على الرغم من كثرة مكونات النفس الإنسانية وتشابكها فإن المكون الأساسي لها هو المشاعر.
نعم أنا أعني ما أقول تماماً.. فالمشاعر هي معجزة الله داخل الإنسان ..شيء بديع في تكوينه..ومحوري أيضًا..وقد توجه القرآن الكريم بالخطاب إلى المشاعر فقال سبحانه :" أفلا يشعرون" ..كما استدعى نوح عليه السلام حس المشاعر في قومه عندما قال لهم :"إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون".
وعندما تحدث القرآن عن إبداع الله في خلق النفس الإنسانية قال : " ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها" وما الفجور والتقوى إلا أحد تجليات المشاعر.
مرة أخرى أنا أعي ما أقول..فلو فكرنا قليلًا لأدركنا أن كل نشاطات الإنسان يكمن خلفها شعور ما.. حتى الأمور الحسية التي يمارسها الإنسان مثل الأكل والشرب والنوم والجنس والسعي للثراء يفعلها الإنسان ليشعر بالسعادة أو البهجة أو الرضا..
الزواج والعلاقات الأسرية محفوفة بالمشاعر من كل جانب...حتى الجريمة الدافع إليها دائماً شعور ما ...الكره أو الحقد أو الرغبة في الإنتقام أو غير ذلك؛ ولهذا السبب يستعين المحققون في الجرائم بالأطباء النفسيين لمحاولة تحليل شخصية المتهم والوصول إلى دوافعه.. الثورات أيضًا تصنعها المشاعر، فالذي يدفع آلاف البشر إلى التظاهر أو الاحتجاج بأي وسيلة كانت هو الشعور بالغضب تجاه أوضاع سياسية أو اجتماعية معينة.. ويحاول القائمون على السلطة أيضًا مخاطبة مشاعر الثائرين واستدرار عواطفهم عن طريق الخطابات المؤثرة.
الأعمال الفنية الجيدة هي التي تخاطب مشاعر الجمهور سواء أكانت مشاعر سارة أو حزينة... وصنع أي إنجاز في حياة أي حد سببه شعور ما سيطر عليه ودفعه للنجاح، ربما الرغبة في تحقيق الذات أو الرغبة في الانتصار على الآخرين مثلًا..
والشعر هو شعور في المقام الأول .. وسائر الأعمال الإبداعية نتجت عن شعور وتتوجه بالخطاب إلى شعور أيضاً.
باختصار..كل ما تفعله في حياتك تفعله لتصل إلى شعور معين.. أي شعور.. ولهذا كانت المشاعر هي جوهر النفس الإنسانية ولبها.. وهذه الحقيقة هي التي تفسر تناقضات النفس العجيبة..وتفك شفرات تلك النفس.. هذا اللغز هو الذي يفسر مثلاً لماذا يتزوج الشاب الوسيم بامرأة دميمة الخلقة ويكون مستمعًا بحياته معها وسط ذهول الجميع.. كما يفسر لماذا يعزف الرجل عن زوجته بارعة الجمال ويهرع إلى من هي أقل منها في كل شيء فيحبها أو يصاحبها أو يتزوجها.. يفسر كيف تكثر شكوى رجل ثري بينما يمارس حياته برضى عاملٌ فقيرٌ بالكاد يدرك قوته.
إذا وضعت يدك على مشاعرك فقد وضعت يد على كنز حقيقي.. وأدركت سر من أسرار نفسك... بل من أسرار الكون.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.