منذ فجر التاريخ، سعى الإنسان لتعزيز جماله، بدءًا من كليوباترا ووصولًا إلى عصر الجراحات الدقيقة، لكننا اليوم نعيش تحولًا ينذر بالخطر؛ لم يعد الهدف إبراز الجمال فقط بل طمس الهوية لاستنساخ قوالب جاهزة تفرضها الموضة.
يناقش هذا المقال السطوة النفسية لمعايير الجمال المستحدثة، وكيف تُستخدم تقنيات البرمجة العقلية لتحديد ما هو جميل وما هو قبيح، كاشفًا عن الطريق الحقيقي للتحرر من سجن المقارنات واستعادة الثقة بالنفس.
جدلية الجمال: بين التحسين والطمس
لقد شغل جمالُ الشكل العقول على مر العصور، فكانت كليوباترا من العصر الفرعوني أول من اخترع الزينة للمرأة سعيًا منها لإضافة لمسات جمالية لجمالها الأصلي، ومن ثم ومع التطور الذي أُلحقَ بنا وجدنا أنفسنا أمام تغيير جذري لشكل الإنسان الذي خُلق عليه، شكل العيون، شكل الأنف، الأذنين، الفم، الخدود حتى مظهر الجسم، كل شيء قابل للتغيير، لم يعُد المظهر غير المقبول عائقًا، فبإمكانك تغيير ما لا يعجبك بسهولة.. هنا نصل إلى نقطة جوهرية لأطرح عليك سؤالًا جوهريًّا فلسفيًا ونفسيًا عميقًا:هل ما تسعى لتغييره هو حقًا ما لا يُعجبك، أم ما بُرمجت على كراهيته؟
برمجة العقول وأيقونات الجمال
برمجة العقول على معيار مُعين للجمال، وكيف لهذه البرمجة أن تؤثر على نظرتنا لأنفسنا؟
من مِنا لا يعرف الأميرة ديانا.. أيقونة الجمال، لقد أبهرت العالم بحُسنِها، ملامحُها البسيطة واللطيفة تخطف الأنفاس، إنها مختلفة تمامًا عن الملامح التي يسعى إليها مُحبو الجمال في هذا الزمن، ملامح حادة وقوية، شفاهٌ كبيرة ممتلئة، وأنفٌ صغير يكاد ينعدم وجوده في الوجه.
إننا إذن لا نملك معيارًا مُحددًا للجمال، فهو يختلف من وقت لآخر.
هوس الموضة وتأثير «الدليل الاجتماعي»
إن هوس بعض الأشخاص بالموضة لم يقتصر على الملابس فقط بل امتد ليشمل كل مغريات الدنيا بما في ذلك مظهر الإنسان، ومع وجود ما يُسمى بعمليات التجميل، أصبح الأمر سهلًا لمواكبة تلك الموضة، فما إن تنتشر موضة جديدة للمظهر البشري المثالي يُسارع إليها كل مهووس بها.
لُب الموضوع إذن هو حب الموضة واتباعها هوسًا.. حب الذات وأهميته في عدم الانسياق خلف الموضة ابتغاء مرضاة الوعي العام عن جمال المظهر.
حب الذات هو الجمال الحقيقي
من المُلاحظ أن أغلب الذين يلجؤون إلى عمليات التجميل الحديثة بُغية الوصول إلى ذلك الطابع الجمالي الذي فُرض على البشرية كأنه قانون لتحديد الشكل المثالي، يتعرضون للتنمر، على الرغم من نجاح تلك العمليات، فما السبب؟
ذلك التنمر يتجلى لهم بسبب عدم تقبلهم لأشكالهم بالأساس، فما تراه أنت عن نفسك سينعكس في الخارج ويراه الناس فيك، بدل محاولة مجاراة القوانين البشرية عن الجمال وفر طاقتك واستثمر في حُب ذاتك وتقبل مظهرك كيفما كان، وكلما رأيت نفسك جميلًا سيراك الناس جميلًا.
فالجمال إذن يرتبط بنظرة الشخص لنفسه وليس بالمعايير التي يضعها غيره.
الأميرة ديانا أحبت خلقتها فأثر ذلك في الخارج وأحبها الناس، في كل زمن ستُطلق البشرية موضة جديدة ليتبعها كل من كان رافضًا لهيئته، تلك الموضة يُطلقها شخص قوي النفس أحب نفسه كما هو، ومن شدة قوة هالته ولكِن من برمجة العقول على مظهره كأنه معيار الجمال.
من قال إن الشفاه الكبيرة أجمل من الشفاه الصغيرة؟ من قال إن الأنف الصغير أجمل من الأنف الكبير؟ من قال إن الأبيض أجمل من الأسود؟
كلها معتقدات بشرية ما أنزل الله بها من سلطان، هل جاء في قرآننا شيء عن معيار الجمال الحقيقي؟
القرآن هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه، أي إنه الوحيد الذي لا يحتمل الخطأ، أما ما يضعه أي بشري أيًا كانت صفته فقد يحتمل الخطأ والصواب، القرآن وهو دستورنا العظيم لم يأتِ لنا بمعيار محدد للجمال، إذن كل تلك المعايير البشرية تحتمل الصواب والخطأ.
اللعبة الكبرى: البرمجة اللغوية العصبية
هل تعلم ما اللعبة؟ إنها البرمجة اللغوية العصبية، إن التمكن الكامل من استخدام البرمجة اللغوية العصبية قد يجعل شخصًا مبتور القدمين يتمكن من برمجة العقول على أن الجمال يكمن في بتر القدمين، فيتهافت الباحثون عن الجمال الخارجي ومتبعي الموضة إلى قطع أرجلهم بكل سرور وفخر.
إذن ما يسمى بعمليات التجميل ما هي إلا عمليات تغيير لخلق الله، فالجمال مرتبط بمعتقدات العقل الباطن التي تبناها منذ الصغر وعلى أساسها يُطلق أحكامه على أشكال الناس: هذا جميل وهذا بشع.
إن الجمال ليس له معيار مُحدد، وأي حكم ستُطلقه على نفسك أو غيرك هو من وعيك الخاص وما تبنيته من معتقدات عن الجمال، أما المعيار الحقيقي للجمال فهو مرتبط بنظرة الشخص لنفسه، انظر إلى شكلك بعين الجمال لا بعين الانتقاص، يراك العالم جميلًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.