توجد علاقة قوية بين الإبداع والمعاناة، وقد يرجع ذلك إلى طبيعة الإبداع ذاته بوصفه الشيء الوحيد في حياة الناس الذي يستطيع الخلق كافة الإسهام فيه، وأن يُدْلوا فيه بدلائهم بمطلق الحرية بلا اشتراطات بدنية أو جسمية معينة.
اقرأ أيضاً كيف تشارك في خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة؟
العلاقة بين الإبداع والمعاناة
إن المبدع الحقيقي يقدم لنا أعماله معتمدة بخاتم رسمي لا يمكن تزييفه، والمقصود بكل تأكيد: الموهبة المقترنة بعزيمة من فولاذ، فليس بحاجة إلى أن يكون قوي البنية أو مفتول العضلات أو عريض المنكبين، فأهل الإبداع يدركون تمامًا أنهم ليسوا متقدمين لشغل وظيفة ما، وإنما يسلك النفر منهم طريقه إلى قلوب الناس من أيسر السبل عبر صدقه معهم في استعراض أفكاره التي تساعدهم في العثور ولو مؤقتًا على إنسانيتهم التي تاهت في زحام الحياة بين ثنايا عمله الإبداعي.
إن تاريخ البشرية حافل بنماذج لا تُعد ولا تحصى من المبدعين، الذي حُرموا نعمة الاستمتاع بأطراف سليمة وحواس كاملة، فما زادهم ذلك إلا مزيدًا من المقدرة على التعبير عن مكنونات أنفسهم وأحاسيسهم متجاوزين الألم إلى ساحة السعادة الرحيبة عن طريق الفنون والآداب كالشعر على سبيل المثال لا الحصر.
ولكن هل يقتنع الأسوياء بأن من حق ذوي الاحتياجات الخاصة أن ينخرطوا في بناء الحضارة الإنسانية بإسهاماتهم؟ هل يكفُّ البعض عن الاعتقاد بأنهم عالة على المجتمع؟ ومتى ندرك أنهم جزء أصيل من المجتمع يستطيعون صرف طاقاتهم الكامنة في أشياء قد يعجز الأسوياء عن إنجازها؟ ويكفي أن نذكر بضعة أسماء مثل الأعشى وأبي العلاء المعري وغيرهما كثيرين ممن أدوا دورًا مهمًّا في صنع التاريخ وأثروا الثقافة العربية بإسهاماتهم الفريدة.
اقرأ أيضاً ذو خلل جسدي وقلب كبير
شخصية قطرية تحول الحرمان إلى عطاء
في هذا البحث اخترت أن أستعرض نبذة عن شخصية قطرية استطاعت بمقدرة نادرة أن تحوِّل المحنة إلى منحة والحرمان إلى عطاء لا محدود! حيث أسلط الضوء على إحدى قاهرات الألم و«الإعاقة».
كما أتتبع سيرة امرأة ضربت أروع الأمثال في تحدي وضعها الجسدي، لتحول بذلك نقطة ضعفها إلى علامة تميز ومصدر قوة وسر إلهام، إنها «صدى الحرمان» التي وضعت بصمتها في مسيرة الأدب والشعر في دولة قطر، بل وعلى مستوى منطقة الخليج العربي كله فدامت ذكراها بالرغم من رحيلها عن عالمنا.
اقرأ أيضاً نظريات الدوافع
التعريف بالشاعرة
ذُكر فيما سبق الاسم الأدبي لشاعرتنا، صدى الحرمان، واسمها الحقيقي: تليلــــــة بنت غانم المهنــــــــدي، المولودة بتاريخ الثالث والعشرين من سبتمبر سنة ألف وتسعمائة واثنين وستين للميلاد في مدينة الخور التي تقع على الساحل الشرقي لدولة قطر على الضفة الجنوبية لخور يمتد 3 كليو مترات داخل اليابسة. وذاقت منذ نعومة أظفارها مرارة اليُتْم بوفاة والدها، ولها قصيدة بعنوان (يُبَــــــه) أي: يا أبي، وفيها تقول:
تـمنيتك مـعي بـاقي تـبـــدل خوفي اطمئنـــان ... يـا أغـلى من رحل روحي تعايد بك بوجداني
تـطوف الذكرى في قلبي تصحي خافقٍ شفقان ... وتـصرخ فـيني اقداري ماعاد يرجع لك مثاني
واضـيع وتـنولد دمعة على خد الرجا حرمــان ... واصـيح ويحترق صوتي (يبه) وتعيد احزاني
يـخذلني نـهار الـعيد لا قـبل يجرح النسيــان ... وذكرتك والحزن ينثر دموعه في ارض حرماني
دعـيتك طـالت الغيبة وفاضت فيني الأشجـان ... ودعـيت الله يـساعدني على تخفيف اشجاني
ورجـعت اعزف لاعيادي نشيد الارض للانسان ... لأن الارض تـبقى وعـمرنا وحده هو الفاني
تـمنيتك مـعي بـالعيد يا قلبٍ يعرف الغفــران ... لـو ان الـمستحيل اصعب تخطيته على شاني[1]
بل وحرمت الاستمتاع بأجمل أيام الحياة في طفولتها بسبب إعاقة بدنية ألمَّت بها فتسببت في شل حركتها.
تلقت تعليمها الابتدائي بمدرسة الخور الابتدائية وما لبثت أن توقفت عند هذا الحد بسبب إعاقتها التي حالت بينها وبين تحقيق مزيد من الطموحات العلمية، لكنها أبدًا لم تفتَّ في عزمها ولم تقيِّد قلمها الذي انطلق خفاقًا في سماء عالم الشعر والأدب والإبداع.
صحيح أنها كفَّت عن الذهاب إلى المدرسة لكنها لم تكف عن القراءة والتعلم والتحصيل الثقافي الحر، ولم تمنعها من كتابة الشعر الذي صار مع الأيام بصمة فريدة لها في مجال الشعر اللهجي في دولة قطر كلها.
عاشت تليلة المهندي نجمة تنير الضمير والوجدان العربي كافة، واستمعت شعوب الخليج إلى كلماتها في الأغاني وقرأت قصائدها في المجلات والصحف السيارة وغير ذلك من وسائل النشر، فاضطلعت بدور متميز في تشذيب النفوس وإثراء الأرواح بالألفاظ الجميلة والأفكار العذبة. فهل فكرنا في تلك الروح الفذة المتوقدة الكامنة وراء القصائد.
تلك الشاعرة التي كانت شمعة تحترق من أجل طريق مضيء بالأمل، فأهدت ديوانها إلى «الطفلة منيرة»، كما أنها كانت تبحث عن نوع مخصوص من التلقي فقدمت الديوان في إهدائها وبعبارتها: «إلى كل القلوب التي قرأت وتابعت وشاركتها الدمعة قبل الابتسامة، إلى كل القلوب التي أحبت (صدى الحرمان) دون أن تعرف من هي.....».
اقرأ أيضاً المؤسسات الإيوائية الطبية لرعاية الأشخاص ذوي الإعاقة
بين الألم والإبداع
إن الإبداع عادة ما يكون ثمرة ناضجة في غير أوانها، وعادة ما يظهر في ظل ظروف استثنائية، أو هو عمل خارق للعادة، فالكاتب قد يسكب من حبره مقالًا كل يوم ولكنه لا يرقى إلى أن يوصف أو يصنف على أنه إبداع، فقد يكون مضطرًّا للكتابة كل يوم ليملأ عمودًا صحفيًّا يكلف به، وبذلك قد يكتب أول شيء يعن لذهنه لكي ينجز عمله.
ولكن عندما يمر المرء بمحنة ما وتتولد داخله مشاعر وأحاسيس قاهرة، فيترجم هذه المشاعر على الورق ليولد القصيد من رحم المعاناة، وليست مبالغة إذا قال أحدهم: إن أجمل القصائد هي التي ترجمت إحساسًا بالغدر أو القهر أو فقدان عزيز أو الظلم أو أية تجربة حقيقية عاشها الشاعر وعبَّر عنها بأسلوبه لتصل إلينا إبداعًا قد يبهر صاحبه ذاته.
إن كل شخص يعبِّر عن معاناته بطريقته وبالوسيلة التي يجيد التعبير بواسطتها وقد يأحذ ذلك شكل كتابة أو إلقاء أو شعر أو رسم، وحتى من يخرج للصحراء يملأ الكون صراخًا وبكاءً، قد ينظر إلى نفسه على أنه مبدع طالما شعر بعد ذلك بالارتياح. فالإبداع ترجمة لانفعال عاطفي نحمله بين جنباتنا وكلما طالت مدة احتفاظنا به ازداد الضيق والاختناق، وكلما نضجت التجربة وقرب موعد ولادة إبداع جديد.
ظهور نجم صدي الحرمان في سماء الشعر
وقد يفسر هذا الرأي ظهور نجم الشاعرة صدى الحرمان في سماء الشعر في العام 1985، عندما كانت بعد في الثالثة والعشرين من عمرها. لكن الحقيقة أنها ظلت حبيسة الإعاقة التي ولدت بها تشير إلى أمر بالغ الأهمية عند التأمل في حياتها الشعرية الثرية.
ألا وهي امتلاكها كلا من الموهبة والإرادة الصلبة في تصريف المعاناة والغضب والشعور بالظلم والقهر وخذلان العالم والهوان والعزلة والوحدة إلى نتاج إيجابي يتمثل في قصائدها التي كتبت اسمها في تاريخ الأدب بأحرف من نور.
هنا تخاطب أمها وتشكي معاناتها وعجزها في قصيدة بعنوان: «خيــانة العكــاز»
أبدًا لا تـحزني يمه اذا خـانتني رجليني ... واذا كلٍ شكى همّه وانا همي بقى فيني
واذا خـنجر صداقتهن غرس حده وسط قلبي ... واذا عـكازتي خافت مـن انها تسند ايديني
ولا تبكين يا "يمه" اذا عمري غدى دفتر ... وكلٍ يمزع اوراقه ولا ظـنه يكفيني
ابد لا يجزع احساسك لا شفتي البعض يجرحني ... واذا ضاع الوفا فيهن وضاعت معهن سنيني
عـلى ضـيم الجفا ابقى تنازع روحي الحسرة ... واحـس الظلم يا امي يقطع من شراييني
بـسيطة كل الم جسمي تحملته وانا اضحك لك ... لكن الـخوف يا يمه من احساسٍ سكن فيني
يا حـيف الطيب بالدنيا يضيع وينتهي عمره ... يموت الطيب يا يمه وانا فقري يبكيني
شـيهم ان خانت الدنيا اذا ارجع لك مثل اول ... احط راسي على صدرك واعرفك ما تخونيني
[1]مجلة العلوم الإجتماعية العدد التاسع، يناير 2004، ص 43 .
صدى الحرمان.. أدعو أخل الثقافة في قطر لإقامة متحف لصدى الحرمان في الشمال حيث ولدت الشاعرة الراحلة
يا ريت مقالات جديدة عن مبدعين عرب لم نسمع عنهم من قبل
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.