مقامة أدبية شبيهة بما كتبه بديع الزمان الهمداني، وهي عبارة عن قصة حكاها لي شيخ كبير طاعن في السن، رآها في منامه فأزعجته كثيراً، فأصبح خائفاً مذعوراً وجلاً، كادت روحه تخرج من شدة الهلع والخوف، وإليكم المقامة المسماة بالمقامة العفريتية.
حدثني شيخ كبير فانٍ عمّا حدث له في المنام في الأيام الخوالي، قال: ألجأني قيظ الظهيرة، لأحتمي بأحجار كبيرة، فوجدت فيها مغارات وفيرة، وحشرات وحيوانات كثيرة، وعظام هنا وهناك متناثرة، فبدأت أختار أي المغارات أوسع وأحلى مقاماً، وأهنأ بالاً وراحةً ومناماً، فأدخل المغارة ثم أدخل الأخرى، وأحياناً أصاب بالإعياء الشديد، فأبدأ أقدم خطوة وأؤخر أخرى، إلى أن عثرت على ما اطمأنت إليه نفسي، وما جلبت عليه بخيلي ورجلي، فدخلت مغارة فسيحة ذات مسالك وفروع كثيرة ومتشعبة، فقلت في نفسي هذا هو المقام، وهنا أرتاح لوحدي على الدوام وأنام، ففرشت الأرض، والتحفت السماء وأنا أدعو اللَّه العلي القدير أن أجد ولو قطرة ماء، فبينما أنا بين النوم واليقظة، أسمع دويّاً كدوي النحل آتٍ من إحدى مسالك المغارة، فأصغيت بأذني جيداً أستطلع ما في الأمر حتى لا أضطر إلى المغادرة، لأنني ما وصلت إليها إلا بعد جهد جهيد، واستنفاذ الطاقة وبذل المزيد، فسمعت عويلاً وصراخاً، وضجيجاً وصياحاً، فقلت في نفسي: يا ويلي ثم يا ويلي، ماذا حدث لي هذا الصباح؟ الناس نيام وأنا أستقبل الضجيج والنباح والصياح، في المدينة يلازمني وفي المغارة يطاردني، لكني لم أنشب أن فركت عيني وأزلت عنهما نومي، فذهبت أبحث في مساريب المغارة وطرقاتها، والسهاد يطرق عينيّ وأنا في ضجر وكآبة، وأقول في نفسي: من أين أتتني هذه السآمة؟ فبينما أنا أحدِّث نفسي، إذ وقفت على رجل وصبية، وامرأة تحمل في يدها عصا، وتلبس ثياباً بيضاء كأنها مربية، وهي تصول وتجول، وتدعو على زوجها بالويل والثبور، وبين الفينة والأخرى تضربه على قفاه حتى يدور، فهالني ما رأيت، وجلست خائفاً وجلاً أفكر في مآل الصبية وأبيها، وما تفعله به أمها، فهجمت على وكرهم وألقيت التحية عليهم، فأومؤوا إليّ أن قِف هنا، ولا تتخطى عتبة الباب، ريثما نهيّئ الأمور ونأتي لك بالبواب، فلما امتثلت لما أمروا به، وانتظرت في المكان الذي أشاروا عليّ به، لم ألبث إلا قليلاً حتى جاؤوني بأعداد غفيرة، فلم يرعبني إلا منظرهم الكئيب، ولباسهم القشيب، ووجوههم المرعبة، فسألتهم من أنتم يا أهل هذا الكهف الغريب، وأهل هذا البيت المظلم المرعب؟
فقالوا لي جمعيهم بصوت واحد، ولحن جميل وفريد: نحن أبناء الجانّ، مَن رآنا ارتعب من رؤيتنا، وذهب منه الفؤاد والجنان، ونحن من يسمّوننا بالجن والعفاريت، الذين قيل ويقال عنهم كيت وكيت.
فلما سمعت جوابهم وقيلهم ومقالهم، علمت أني قد وقعت في الفخ وأحيط بي، ولما رأوني وجلاً خائفاً هجموا عليّ، وألقوني في كف عفريت، وطار بي في السماء، وقدم لي كسرة من الخبز والماء، ونحن ذاهبون وبساط الريح يتمايل بنا، حتى إنه ليخيل لي أننا سنقع على الأرض على وجوهنا، ثم قال لي: أغمض عينيك ولا تفتحهما حتى أصفعك على قفاك، ولما امتثلت لأمره، ولم أفتح عيني إلا بضربه، ما هي إلا هنيهة أو برهة من الزمن يسيرة، حتى وقعت ضربة على قفاي كادت أذناي منها تطير، ففتحت عينيّ بشكل سريع، حتى أتجنب الضرب الكثير بشكل مريع، أو أتعرض لمشهد وأمر مفزع، فوجدت نفسي في أرض غير الأرض التي نعيش عليها، وفي مغارة غير المغارة التي كنا فيها، فرأيت أناساً أعينهم طويلة حمراء، لا يختلف فيها البنت ولا العذراء، فكل من الرجل والمرأة في الوصف سواء، فرحبوا بي جميعهم وأعطوني علقماً من الدواء، لعلني أهدأ أو أتماثل للشفاء، أو أتأقلم معهم في تلك الأجواء، إلا أن روعي لم يهدأ، وجسمي لم ينفع معه علاج أو دواء.
ولما يئسوا من شفائي، ولم يعلموا بدائي ومرضي، عقدوا مجلساً طارئاً للاستشارة فيما حدث وجرى، ظناٌ منهم أن دائي معدي فيتجنبون المجازفة، فقال أحدهم: هيا نلقيه في الثلث الخالي، فيهلك هنالك ولا نبالي، فقال أقلهم خبثاً وأحسنهم رأياً، لا والذي بعثنا إلى هذه الأرض الشاسعة، والمغارة الفسيحة الواسعة، ما هذا بالرأي الحسن، ولا بالفعلة التي يفعلها الجان، فقام أوسطهم سناً وأسلطهم لساناً، فتقدم نحوي بخطوتين، وضربني في رأسي ضربتين، ثم رجع القهقرى، وسار يعدو في المحفل وكأنه يتبارى، ثم قال: يا معشر العفاريت والجن، إن رأيي في هذا الإنسيّ أن نحبسه ونتربص به ريب المنون، فكلهم لم يوافقوا على رأي هذا المجنون، فقام الذي جاء بي، وقال لا تؤذوني في صاحبي، فأنا الذي جئت به زائراً، والآن سأقفل به راجعاً، فهدَّأ من روعي وأخذ بيدي، وأخرجني من الباب الخلفي، وقال لي مع السلامة يا ولدي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.