ما المقامة في الأدب العربي؟ سؤال يفتح الباب على واحد من أمتع الفنون النثرية. إذا تتبعنا فن المقامة في محاولة للوقوف عليه منذ الجاهلية، لا نجد أصلًا له، وإنما نلحظ أن المقامة قد استُعملت في الشعر الجاهلي ضمن التراث العربي القديم، تارة بمعنى مجلس القبيلة أو ناديها، كما هو واضح في شعر زهير:
«وفيهم مقامات حسان وجوهها *** وأندية ينتابها القول والفعل»
وتارةً أخرى بمعنى الجماعة التي تلتقي في المجلس، على نحو ما نقرأ عند لبيد:
«ومقامة غلب الرقاب كأنهم *** جن لدى باب الحصير قيام»
وإذا تتبعنا الكلمة في العصر الإسلامي، نجد أنها استُعملت بمعنى «المجلس الذي يقف فيه المرء بين يدي الخليفة»، ثم تطوّر استعمالها فيما بعد فقُصد بها المحاضرة.
نشأة فن المقامة وتعريفها
يُعدّ بديع الزمان الهمذاني أول من ابتدع المقامة بمفهومها الفني الاصطلاحي في العصر العباسي، وصاغها في شكل قصص صغيرة بهدف تعليم أساليب اللغة العربية، وهذا يوضح لماذا ابتكر الهمذاني فن المقامة؟ وجعل لها راويًا واحدًا هو عيسى بن هشام، وبطلًا واحدًا هو أبو الفتح الإسكندري.
تعريف المقامة
هي على كل حال عبارة عن حديث قصير أو قصة قصيرة مسجوعة، قُصد به التعليم. وقد وجد الهمذاني أن الغاية فيها قد تكون صعبة إذا لم يغلب عليها جانب التشويق، فصاغها في أسلوب قصصي يعد نواة السرد القصصي في الأدب العربي، وجعل بطلها أديبًا شحّاذًا، حتى يحقق ما أراد من هدف تعليمي في صورة محببة.

عناصر المقامة وخصائصها الفنية
ولما كانت الغاية منها التعليم وعرض الأساليب الشائعة في عصره، كان الاهتمام فيها موجهًا للَّفظ دون المعنى، وكانت له الغلبة عليه. وتتكون المقامة عادة من:
-
الراوي: (عيسى بن هشام عند الهمذاني).
-
البطل: (أبو الفتح الإسكندري، وهو شخصية محتالة ذكية).
-
النكتة أو العقدة: (غالباً ما تدور حول الكدية في المقامات أي الاحتيال لطلب المال).
-
الأسلوب: (يعتمد على النثر الفني المسجوع).
بديع الزمان الهمذاني وأثره وتطور الفن
وإذا كان الهمذاني قد ابتكر المقامة في القرن الرابع الهجري، فإننا نرى أبا القاسم بن علي الحريري (466-516هـ) يسير على نهجه، ويؤلف هو الآخر مقاماته الشهيرة «مقامات الحريري». وقد توسع من خلفوهما في كتابتها، فاهتموا -إلى جانب تعليم الأساليب الأنيقة- بكل الشؤون الثقافية، وضمنوها نحوًا وفقهًا وطبًا، وأخضعوها لقيود اللفظ، وهذا يظهر تطور فن المقامة من الهمذاني إلى الحريري.
الفرق بين مقامات الهمذاني ومقامات الحريري
-
المقامة عند الهمذاني: تميزت بالعفوية، قصر السجع، وواقعية القصص المستمدة من الحياة.
-
أسلوب الحريري: مال أكثر إلى الصنعة اللفظية المفرطة، الإغراب في اللغة، والألغاز اللغوية المعقدة.
المقامة عند بديع الزمان: المصادر والتأثير
لا ريب أن الهمذاني قد تأثر بمن سبقوه في كتابة مقاماته، منذ كانت أحاديث ابن دريد مصدر إلهامه، خاصةً أنه اتخذ منها وسيلة لتعليم اللغة العربية وأساليبها المختلفة. وقد صرّح الثعالبي ومن بعده الحصري بأن بديع الزمان أنشأ أربعمائة مقامة، وأكّد ذلك الهمذاني في بعض رسائله.
ولا شك في أن الفكرة التي أدار الهمذاني حولها مقاماته تقوم على الكدية أو الشحاذة، وقد استمدها من «خطبة الأعرابي السائل في المسجد الحرام»، ورواها صاحب الأمالي عن ابن دريد، وهو ما يدل دلالة واضحة على أن بديع الزمان تأثر بابن دريد في مقاماته.
كذلك تأثر الهمذاني بالجاحظ، فقد استمد من كتاباته حول أهل الكدية ونواديهم الكثير، واستوحى منه العديد من قصصه. وإذا كان ابن دريد قد أثّر فيه من ناحية الشكل، فصاغ مقاماته في صورة أحاديث تعليمية، فإن الجاحظ قد أثّر فيه من جهة الموضوع، فدارت مقاماته حول الكدية. ومع ذلك فإن الهمذاني لم يتأثر بها فحسب، بل تأثر أيضًا ببعض شعراء الكدية مثل الأحنف العكبري شاعر المُكدين وظريفهم، وأبي دلف الخزرجي شاعر الملح والطرف في الكدية.
بلغ من تأثر الهمذاني في مقاماته بهذين الشاعرين أنه أجرى على لسان أبو الفتح الإسكندري هذين البيتين:
ويحك هذا الزمان زور *** فلا يغرنك الغرور
لا تلتزم حاله ولكن *** دُرْ بالليالي كما تدور
أعمل الهمذاني خياله فابتدع شخصيتين وهميتين تدور حولهما جل مقاماته، هما: شخصية البطل أبي الفتح الإسكندري -ولا تكاد مقامة تخلو من وجوده، اللهمَّ إلّا المقامة البغدادية والغيلانية- وشخصية الراوي عيسى بن هشام. يبدأ الهمذاني كل مقامة بصيغة ثابتة هي: «حدثني عيسى بن هشام قال»، وتدل هذه العبارة على أنه حينما ألّف مقاماته كان يقلّد طريقة الرواة، بل كان يقلّد طريقة ابن دريد في أحاديثه.

موضوعات المقامة عند الهمذاني
تنوعت موضوعات المقامات وأهدافها التعليمية، وعلى الرغم من أن أكثرها يدور حول الكدية والاستجداء، فيظهر أبو الفتح الإسكندري في هيئة أديب شحاذ يجذب الجماهير ببيانه العذب الذي يحتال به فيصل إلى ما في جيوبهم، فإن بعضها يدور حول معانٍ واتجاهات مختلفة، فلا تقف عند حد الكدية، بل تمتد إلى ما عداها من الموضوعات التي تناولت شؤون الحياة في عصره، وخاصة في المقامة البغدادية.
وقد اتخذت المقامات الشكل القصصي وسيلة لعرض أساليب السجع الشائعة في عصر الهمذاني، حتى يسهل تعلمها وتذوقها. ويظهر الإسكندري بهذه الصورة في أكثر من بلد، الأمر الذي دفع الهمذاني إلى أن يُسمّي بعض المقامات بأسماء البلدان، وأغلبها فارسية. وقد يُسمّي بعضها بأسماء الحيوانات كالمقامة الأسدية، وبعضها الآخر باسم الموضوع الذي يُعالجه، مثل:
-
«الوعظية» لأنها تدور حول الوعظ.
-
«القريضية» لأنها تدور حول قرض الشعر.
-
«الإبليسية» لأنها تتصل بإبليس.
-
«الملوكية» لأنها تدور حول الملوك وتمدحهم.
وقد برز النثر في مقاماته منافسًا للشعر، وخاصة فيما يتصل بالمديح. فمع أن الشعر رسخت أقدامه وسيلة للشعراء في المديح وأداة لتكسبهم حتى عصر الهمذاني، فلا يتكلم الشعراء بغيره، إلا أن الهمذاني نجح في التعبير عن المدح نثرًا، فقضى بذلك على الحواجز بينهما، وشاع استخدام كل فن لموضوعات الفن الآخر.
أسلوب الهمذاني في مقاماته
وُضعت المقامات عمومًا في شكل حوار قصصي، يمتد بين الراوي عيسى بن هشام والبطل أبي الفتح الإسكندري. ويأتي الحوار على الهامش، إذ الهدف الأول من المقامة هو الإتيان بمجاميع من الألفاظ والأساليب التي تجذب السامعين وتبهرهم بجمالها من روائع الأدب العربي القديم. فليس غاية الهمذاني غاية قصصية، وإنما غايته صياغة ألفاظ وصبغها بالصبغة الفنية التي كانت معروفة في عصره.
وقد اختار الهمذاني صيغة السجع لمقاماته أسلوب السجع في مقامات بديع الزمان، وهي الصيغة الشائعة في عصره لِيُنَمِّقَ بها أحاديثه، وقد أبرز مهارة فائقة في استعمالها، فهو يضع الكلمات في مواضعها بدقة وبراعة منقطعة النظير، فجاء سجعه خاليًا من التكلف، مع إضفاء روح الفكاهة عليه، مما يجعله أكثر قبولًا لدى النفوس.
ونحاول أن نقف على طبيعة المقامات وأسلوبها من خلال الدراسة التحليلية التطبيقية لواحدة منها.
تحليل المقامة الحرزية للهمذاني
نموذج تطبيقي يوضح السجع والجناس وبلاغة الهمذاني
نص المقامة الحرزية
حدثنا عيسى بن هشام قال: لما بلغت بي الغربة باب الأبواب، ورضيت من الغنيمة بالإياب، ودونه من البحر وثاب بغاربه، ومن السفن عساف براكبه، واستخرت الله في القفول، وقعدت من الفلك بمثابة الهلك، ولما ملكنا البحر، وجنّ علينا الليل، غشيتنا سحابة تمدّ من الأمطار حبالًا، وتحدو من الغيم جبالًا، بريح ترسل الأمواج أزواجًا، والأمطار أفواجًا، وبقينا في يد الحين بين البحرين، لا نملك عُدَّةً غير الدعاء، ولا حيلة إلا البكاء، ولا عصمة غير الرجاء. وطويناها ليلة نابغية، وأصبحنا نتباكى ونتشاكى، وفينا رجل لا يخضل جفنه، ولا تبتل عينه، رَضِيُّ الصدرِ مُنشرِحُهُ، نَشيطُ القلبِ فَرِحُهُ. فعجبنا والله كل العجب، وقلنا له: ما الذي أَمَّنَكَ من العطب؟ فقال: حرز لا يغرق صاحبه، ولو شئت أن أمنح كلًا منكم حرزًا لفعلت. فكُلٌّ رغب إليه، وألحّ في المسألة عليه، فقال: لن أفعل ذلك حتى يُعطيني كل واحد منكم دينارًا الآن، ويعدني دينارًا إذا سلم. قال عيسى بن هشام: فنقدناه ما طلب، ووعدناه ما خطب، وآبت يده إلى جيبه، فأخرج قطعة ديباج، فيها حُقّة عاج، قد ضَمَّنَ صدرها رقاعًا، وحذف كل واحد منا بواحدة منها. فلما سلمت السفينة، وأحلتنا المدينة، اقتضى الناس ما وعدوه فنقدوه، وانتهى الأمر إليّ، فقال: دعوه. فقلت: لك ذلك بعد أن تعلّمني سرّ حالك. قال: أنا من بلاد الإسكندرية. فقلت: كيف نَصَرَكَ الصبرُ وخذلنا؟ فأنشأ يقول: «ويك لولا الصبر ما كنـــتَ *** ملأت الكيس تِبرًا لن ينال المجد من ضاقَ *** بما يغشاه صدرًا ثم ما أعقبني السّاعةَ *** ما أعطيت ضُرًّا بل به اشتد أزرا *** وبه أجبر كسرا ولو أني في اليوم في الغرقى *** لما كلفت عُذرًا».
تعليق وتحليل (شرح المفردات والمضمون)
لفهم البلاغة العربية في النص، نوضح بعض المفردات الصعبة:
-
باب الأبواب: اسم مدينة (دربند حالياً).
-
وثاب بغاربه: الموج العالي (الغارب: أعلى الموج).
-
عساف براكبه: يظلمه ويجور عليه (كناية عن شدة البحر).
-
القفول: الرجوع من السفر.
-
ليلة نابغية: ليلة طويلة وشديدة (نسبة للنابغة الذبياني الذي وصف الليل بالطول).
يقوم موضوع هذه المقامة على الكدية بطريقة غير ظاهرة، فقد استطاع أبو الفتح الإسكندري أن يستخرج ما في جيوب القوم بخدعة اصطنعها، حين أوعز إليهم أن لديه حرزًا يُنجيهم من الغرق، وأنه لن يدفع لهم بهذا الحرز إلا إذا أعطاه كل منهم دينارًا، ووعدوه بآخر إذا سلموا.
بطل هذه المقامة هو أبو الفتح الإسكندري، وراويها هو عيسى بن هشام. وقد وُضعت في شكل حوار قصصي يثير انتباه القارئ نحو تتبعه والوقوف على ما فيه من ألوان الفكاهة التي تجعلها جديرة بأن تُروى في المجالس.
الأسلوب البلاغي
أسلوب المقامة حاشد بألوان من الألفاظ والأساليب الفنية التي كانت معروفة في عصر الهمذاني، فهي مليئة بالسجع الذي رصّع به عباراته. وواضح من تتبع ما حوته المقامة من ألوان السجع، أنه من النوع الخفيف المقبول. فقد عمد الهمذاني إلى تقصير السجعات، إذ إن التطويل قد يطيل المسافة الزمنية للأصوات، فلا يعطيها الرشاقة التي نحسها عند قراءة الفقرات. ومع قِصر السجع أتى بألوان أخرى من البديع كالجناس والطباق وغيرهما، كما اهتم بإبراز الصور الخيالية. وقد ضمّن هذه المقامة بعض الأشعار التي اتخذها وسيلة لإنهائها.
ولا شك في أن هذه المقامة حوت حشدًا من الألفاظ قُصد بها تعليم الناشئة، واستطاع أن يقضي على غرابة الألفاظ بإضفاء مسحة من الفكاهة على جوانب كثيرة من مقامته.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.