المعاناة من منظور معاصر

إن تاريخ المعاناة مع الإنسان طويلة ومنذ الأزل ولطالما كانت رفيقة دربه، وهي سنة من سنن الحياة مفروضة عليه، ولكنها تتفاوت درجة المعاناة من شخص لآخر، ولأسباب كثيرة، منها من صنع البشر وأخرى من صنع الطبيعة. فالمعاناة هي تجربة شخصية يشعر بها من يعاني بعدم السعادة، يرجع مردها إمّا إلى مسببٍ ماديّ كالألم الجسمي، أو قد تكون مسببٍ نفسي كالمشاكل الحياتية المختلفة من عدم تلبية الحاجات الشخصية، فقدان أحد الأفراد المقربين، الانفصال عن المجموعات الاجتماعية، الحد من الحرية، المرض والموت.

كما يمكن أن تتدرج المعاناة في إطار أمور بسيطة إلى أمور غير محتملة، يرجع تقديرها حسب الشخص كما أسلفنا من قبل، كما تحدث المعاناة ضمن العديد من مختلف مجالات النشاط البشري، وتأخذ أشكال مختلفة حسب طبيعتها، وأصلها وأسبابها، ومعناها ومغزاها، والسلوكيات الشخصية والاجتماعية، والثقافية المرتبطة بها، والعلاجات الخاصة بها، وكيفية إدارتها.

وغالبًا ما تصنف المعاناة كمعاناة مادية أو معاناة عقلية، قد تأتي المعاناة بدرجات متفاوتة من الشدة، بدءًا من معاناة خفيفة إلى معاناة لا تطاق، قد تختلف المواقف وردود الفعل تجاه المعاناة على نطاق واسع، وذلك وفقًا لإمكانية تجنب هذه المعاناة أو كونها لا مفر منها، أو كونها مجدية أو غير مجدية، وكونها مبرّرة أو لا جدوى منها. ولقد تم تناول موضوع المعاناة فلسفيًا ودينيًا وطبيًا.

وهذا موضوع يطول شرحه في هذا المقال، والقصد هنا من مقالي أريد ذكر ما لم يتم تناوله كثيرًا من صور المعاناة البشرية في هذا العصر لأنها أشدها قسوة، لأنها أخذت منا ما لم تستطع في أي عصر أن تأخذه، للأسف لم يعُد عالمنا بأيدينا كما كان منذ الأزل، بل تم الانتقال بنا عبر الزمن إلى عالم تغيّرت فيه أشكالنا ونفوسنا وطريقة تفكير عقولنا، إننا الآن في زمن من عالم آخر. لقد أصبحنا مجرّد أرقام في عالم يحكمه الديجيتال والعالم الرقميّ، أصبحنا نسخا متعددة من أرقام هواتفنا وحساباتنا وبطائقنا البنكية. أصبحنا مجرّد أرقام لا أكثر ولا أقل.

استبدلنا قيمنا الأخلاقيّة بقيمها السوقية الرقمية، كم نساوي في عدد المشاهدات والإعجاب، كم نساوي بعدد سيارتنا ومشترياتنا وحسابتنا البنكية. أصبح عالمنا الرقميّ يستهلك أعمارنا الصغيرة بدون أن نشعر. أشكالنا لم تعُد تعرفنا، مشاعرنا استبدلناها لما يناسب عالمنا الجديد. قيم كثيرة تغيّرت فلم يعُد لديها مكانا بيننا لقد تنزلنا عنها واستبدلناها بقيم أخرى غريبة، أدعو كل من يقرأ هذا المقال أن يتأمل بنفسه وفي أي عالم نحن فيه. للأسف لم نستطع مجاراة تقدّمنا الحضاريّ لأنها سلبت منا ما هو أهم وهي إنسانيتنا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.