المعطف الرمادي

هنا، كوكب الأرض، تسقط الأحلام تباعًا و تتسرب الطموحات فتخرج من بين طيات أرواحنا، وفجأة نجد أنفسنا في ظلام دامس وصفيع قارص، لسنا عرايا ولكننا مغطين بمعطف رمادي باهت لونه، خيطت أصوافه بأصواف اليأس والحزن، ورُقعت أطرافه بأقمشه من الغدر و الخذلان، لا يقيينا شر البرد ولا يُسعفنا بينما نسير في تجاه الريح العاصف.
بين الأزقة والطرقات هناك الألاف بل ربما الملايين ممن يرتدون هذا المعطف، قد لا تراهم و قد لا تدرك عيناك ما يردونه حقًا إلى جانب ملابسهم التقليدية ،ربما لأنك بعيد عن هذا الثوب فلا تدرك بشاعته، أما أنا فأعرفه جيدًا، لأنني أرتديه منذ زمن بعيد و لم أستطع التخلص منه أبدًا!

تقول كريمان، 27 سنة، من محافظة الدقهلية مركز بلقاس، كان كل شئ معي على مايرام، لدي ما يكفي من الأحلام و الطموحات، أما عن حماسي فكان يزيد عن طاقتي وطاقة الأشياء من حولي، كنت أشعر بأنني سأنال كل ما أطمح إليه في دُنيانا، ابتسامتي دائمة الحضور، و ظننت أنني كلما عاملت بالحسنى من حولي كلما بادلوني التقدير، الحب و الإحترام، لكنني كنت ساذجة إلى أبعد الحدود، كانت أفكاري هشة وبريئة ربما لم تنضج بالمستوى الكافي لإستيعاب كم القسوة والبشاعة التي تكمن في البشر من حولنا، ولم أكن أعي أننا في صراع دائم بين الخير والشر، بين إحياء الأحلام و وئدها، وأخيرًا بين النقاء و الدنائة.

هل يٌعقل أن ينتهي بي المطاف هنا في المشفى النفسي فقط لأنني لم أرتكب أي جرم ولم يكن بيدي أي حيلة أو طريقة لإنقاذ نفسي ممن حولي ؟ لم استطع التعامل مع عالمكم المخيف، المحفوف بأبالسه الشر والظلام، ولم اكن على معرفة بطريق للهرب، وكانت الغمامة تحتصن عيناي فلم استطع الرؤية بوضوح، لكن لم يكن لي ذنب في ذلك.

حين نصطدم بالحقيقة، تُرجرج أنفسنا من الداخل، يهتز القلب، ويفقد العقل صوابه أو قد يجن جنونه، و هذه هي مشكلتي، لم استطع تخطي أي من الأحداث التي طالما آلمت قلبي، لم يقدر عقلي على النسيان و بت أرتدي ذلك المعطف الذي خيط من الآلام المختلفة، تنازلت عن أحلامي وطوحاتي، فكيف لمكتئبة مثلي أن تعيش بينكم ؟ أولًا لم أعد أطيق التعامل مع البشر، ثانيًا فقدت الثقة في كل بشري هنا في كوكب الأرض، ثالثًا تلاشت أساسيات التواصل من بين يدي، رابعًا وليس أخرًا شوهت المعاني داخلي فلم أعد أعرف كيفية الإستمتاع بالأشياء أو الإحساس بها، وخماسًا ازداد خوفي في عُزلتي، نمى قلقي ،ملائني التوتر، وكتم الإكتئاب أنفاسي.

حاولت التخلص من معطفي هذا ولكنني لم أقدر على إبعاده أو خلعه عني، لقد أصبح ملازم لجسدي وكأنه خيط في جلدي، فأصبحا متلاصقين للأبد.

كثيرًا ما أشعر بأن سبيلي للنجاة هو الإطمئنان من جديد، أن يغمرني من حولي بالحب حتى أنسى ما شعرت به سابقًا. بت أشعر بأن جروحي لا تلتئم، مازلت أرى أحلامي لكنني لا أستطيع الوصول إليها، ثمة مانع أو حاجز بيني و بينها، وفي أحيان أخرى أقول لذاتي المتهالكة لقد انتهي بنا المطاف في ذلك المكان وفي أحضان هذا المعطف الخانق، لكن ثمة أمل دومًا يُحلق في سماء ذهني العاتمة، قل لي ماذا تظن أنت أيها الصحفي ؟!

بعد حديث طويل و شائك بيني أنا، علي شوقي، صحفي بجريدة أخبار الناس، وبين كريمان إحدى نزيلات المشفى النفسي، شعرت بأن كريمان على حق، نحن البشر أغلبنا كاذبون ومخادعون، نرتدي مئات الأقنعة يوميًا فوق وجوهنا الأصلية حتى نخفي حقيقتنا البشعة.

في الحقيقة لم استطع الرد على سؤال كريمان الأخير، لكنني وعدتها بأن الرد سيأتيها من الناس أنفسهم بعد نشر حالتها، و السؤال هو هل كريمان محقة ؟ فهي ضحية من حولها و ما مرت به من أحداث قاسية في حياتها فأنتهي بها المطاف ك مريضة إكتئاب حاد، أم أنها مذنبة في حق نفسها أولًا لأنها كانت هشة وساذجة فعليها مواجهة ما أصابها من حزن وخلل و ثانيًا في حق من حولها، لأنها لم ترد الظلم عليهم ؟!

أشعر بأنني أردتي المعطف ذاته، والله يعلم إلى أين سيأخذني..


 

 

بقلم الكاتب


كاتبة و مؤلفة مصرية، تخرجت من كلية الألسن قسم اللغة الألمانية و عملت في المجال الصحفي، نشر لها العديد من المقالات في الصحف المصرية الورقية و العديد من المواقع الإلكترونية، مؤلفة رواية المحطة الأخيرة..هستيريا و التي صٌنفت في معرض القاهرة الدولي للكتاب ضمن أقوى مئة عمل مشارك.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتبة و مؤلفة مصرية، تخرجت من كلية الألسن قسم اللغة الألمانية و عملت في المجال الصحفي، نشر لها العديد من المقالات في الصحف المصرية الورقية و العديد من المواقع الإلكترونية، مؤلفة رواية المحطة الأخيرة..هستيريا و التي صٌنفت في معرض القاهرة الدولي للكتاب ضمن أقوى مئة عمل مشارك.