المقامة الولائمية: محاكاة عصرية لبديع الزمان الهمداني والحريري

هذه مقامةٌ أسميتها المقامة الولائمية، ولم يأتِ هذا الاسم من فراغ، ولا خرج عن غير قصد، بل كان اسمًا على مسمَّى؛ فمن قرأ المقامة أدرك كنه هذه التسمية، ووقف على سرِّ هذه النسبة.

وقد حاكيتُ فيها ما كتبه الحريري من جهة، وما نسجه بديع الزمان الهمداني من جهة أخرى، في مقاماتهما التي تُعَدّ من أعمدة الأدب العربي القديم؛ غير أنهما تقمَّصا شخصية رجلٍ معلوم، كالحارث بن همَّامَ، أو أبي زيد السروجي، أو عيسى بن هشام، وجعلا سرد الوقائع يجري على لسانيهما، وحكيا أحداث المقامات بحديثهما.

أما أنا، فلم أتقمَّصْ في هذه المقامة اسم رجلٍ بعينه، بل آثرت أن أتركه نكرةً بلا اسم ولا عنوان؛ لأن ما أحكيه ليس مستوحًى من محض الخيال، ولا مما أوحى به يراع الكاتب، بل هو مستخلص من قصةٍ واقعية، وحديث أشخاصٍ استُدعوا من طرف رجلٍ بخيل، أكثرَ من توجيه الدعوات، فلما حضروا أصابهم من الخذلان ما أصابهم، ووقع لهم ما يقرب، أو يشبه، ما دار في قصة هذه المقامة.

المقامة

في ليلةٍ شتويةٍ باردةٍ ممطرة، وقد أخذ الارتعاش من فرائسنا مأخذه، وسرى البرد في أجسامنا حتى استبدَّ، كنَّا -نحن الإخوان- في سفرٍ بعيد الشُّقَّةِ، كثير المشقَّةِ، يستدعي أخذ الحيطة، ويقتضي الحذر، ويستوجب الشفقة، تلبيةً لدعوة صديقٍ لنا علينا عزيز.

أراد أن يقيم الحفل البهيج، الذي يجمع فيه جَفَلَ الخلق والهجيج، من غسق الليل ودجاه إلى بدوِّ الفلق وضياه. ولما جمع من فتات الدنيا ما لذَّ له وطاب، خلد إلى النوم، وأشبع نهمه ففاقَ. فإذا بالشتاء الغزير يتهاطل، والضباب الكثيف ينسدل على الجبال والأودية والهضاب والسهول، حتى ليُخيَّل للناظر أن أطنانًا من الصوف قد لُفَّتْ هناك، أو أن أطنانًا من الزبدة الحرَّةِ قد دُهنت في تلك البقاع.

وجثا كل حيوان في مكانه، فلا شيء يتحرَّكُ عن موضعه إلا بإذنه؛ فلا تخاذل ولا تقاعد، ولا تكاسل ولا تمايل، فلا يُسمَعُ لهم ركزٌ، ولا يُحَسُّ لهم حسٌّ.

فخرج الداعي إلى الحفل البهيج، والبدر يبدو في صفحة السماء، فرفع نظره إليها فرآها كأنها ماءٌ صافٍ، أو كالنظر في بحرٍ هادئٍ في يومٍ دافئٍ صافٍ. ثم جال ببصره ذات اليمين وذات الشمال، ففكَّر مليًّا، ثم عبس وبسر، ثم توقَّف واكفهرَّ وجهه، ثم ما لبث أن تفاءل واستبشر.

فقال: في كلِّ أمرٍ خير، غير أنَّ الشرَّ قد يكمن حيث لا ندري. إن هذا الشتاء آية من آيات الله العظيمة، وهبه الله لنا ليكون في الخير وفيرًا، وليصرف عنا شرَّ المخمصة سنينَ عدَّةَ. يا لها من بركةٍ نزلت من السماء، ليكون لنا الخصب في الربيع، ويُوفَّرَ لنا الماء في الصيف.

فلمَ لا أُلغي الدعوة؟

ونكتفي منها بالغدوة؟

إن في ذلك لكفاية لمن ذاق آلام المخمصة، أو صام حينًا من الدهر ولم يمدَّ يده إلى القصعة.

يا لها من فرصةٍ سانحةٍ للفرار مما نذرت أن أقيمه، وللاعتلال بالجو وقسوته، وبضوء الشمس وندرته، وهو عمدة في إقامة مثل هذه الولائم، ولا سيما لذوي الأكل الدسيم، وأصحاب البطون العريضة والعمائم؛ أولئك الذين إذا قعدوا على مائدةٍ أمحقوها، وإذا دخلوا دارًا حطَّموا اقتصادها وأهلكوها. فلمَ أعرِّض نفسي لهذا البلاء؟

وأنا أعلم، يا هذا، ما يُحاك في هذا الشأن. لقد كنت غافلًا قبل توجيه الدعوة، فلما جاؤوا مشكورين ملبِِّين من كل حدبٍ وصوب، ونظرت إلى هيئاتهم وأحوالهم، ورأيت أحدهم إذا همَّ بالنظر إلى أخمص قدميه لم يكد يراها، خفت من إطعامهم لبدوِّ بطونهم، وآثرت كسوتهم؛ لعلها تقيهم حرَّ الصيف وقرَّ الشتاء.

إن الوليمة ليست إلا تضييعًا للمال، ولا يُقدم عليها إلا سخيٌّ كريمٌ ذو مال، وأنا معروف بالبخل، مشهود لي بقلة ذات اليد. فأين كان عقلي يا ترى؟

الوليمة

ولولا نزول هذا المطر لكنت الآن في مأزقٍ وخطر، فالحمد لله على هذه النعمة، وإن كنت لا أستطيع إنفاقها.

فلما سمعناه يحدِّث نفسه بما قصصناه، ويتذرَّع بما أوجبه على نفسه، وقد وجَّه إلينا الدعوة مرقومة ببنانه، مكتوبة بخط يده، مختومة بختمه، واجهناه قائلين:

يا هذا، لمَ فعلت بنا هكذا؟

تحمَّلنا وعثاء السفر، وتكبَّدنا مفارقة الأهل والوطن، تلبيةً لدعوتك، ورغبةً في نداك وعطائك وكرمك، فإذا بك تولِّي مدبرًا، وتفرُّ بجلدك، وتتبرَّأ مما كتبته وأرسلته إلينا بيدك.

فأنت الآن مخيَّر: إما أن تستضيفنا وتكرمنا كما وعدتنا، وإما أن نرفع أمرك إلى قاضي القبيلة، فيرفع عنا هذه الجريرة، أو يردَّ لنا اعتبارًا ضاع مع وليمةٍ مزعومة.

فلما استمع إلى وعيدنا، قطَّب وجهه وصغَّر خدَّه، وأشار نحو مدينتنا، وقال:

ها أنتم عودوا من حيث أتيتم، وسأدفع لكم أجرة ما أنفقتم؛ فذلك أجدى لكم من الخصومة ورفع أمري إلى القاضي، فوالله إني لأعلم منكم بفنون المرافعة والمراوغة، فارضوا بما عرضته عليكم، بارك الله فيكم.

ففكَّرنا مليًّا في حالنا وأحوالنا، وكيف دارت الدائرة علينا، فقلنا: رضينا بالقليل، ومن لم يقنع بالقليل لا يقنع بالكثير.

فقال: سأدفع لكم مالي على أن تبتعدوا عن دار القاضي.

فابتعدنا قليلًا، ثم قال: انتظروا هنا، فإني ذاهب إلى داري لأبحث عن مالي لأدفعه لكم.

فدخل دارًا ذات بابين، وأشار إلينا أن امكثوا، ثم فرَّ من الباب الآخر، وتركنا نقدِّم رجلًا ونؤخر أخرى.

فلا الوليمة حضرناها، ولا دار القاضي بلغناها، ولا أجرة ما خسرناه تقاضيناها.

فقلنا بلسان حالنا ومقالنا: إلى الله المشتكى

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

متابعي الأوفياء سعيد يمتابعتي وقراءة مقالاتي اتمنى لكم مشاهدة وقراءة ممتعة ولكم مني جزيل الشكر والإمتنان
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.