أن أمضيت وقتًا ليس بالقصير أفاضل بين هذا الاعتبار وبين اعتبار آخر هو: مدى النفع الذي نقدمه كل من المكتبات الخاصة والعامة للجمهور.

والمكتبات الخاصة – في العموم – أنشأها أصحابها من علماء وأدباء ومثقفين للاستعمال الخاص، إلا أنه – فيما يتعلق بمكتبات دار الخلافة – توسع فيها فأصبحت شبيهة بالمكتبات العامة من بعض الوجوه.

والمكتبات الخاصة كانت من الكثرة بحيث يتعذر إحصاؤها، فما يكاد يوجد أديب أو شاعر أو عالم " دون أن تكون له مكتبة عامرة غاصة بأنواع المجلدات.  على أننا لن نتناول بالطبع – في هذا المقال إلا تلك التي بقيت عامرة حتى دهم المغول بغداد – ، وذلك لتتسنى لنا معرفة مقدار ما أتلفه الغزو المغولي من هذه المكتبات. وانطلاقاً من هذا المفهوم ستتبع مكتبة دار الخلافة منذ نشأتها حتى سقوط بغداد، باعتبارها مكتبة واحدة يرثها خالف عن سالف، ويعمل لتغذيتها وتزويدها بما استجد من فنون الآداب والعلوم.

والحق أن خلفاء بني العباس كانوا " من أكبر المشجعين على ارتياد مناهل العلم والإقبال عليه، وقد بذلوا في سبيل ذلك المبالغ الطائلة ... ولم يكن قصر الخليفة إلا منتدى يتبارى فيه الشعراء والأدباء والعلماء ... ولقد كان الخلفاء يُعنون بتعليم أولادهم، فنشأ بعضهم وهو مسلح بسلاح العلم، راغب فيه، مشجع عليه. ومن أقوى الأدلة على الرغبة في العلم إنشاؤهم خزائن كتب في دار الخلافة. وليس من شك في أن الخلفاء كانوا يتوارثون الكتب بالرغم مما كان يُصيبها من الرزايا بسبب الفتن والأحداث السياسية. فخزانة الخلفاء كانت - في الحقيقة – تجمع أنفس الكتب وأثمنها، ولم يكن كتاب يعز عليهم إحرازه.." ([1]).

والغاية من تأسيس هذه المكتبات – بالإضافة إلى رغبة الخلفاء في الأخذ بأساليب العلم – تعظيم العلم -، وحث الناس على الاحتفال به، وتسهيل مهمة العلماء الباحثين بجلب المخطوطات النادرة لهم . وقد روى أن الخليفة العباسي الناصر  لدين الله كان قد " اعتمد على مبشر بن أحمد" 530-589هـ"([2]) أحد كبار الأدباء في اختيار الكتب لخزائن الدار الخليفية لعاصمة  المملكة "([3]). وقد بلغت عناية خلفاء بني العباس بالمكتبات حداً حمل القلقشندي على القول:" ويقال إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن: إحداها خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد، فكان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة، ولا يقوم عليه نفاسة .." ([4]).

غير أننا لا نعدم من الخلفاء من تنحط عنده قيمة الكتب، فتصبح وسيلة للهو، وتغدو مطالعتها عوناً على قتل الوقت الذي هو الحياة، في وقت يدرك فيه وزيره خطر الكتب النافعة فيحجبها عنه، ويقدم له ما يريد من المسليات. أورد صاحب الفخري:" طلب المكتفى من وزيره كتباً يلهو بها، ويقطع بمطالعتها زمانه، فتقدم الوزير إلى النواب بتحصيل ذلك، وعرضه عليه قبل حمله إلى الخليفة، فحصلوا شيئاً من كتب التاريخ، وفيها شيء مما جرى في الأيام السالفة من وقائع الملوك، وأخبار الوزراء، ومعرفة التحيل في استخراج الأموال. فلما رآه الوزير قال لنوابه: والله إنكم أشد الناس عداوة لي، أنا قلت لكم حصلوا له كتباً يلهو بها، ويشتغل بها عني وعن غيري، فقد حصلتم له ما يُعرفه خراب البلاد من عمارتها، ردوها وحصلوا له كتباً فيها حكايات تُلهيه، وأشعار تطربه.." ([5]).

وأول من فطن إلى ضرورة إلحاق مكتبة بقصر الخلافة – فيما أعلم – المؤسس الحقيقي للدولة العباسية أبو جعفر المنصور (136-158هـ)، فقد ذكر الخطيب البغدادي في ترجمة محمد بن إسحاق صاحب السيرة المتوفي في أواسط المائة الثانية للهجرة أنه دخل على المنصور ]بعد أن صحح الخطيب النص [ يوماً وبين يديه ابنه المهدي، فقال المنصور: أتعرف هذا يا ابن إسحاق؟ قال هو ابن أمير المؤمنين. قال اذهب فألف له كتاباً يؤرخ للدنيا منذ خلف الله آدم إلى يومك هذا. فلما ألف ابن إسحاق كتاب السيرة وعاد به قال المنصور؛ هذا كبير اختصره، فذهب فاختصره وهو المتداول بين الناس، أما أصله – وهو الكتاب الطويل – فقد جُعل في خزانة أمير المؤمنين "([6]).

فعلى هذا الذي رجحه الخطيب من أن المنصور هو الذي أمر ابن إسحاق يبدو أن المنصور هو أول من أنشأ من خلفاء بني العباس مكتبة في دار الخلافة. ويؤيدنا في هذا ما ذكره صاحب "خزائن الكتب القديمة  في العراق" حين قال ما معناه: "ورد أن جورجيس بن بختيشوع (152هـ -769م) نقل للمنصور كتباً كثيرة من كتب اليونان إلى العربي ، " ولا شك في أن النسخ الأم لهذه الكتب المنقولة له كانت تحفظ في خزانة المنصور ..." ([7]).

وهكذا وضع أبو جعفر المنصور حجر الأساس لمكتبة دار الخلافة التي ظلت قائمة منذئذٍ حتى سقوط الدولة العباسية على أيدي المغول.

 

مراجع المقال:

·         كوركيس عواد: خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000 للهجرة ، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان.

         ·  قدري طوقان، تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، دار الشروق، 1963.

·         طرازي، الفيكنت فيليب دي،  (1947م)،  خزائن الكتب العربية في الخافقين، الناشر: ووزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة – لبنان.

·         القلقشندي، أبو العباس أحمد، ( 2006م)، صبح الأعشى في كتابة الإنشا، دار الكتب المصرية.

·         ابن الطقطققا، محمد بن علي بن طباطبا ، (د.ت)،  الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، الناشر: دار صادر، بيروت لبنان.

·         الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، (2002م)،  تاريخ بغداد المحقق: الدكتور بشار عواد معروف، الناشر: دار العرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ.


([1]) كوركيس عواد: خزائن الكتب القديمة في العراق، ص 101.

([2]) أبو الرشيد الحاسب، مُبَشِّر بن أحمد بن علي بن أحمد بن عمرو الرازي، الملقب بالبرهان. عالم موسوعي في العلوم الفلكية، حجة في زمانه في العلوم الرياضية والحساب وخواص الأعداد والهندسة والهيئة وقسمة التركات، وكان سياسياً بارعاً ومعلماً متميزاً يقرأ عليه ويؤخذ منه. ينظر:  قدري طوقان، تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، دار الشروق، 1963).

([3]) فيليب طرازي:  خزائن الكتب العربية في الخافقين، ص104.

([4]) القلقشندي : صبح الأعشى، 1/466.

([5]) ابن الطقطقي: الفخري في الآداب السلطانية، ص 5.

([6]) الخطيب البغدادي – تاريخ بغداد – 1/220-221.

([7])      هو :كوركيس عواد، ص103-104.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.