ومن المعلوم أن تحديد عدد أبيات القصيدة مسألة قد شغلت عددً من اللغويين، وقد شارك فيها بعض النقاد الذين وقفوا عند عدد الأبيات التي تستحق القصيدة أن تحمل اسم قصيدة.
وقد أورد الباقلاني في خبر طويل عن الفراء أنه قال: تُسمي العرب البيت الواحد يتيمًا، وكذلك يقال: «الدرة الثمينة» لانفرادها، فإذا بلغ البيتين والثلاثة فهي «نتفة»، وإلي العشرة تسمى «قطعة»، وإذا بلغ العشرين استحق أن يسمى «قصيدا».
في هذا المقال سوف نتناول تعريف شعر المقطوعات وأنواع المقطوعات وأسباب وجودها فتابع معي..
اقرأ أيضًا البيت الشعري شرحه وأقسامه عند العروضيين
اختلاف الشعراء في عدد الأبيات
وقد ذهب الأخفش إلي أن القصيدة ما كانت على ثلاثة أبيات، فخالفه ابن جني وقال: إن القصيدة ما جاوزت أبياتها الخمسة عشر، وما دون ذلك قطعة(2).
وقد نقل ابن رشيق عن هؤلاء وغيرهم إذ قال: «وقيل إذ بلغت الأبيات سبعة فهي قصيدة، ومن الناس مَن لا يعد القصيدة إلا ما بلغ العشرة وجاوزها ولو ببيت واحد(3).
ومن الملاحظ من النصوص السابقة الاختلاف البين حول تحديد عدد أبيات القصيدة والمقطوعة، وكما اختلف القدماء في ذلك، اختلف المحدثون، فنجد آراءً مختلفة تدور حول العدد الذي يحدد كلًّا من القصيدة والمقطوعة.
ومن الدارسين من رجَّح الرأي القائل بأن المقطوعة ما كانت دون الأبيات العشرة(4)، وآخر أقر أن القصيدة ما تألفت من سبعة أبيات فصاعدًا (5).
وأميل إلي ترجيح هذا الرأي الذي يُستشف منه أن المقطوعة هي أبيات من الشعر لا يزيد عدد أبياتها على سبعة ولا يقل عن ثلاثة، باعتبار أن البيت يسمى «يتيما» والبيتين والثلاثة «نتفة» كما أوردنا سابقًا.
اقرأ أيضًا نظرة تأمل في كتاب فن الكلام للدكتور إيهاب فكري
أنواع المقطوعات وأسباب وجودها
صنف أحد الدارسين المعاصرين أنواع المقطوعات الشعرية إلي نوعين(6)، الأول طبيعي والثاني صناعي.
أما الأول فيكون متعلقًا بطبيعة الموضوع، وشعر الحرب والفروسية يتطلبان سرعة في القول وسرعة في الإيصال، وعدم المبالغة والإسراف في الوصف، وإيراد المعنى الذي يريده الشاعر بعبارة موجزة، فطبيعة الانفعال الذي ينتاب الشاعر وقت قول القصيدة له أثره البارز في عدد الأبيات التي ينظمها، والتي يغلب أن تكون على صورة مقطوعة قصيرة(7).
فهذا النوع هو ما قاله الشاعر عن قصد، فالمقطوعة تحقق للشاعر أهدافًا وغايات، وهو يدرك تمامًا هذا النظم ولا يريد الإطالة، ولأنها لها فوائد منها ما يتعلق بناظمها، ومنها ما يتعلق بطبيعة الموقف، ومنها ما يتعلق بالمتلقين.
ولكن ما السر في وجود مثل هذا النوع من المقطوعات في شعر الشاعر؟ وما الفائدة التي يجنيها منها؟
اقرأ أيضًا الدكتور حسن الكرمي الصامت واللغة العربية في الغرب
فوائد شعر المقطوعات
· يوجد ربط بين حال الجزيرة وتطور القصيدة، فقد كان العرب لا ينظمون من الشعر إلا المقاطع القصيرة عند الحاجة، وعندما تحركت النفوس بالحروب بعد استقلال اليمن، وظهور الأبطال الفرسان احتاجوا إلى الشعر، فأطالوا فيه، فظهرت القصائد، وأول مَن أطالها المُهلهل(8).
فمن خلال المقطوعة يقول الشاعر ما يحتاج إليه فقط دون أن يسير وفق التقليد الموروث، وقد أشار إبراهيم أنيس في الأسطر السابقة إلى طبيعة الانفعال الذي ينتاب الشاعر، وقرر أن الانفعال يؤدي دورًا بارزًا في تحديد الأبيات المنظومة.
وإذا ناقشنا مثل هذه الآراء نجد صعوبة في تحديد انفعال الشاعر؛ لأن ذلك لم يصلنا مع الأشعار، وكل ما يقال على سبيل التخمين، والربط بين إطالة القصيدة بتحرك النفوس بالحروب مردود، فالمقطوعات استمر وجودها بعد ذلك التاريخ، وربما بشكل أكثر(9).
· للمقطوعات وقع فعال على الأذن، وسهلة الحفظ.
قالت بنت الحطيئة لأبيها: ما بال قصارك أكثر من طوالك، فقال: لأنها في الآذان أولج وبالأفواه أعلق.
وقال أبو سفيان لابن الزبعري: قصرت في شعرك، فقال: حسبك من الشعر غرة لائحة، وسمة واضحة.
وقيل للنابغة الذبياني : ألا تطيل القصائد كما أطال صاحبك ابن حجر، فقال: من انتحل انتقر(10).
· تحتوي المقطوعة -في أغلب الأحيان- غرضًا واحدًا، وتوجد مقطوعات كاملة في الأدب أو الوصف أو الحماسة أو الغزل أو التهديد والوعيد.. إلخ، وهذا هو الغرض الذي يريده الشاعر(11).
· حياة الجاهلي التي يسودها التحرك باستمرار نتيجة الحروب، والجري وراء المأكل والمشرب، فهو لا يثبت ولا يستقر، وهو كذلك في معانيه، ينتقل من معنى إلى آخر في خفة وسرعة شديدين.
ومن ثم غلب عليه الإيجاز فهو لا يعرف الإطناب، ولا ما يتصل به من هدوء وسكون، ولعل هذا هو الذي جعل البيت في قصائدهم وحدة معنوية قائمة بذاتها.
· وجود عدد من الشعراء الفرسان الذين رأيناهم قائمين بسيوفهم وأشعارهم، وبالتالي حالة الحروب المستمرة تجعل الشاعر يقول الشيء المهم ولا يعنيه الشكل التقليدي للقصيدة العربية(12).
ولذلك لا نتصور أن نجد الشاعر يتفرغ لشعره كما كان يتفرغ زهير لحولياته أو امرؤ القيس أو النابغة الذبياني في حياته المستقرة في بلاط المناذرة والغساسنة، قال أحد الحكماء: «يحتاج الشاعر إلى القطع حاجته إلى الطوال بل عند المحاضرات والمنازعات والتمثل والملح أحوج منه إلي الطوال»(13).
· تكثر المقطوعات في المناسبات؛ لأن الشاعر ينظمها لغرض محدد أو فكرة محددة(14)، فقد يتناول الشاعر هجاء أو حكمة أو وصفًا... إلخ، وفي مناسبات معينة مثل مناسبة حرب من الحروب أو بعض أيامها.
هذا فيما يتعلق بالنوع الأول من المقطوعات.
المقطوعات من النوع الثاني
أما النوع الآخر «صناعي»، وهو تلك المقطوعات التي قطعت أو أخذت من قصائد طويلة، ضاعت الأجزاء المتبقية منها، وهذا النوع من المقطوعات هو الأكثر بين ما نجده من مقطوعات في شعر الحرب.
ولكن مثل هذه الآراء تبقى ظنية لا ترقى إلى درجة اليقين، وتخلو من الأدلة والبراهين.
وقد اجتهد أحد الدارسين(15) ووضح بعض الأدلة للتفريق بين نوعي المقطوعات، وأول هذه الأدلة على أن المقطوعة منتزعة هو وجود مقدمة لتلك المقطوعة، فإن وجود المقدمة سواء أكانت طللية أم غزلية أم فروسية... إلخ.
تدل بذلك على أن هذه المقطوعة منتزعة من قصيدة كاملة البناء.
والدليل الآخر الذى قد يساعد الباحث على التعرف إلى نوع المقطوعة يتعلق بالبيت الأول، فملاحظة البيت الأول وتحديد طبيعته قد يكون يعيننا على أن هذه المقطوعة لها صلة بقصيدة معينة.
ونرى أن هذين الدليلين يحتاجان إلى تأمل وتفكير كبيرين؛ لأن وجود عدد من المقدمات المتشابهة في النوع والألفاظ والأوزان والقوافي، وكذلك مطالع هذه القصائد -أعني البيت الأول-
فمهما اجتهدنا لا يؤخذ هذا الاجتهاد على سبيل القطع والجزم، وليس بالضرورة أن تكون المقطوعة منتزعة من قصيدة، وكذلك لا نستطيع الحكم على المقطوعة من خلال بيتها الأول؛ لأن لكل شاعر أسلوبه الخاص به، وبالتالي يصعب على أي باحث هذا الحكم والتمييز.
اقرأ أيضًا الكاتبة نورا ناجي وعلاقتها بأروى صالح.. الجوائز ليست الحافز الوحيد
مبررات وجودها
إذا سلَّمنا بوجود مثل هذه المقطوعات، نعزو وجودها في الشعر الذي وصلنا ونتناوله في دراستنا المختلفة إلى الأسباب الواردة في النقاط الآتية:
· ضياع كثير من القصائد أو الأبيات وهو سبب مقبول، فالرواة حينما نقلوا أخبار تلك القصائد قد اختاروا القصائد المعنية بما يفي غرضهم، أو الحادثة التي يريدون تغطيتها، فقد يقتطعون من القصيدة ما يلبي هذ المطلب.
أما باقي القصيدة فقد أُهمل، ومع مرور الزمن ضاع ولم يصلنا(16)، وما يؤكد هذا الرأي أننا نجد بعض المقطوعات المنتشرة في بطون الكتب التي عرضت لأيام العرب وحروبهم، مثل كتاب النقائض لأبي عبيدة، والأغاني، والكامل لابن الأثير، والعقد الفريد وغيرها، فإذا ما عدنا إلى دواوين الشعراء التي وصلتنا، فإننا نجد هذه الدواوين أثبتت القصيدة بشكلها التام(17).
· سبب آخر لانتشار المقطوعات هو نسيان الرواة، فالرواة قد تكلفوا حفظ المئات من القصائد والمقطوعات، والشعراء كثر.
وكانت وسائل حفظ الشعر وتدوينه في معظم ظروفه الرواية الشفوية، إلى جانب أن الرواة الذين حملوا ذلك الشعر قد نسوا قسمًا كبيرًا منه، بل إن الرواة نسوا قائلي بعض هذا الشعر أو اختلط عليهم في نسبته إلى قائله.
وقد تكون تلك المقطوعة قد نظمت على أيدي أحد الرواة الشعراء اللاحقين أو المغنيين أو الأمراء، وكذلك أدى الناقلون والنساخ دورًا مهمًّا في وجود هذه المقطوعات، فبعضهم كان ينسخ المقطع الذي يناسبه أو يريد ربطه بحادثة أو قصة معينة، ويلاحظ ذلك عند المقارنة بين النسخ المختلفة لديوان شاعر بعينه.
كما يتضح هذا حتى في النسخ المختلفة لكتاب من كتب الأدب، وأن النساخ والناقلين كانوا ينقلون عن الكتب والعلماء ما يخدم أغراضهم وما يلبي غاياتهم وطموحاتهم، ولا يعنيهم الأمانة والدقة في النقل والنسخ(18).
· وقد تكون شعر المقطوعات مسودات أو مشروعات قصائد لم يكتب لها الاكتمال، وذلك بسبب عدم الاستقرار والاضطراب المستمر الذي عاشه الشاعر الجاهلي، فقد كان يطرق أغراضًا معينة ولم يجد فرصة لتنقيحها وزيادة أبياتها، فهو قد قالها أثناء المعركة.
وفي ظروف وأوقات حرجة؛ لذلك لم يهتم بالإطالة أو الجوانب الفنية، إذ إن نضاله في ساحة القتال والموت يتربص به وبقومه قد دفعه إلى استنهاض العزائم، والحث على الاستبسال حرصًا على شرف القبيلة، وطمعًا في نيل النصر، وذلك بأبيات مرتجلة أوحت بها أجواء الحرب المريرة، وعملية جمع الأشعار هي التي بعثرت الأبيات وأبرزت هذه المقطوعات.
وبذلك نكون انتهينا من شرح شعر المقطوعات وأنواعه وأتمنى أن تكون قد استفدت من هذة المعلومات التي قدماها في المقال.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.