الخليفة المعتصم بالله: بطل عمورية ومؤسس سامراء

يُعدُّ الخليفة المعتصم بالله، ثامن خلفاء بني العباس، إحدى أقوى الشخصيات التي تولت زمام الحكم في التاريخ الإسلامي، وكانت خلافته نقطة تحول جذري في بنية الدولة؛ حيث أدخل العنصر التركي في الجيش وشيَّد مدينة سامراء لتكون عاصمةً جديدةً لملكه.

وبين صرامته في مواجهة الثورات الداخلية مثل فتنة بابك الخرمي، وبطولته الخالدة في فتح عمورية، تبرز شخصية المعتصم كقائد فذٍّ وشجاع، رغم ما شاب عهده من شدة في المسائل العقائدية والسياسية. في هذا المقال، نستعرض تفاصيل حياته، وأهم إنجازاته العمرانية، والمعارك التي خلدت اسمه في التاريخ.

نشأة الخليفة المعتصم بالله ومعدنه العسكري

وُلد الخليفة أبو إسحاق محمد المعتصم بالله في مدينة بغداد سنة 179هـ، وهو ابن الخليفة هارون الرشيد من أم كوفية تُدعى ماردة، وقد نشأ في كنف والده ببيئة ملكية، إلا أن سمات شخصيته مالت منذ الصغر نحو القوة البدنية والفروسية أكثر من ميلها إلى الأدب والتبحر في العلوم كأخيه المأمون.

نشأة الخليفة المعتصم بالله

عُرف المعتصم بجسارة القلب وشدة البأس، وكان يمتاز بضخامة البنية وقوة عضلية خارقة مكنته من التفوق في الميادين العسكرية، وهو ما انعكس على توجهاته السياسية لاحقًا.

توليه الخلافة ومحنة خلق القرآن

بُويع له بالخلافة بعد وفاة أخيه المأمون، وكان ذلك وهو في غزوته الأخيرة إلى بلاد البيزنطيين، في رجب سنة 218هـ. وقد سار المعتصم على سياسة أخيه في حمل الناس على القول بخلق القرآن، فأهان الإمام أحمد بن حنبل إهانة بالغة؛ إذ أحضره في أول خلافته وامتحنه في مسألة القرآن، فلم يُجب إلى القول بخلقه، فأمر بجلده جلدًا شديدًا حتى غُشي عليه، وتقطَّع جلده من شدة العذاب، ثم حُبس مقيَّدًا.

السياسة تجاه العلويين

كذلك تشدَّد المعتصم مع العلويين؛ فتخلَّص من الإمام محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى في الخامس من ذي الحجة سنة 219هـ، وقيل إن أم الفضل بنت المأمون سمَّته عندما قدمت معه من المدينة إلى المعتصم.

كما قبض على محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين العلوي، فسجنه في أزجٍّ اتخذه في بستان بمدينة سر من رأى، ثم دُسَّ إليه السم فمات، وإن كان فريق من الزيدية يعتقدون خلافَ ذلك، وأنه مهدي هذه الأمة.

ظهور النفوذ التركي وتأسيس مدينة سامراء

وكان المعتصم شجاعًا قويًا، من أشد الناس بطشًا، وقائدًا موفقًا في حروبه، حتى استحق لقب «الخليفة القائد». وهو أول من أدخل الأتراك في الديوان، وكان يتشبَّه بملوك الأعاجم، ويمشي مشيتهم. واعتمد على الأتراك اعتمادًا كليًا في الجيش، وأسقط العرب من ديوان العطاء، وأهمل الفرس، فقويت شوكة الأتراك، وارتكبوا كثيرًا من أعمال الشغب في بغداد، الأمرُ الذي أثار العامة عليهم.

شجاعة المعتصم بالله

واضطر المعتصم إلى تأسيس مدينة تتسع لجنده الأتراك، فأنشأ مدينة سامراء سنة 221هـ، وانتهى من بنائها سنة 223هـ، وأقام فيها مسجدًا جامعًا، وأفرد سوقًا لأرباب الحِرف والصناعات، ونقل إليها الأشجار والثمار، وبنى القصور العظيمة التي بلغ عددها 17 قصرًا، فغدت مدينة قائمة بذاتها.

إخماد الفتن الداخلية: نهاية بابك الخرمي

وفي عهد المعتصم ازداد خطر بابك الخرمي، الذي لجأ إلى الأقاليم الجبلية الشمالية الشرقية منذ سنة 201هـ، فحشد المعتصم كل إمكاناته العسكرية للقضاء عليه، وعهد بهذه المهمة إلى قائده الأفشين، فانتهى الأمر بالقبض عليه، وسيَّره إلى الخليفة بسامراء، ليُقتل شرَّ قتلة سنة 222هـ، ليكون عبرة لغيره.

ملحمة عمورية

والمعتصم هو بطل عمورية؛ ففي عهده ساءت العلاقات بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية، وكان الإمبراطور البيزنطي تيوفيل بن ميخائيل العموري يمد بابك الخرمي بالمعونات العسكرية، انتقامًا لما فعله العباسيون في زمن المأمون من مساعدتهم لتوماس الصقلي.

وقد أغار البيزنطيون سنة 223هـ على مدينة زبطرة وفتحوها عنوة، ثم أغاروا على ملطية، فقتلوا ونهبوا وسبوا. فاستنفر المعتصم قواته، وسار على رأس جيش ضخم يقوده الأفشين وأشناس، وتمكَّن من هزيمة الإمبراطور البيزنطي عند أنقرة، ثم حاصر عمورية ودخلها عنوة، وتركها أربعة أيام نهبًا للسلب والتدمير، في حملة دوَّت أصداؤها في العالمين الإسلامي والبيزنطي.

دخول عمورية

المؤامرات الداخلية: قصة العباس بن المأمون وخيانته

وأراد المعتصم المسير إلى القسطنطينية ومحاصرتها برًّا وبحرًا، لكنه بلغه عزم العباس بن المأمون على الخروج عليه ومكاتبة الإمبراطور البيزنطي، فعجَّل في مسيره، وقبض على العباس وأنصاره، وفي مدينة نبج مُنع عنه الماء حتى مات، جزاءً لخيانته.

وفي أيام المعتصم خرج المازيار بن قارن، صاحب جبال طبرستان، سنة 224هـ، وكان على ما يظهر من الخرمية. ويُرجع سبب ثورته إلى رغبته في انتزاع الأراضي من كبار الملاك العرب وتوزيعها على الفلاحين، فأغرى هؤلاء بقتل أرباب الضياع. فأمر المعتصم قائده عبد الله بن طاهر بمحاربته، فسير إليه من نيسابور عمَّه الحسن بن الحسين، الذي تمكَّن من أسره وحمله إلى سامراء سنة 225هـ.

وهناك أقرَّ المازيار بأن الأفشين هو الذي حرَّضه على العصيان، لاتفاقهما على المجوسية، فأمر المعتصم بجلده حتى الموت، ثم صُلب إلى جانب بابك، في مشهد قصد به الردع والتنكيل. أما الأفشين، فقد مات في الحبس، ثم أُخرج جثمانه وصُلب بباب العامة في سامراء.

ثورة المبرقع اليماني وأواخر عهد المعتصم

وفي أيام المعتصم أيضًا خرج أبو حرب المبرقع اليماني في فلسطين سنة 226هـ. ويرجع سبب ثورته إلى أن بعض الجند اعتدوا على إحدى نسائه بالسوط فأصابوها إصابة دامية، فغضب وقتل الجندي، ثم هرب وألبس وجهه برقعًا، ودعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ورغم كونه أمويًّا، فقد سُمِّي بالسفياني. ولما كثر أتباعه، وانضم إليه جمع من رؤساء اليمانية، خشي المعتصم من استفحال أمره، فسيَّر إليه رجاء بن أيوب الحضاري في نحو مائة ألف مقاتل. فلما رآه رجاء في حشود كبيرة، كره ملاقاته، وعسكر تجاهه، وكان ذلك في أوان الزراعة، فانصرف كثير ممن كانوا مع المبرقع إلى أعمالهم، وبقي معه نحو ألف أو ألفين، بعد أن خفَّ جمعه وتفرَّق أنصاره.

وتوفي المعتصم في هذه الأثناء، وتولى الواثق الخلافة. وفي عهده ثارت القيسية بدمشق، فأمر الواثق القائد رجاء بالشروع في إخماد فتنة دمشق، ثم العودة بعد ذلك إلى قتال المبرقع. غير أن المبرقع وقع أسيرًا في يد رجاء، فأُرسل إلى سامراء، لتنتهي بذلك إحدى الفتن التي شغلت الدولة في أواخر عهد المعتصم.

رحل المعتصم بالله تاركًا وراءه دولةً مهابة الجانب، وجيشًا قويًا، وعمارةً تشهد على طموحه الكبير في سامراء. ورغم أن عهده شهد انقسامات فكرية حادة، فإن صورته في الوجدان التاريخي تظل مرتبطةً بالشهامة والبطولة العسكرية، خاصةً في ردعه للبيزنطيين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة