المعضلة الأخلاقية في ميتافيزيقا أخلاق كانط

بداية أود أن أستعرض إحدى المسلمات وهي «أن القراءة تورطنا والسينما تنقذنا». يعجبني كثيرًا التمييز الذي أقامه كانط في كتابه تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق بين «الحب العملي» و«الحب الباثولوجي» على الرغم من أن إمكانيات وجود الأول ضئيلة بالنظر لصرامة المعيار الكانطي.

لكن الحب الباثولوجي يختلف عند كانط عن تصورنا للباثولوجيا عمومًا حينما تصيب العواطف. لا يتعلق الأمر هنا بحب التملك أو التعلق المرضي، بل إنه الحب ببعده الرومانسي وفي نقائه الذي يمكن لأي منا أن يحلم به كونه طوق نجاة. 

الحب الباثولوجي بالنسبة لكانط يعتمد على الجزء السلبي المتلقي من طبيعة الإنسان، ويكون بوازع الحساسية، لا من صميم الإرادة، ويكون من أجل غاية وليس هو الغاية.

أما الحب العملي فهو الذي يستند على مبادئ السلوك ولا يُشترط فيه الميل المباشر تجاه الشخص، ولكن نتيجة عن إحساس بالواجب المحض، وأن يستمر هذا الواجب، حتى حينما لا يكون ثمة ميل على الإطلاق يدفع إلى الإقدام عليه، على حد تعبير كانط: يعني «أن أحبك كما أريد، لا كما أرغب» amor benevolentiae.

الحب العملي هو الذي يستند على مبادئ السلوك ولا يُشترط فيه الميل المباشر

ألا أحبك لأنني أميل نحوك وأشعر بالسعادة بقربك؛ لأن السعادة مصلحة ذاتية، وليس تأمين السعادة هو الغاية الأسمى التي وجد من أجلها العقل. بل أن أُحسن إليك وفقًا لما يقتضيه الواجب وبشعور بهذا الواجب، وبعده قد يتحصل حبي لك.

«قدِّم الخير لجارك، وسيولد هذا الفعل الخَيِّر في نفسك حب الناس (بحيث يصبح استعدادًا يجعلك تميل إلى فعل الخير بوجه عام)» كانط.

لكن المسألة هي أننا لا نحب أن نفعل ما لا نحبه، وأن أفعالنا ترتهن بالحب أكثر من الواجب.

أيضًا فالواجب الذي يفرض الحب، يفرغ الحب من أحد أسمى معانيه وهي الحرية.

أما الحب الذي يفرض الواجب، فيجعل هذا الواجب مشروطًا به، وهو وفقُا لكانط سلوك عملي، أكثر منه قانون أخلاقي مطلق.

حينئذ تحضرني أحد أهم البارادوكسات التي تناولها مسلسل game of thrones وجسَّدها أبناء ستارك بتراجيدية تظهر بوضوح صعوبة التوفيق بين الحب والواجب.

في أحد المشاهد يقول القائد مورمنت لـ جون سنو «الحب يقتل الواجب». وتشبثًا منه بالقسم على الالتزام بالواجب فقد سنو حبيبته الأولى دفاعًا عن الجدار، ويقتل حبيبته الثانية دفاعًا عن الممالك السبع. 

في المقابل يقود «روب ستارك» الستارك إلى حتفهم في الزفاف الأحمر The Red Wedding لسبب واحد أنه قدم الحب على الواجب، والزواج من امرأة عادية يحبها على الزواج من ابنة الفراي، فـ «الحب يقتل الواجب». 

فهل يمكن أن نلتزم بالحب أو أن نحب الالتزام بطريقة لا تخلُّ بالواجب ولا تفرغ الحب من طبيعته بوصفه شعورًا لا يُسيج!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.