أتناول في هذا الفصل موضوع الفلوس التي تحمل تاريخًا أو اسمًا أو إشارةً تدل على عهد الخليفة مروان بن محمد في المدة من 127-132هـ، وقد أكون قد أغفلت بعض المسكوكات النحاسية التي ضربت في هذه المدة؛ لأنها لا تحمل في نقوشها ما يشير إلى العهد الذي ضربت فيه.
لقد ضربت الفلوس في هذه المدة في تسعة دور للضرب، وهي: أرمينية، واسط، الموصل، طرابلس، الري، الفسطاط / مصر، الإسكندرية / مصر، أتريب / مصر، الفيوم، والملاحظ أن مصر كان لها نصيب الأسد في عدد دور ضرب الفلوس مقارنة بعدم وجود أي دار لضرب الدراهم فيها، ما يدل على أن النظام المالي الذي كان سائدًا هو الذهب والنحاس بوصفها عملة مساعدة، ونحن لا ننفي وجود الدراهم في أسواق مصر في تلك المدة، لكن وجودها أقل من وجود الذهب والفلوس.
اقرأ أيضاً معلومات عن الفلوس في العصر الأموي
الاضطرابات و الحروب علي الفلوس
حملت بعض الفلوس أسماء بعض الولاة لا سيما في المناطق التي كانت تشهد اضطرابات وحروبًا، أو تلك المناطق البعيدة عن مركز الدولة الإسلامية، ففي المناطق التي شهدت اضطرابات ثبّت المتغلبون أسماءهم على الفلوس لإعلان استقلالهم عن الدولة؛ لأنهم عدوا ذلك نوعًا من الحملة الدعائية ضده.
وحصل ذلك على سبيل المثال على يد الضحاك في الموصل، وعبد الله بن معاوية في الري، ثم إن تحرير هذه المناطق من قوات المعارضة أعقبه كتابة أسماء الولاة المحررين على فلوس المناطق نفسها من أجل إعلان إعادة سيطرة الدولة على تلك الأقاليم، كما حصل مع الأمير يزيد بن عمر في الري سنة 130هـ.
وقد شهدت هذه المدة أيضًا ظاهرة كتابة أسماء الولاة على الفلوس في الولايات البعيدة مثل أرمينية ومصر، فقد كانت هذه الظاهرة قد اختفت من تعريب النقود على يد عبد الملك بن مروان، ويبدو أن هؤلاء الولاة لم يكونوا بحاجة إلى إعلان ثورتهم ضد الدولة، بل إنهم كانوا يمارسون سلوكًا استقلاليًا مستفيدين في ذلك من حالة ضعف الدولة العام، وانشغالها بمحاربة الثوار في أنحاء الدولة الإسلامية كافة.
اقرأ أيضاً المسكوكات الأموية بعد التعريب
دراسة للفلوس التي ضربت في عهد مروان بن محمد
فلس القطران بن أكمة بالموصل 127-128هـ / 744-745م
- الوجه: منقوش عليه (لا إله ا/ لا الله/ وحده) داخل مربع، تحيط بالمربع ثماني حلقات، شكل كل منها نصف دائرة، تقع الحلقات على زوايا المربع وأنصاف أضلاعه.
- الظهر: منقوش عليه (محمد/رسول/الله) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (بسم الله أمر الأمير القطران بن أكمة بالموصل)، والهامش محاط بحدود الفلس على شكل حبيبات صغيرة.
كل من الوجه والظهر قد أُعيد ضربه Overstruke على فلوس سابقة من عهد الوليد بن تليد، وتظهر آثار مربعين متداخلين على الوجه، وبقايا مربع أيضًا على الظهر.
وتوجد بعض القطع من هذا الفلس مضروبة للمرة الأولى.
أوزان هذا الفلس تراوحت بين 2.23-2.35 غم، ويوجد فلس نشره عبد الرحمن فهمي محفوظ في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، وزنه 1.66غم، أما الأقطار فقد تراوحت بين 21-22.5 ملم.
كان مروان بن محمد عين القطران بن أكمة على الموصل قبل أن يغادر دمشق في مطلع عام 127هـ/ 744م لانتزاع الخلافة من إبراهيم بن الوليد، وكان القطران بن أكمة من بني شيبان، وساعده في حكم الموصل عدد كبير من عائلته وقواته، ورغم أنه حكم مدة قصيرة من الوقت، لكنه ترك آثارًا بارزة في مدينة الموصل، مثل بنائه البيوت لأبناء قومه، وكذلك بنى مسجدًا عُرف باسمه، وقد قتل الضحاك بن قيس الخارجي الذي دخل الموصل في عام 128هـ/ 745م.
فلس واسط 128هـ
ضربت واسط في هذه السنة فلسًا نصوصه كانت كما يأتي:
- الوجه: منقوش عليه (أمر الله/ بالوفا/ والعدل).
- الظهر: منقوش عليه (محمد/ رسول/ الله) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (بسم الله ضرب هذا الفلس بواسط) سنة ثمان وعشرين ومئة.
اقرأ أيضاً الأدب في العصر الجاهلي
المسكوكات النحاسية
إن ما وصلنا من المسكوكات النحاسية التي ضربتها واسط كانت من القلة في العدد التي يصعب معها عمل دراسة متكاملة عنها، وفضلًا على أن معدن النحاس له قابلية كبيرة للتآكل والصدأ؛ فإن واسط كانت متخصصة أكثر في مجال ضرب الدراهم، فغالب نقود الناس في تلك الحقبة هي الدراهم، وبسبب ذلك كله كان عدد الفلوس التي وصلتنا محدودة جدًّا.
وكانت العبارة التي حملها مركز الوجه (أمر الله بالوفا والعدل) عبارة مشهورة على الفلوس النحاسية من مرحلة ما قبل التعريب، وقد نقشت على فلوس واسط في الأعوام 101، 104، 118هـ، وقد استمر استعمالها في عهد المسكوكات المعربة في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية؛ وهي عبارة تشير إلى الدعوة إلى الوفاء بالميزان والعدل فيه، ولعل في ذلك إشارة إلى العودة إلى الالتزام بمنع الغش والتزييف ورداءة النقوش بسبب كثرة أخطائها.
وكان ذلك الأمر قد حصل في دراهم عام 127هـ كما مر ذكره أعلاه، فجاء فلس واسط في عام 128هـ بهذه العبارة ليعيد للناس ثقتهم بالنقود عمومًا لا سيما نقود واسط الفضية، لكن بما أن النقود الفضية لا تحمل أي عبارات أخرى غير تلك العبارات المعروفة والثابتة من التعريب دون تغيير، فقد أدى فلس واسط هذه المهمة.
أما عبارة هامش الظهر (بسم الله ضرب هذا الفلس بواسط سنة ثمان وعشرين ومئة) فقد جاءت متأثرة بما ينقش على الدراهم، وليس كما جرت عليه العادة في عبارات ومأثورات الفلوس، ومن ذلك يتبين أن القائمين على إصدار الفلوس في واسط هم ممن يمثل الطاقم ذاته الذي يعمل في ضرب الدراهم.
فلس طرابلس 130هـ
أشار ووكر إلى هذا الفلس المحفوظ في المتحف البريطاني، لكنه لم يكن متحققًا من كلمة (مئة) في مركز الظهر:
- الوجه: منقوش عليه (بسم الله/ لا إله الا الله/ وحده لا شر/يك له) داخل دائرة غير متكاملة.
- الظهر: منقوش عليه (الحمد لله/ ضرب بطرا/ بلس سنة/ ثلثين [ومئة]) داخل دائرة غير متكاملة.
الوزن 8.15 غم، والقطر 22 ملم.
هذه المأثورات تختلف عما كان شائعًا في المشرق الإسلامي من مأثورات، ففي حين كتبت مأثورات المشرق على وجه الفلوس كتابة مختصرة في ثلاثة أسطر، نجدها عليها في أربعة أسطر، وقد أضيف إليها كلمات أخرى مثل (بسم الله، لا شريك له)، أما الظهر فقد كان شائعًا في المشرق أن ينقش عليه مأثورة (محمد رسول الله)، تكتب في ثلاثة أسطر، وفي هذا الفلس لم نجد هذه المأثورة، بل مأثورة أخرى هي (الحمد لله) فضلًا على مكان وسنة الضرب، وقد كتبت في مركز الظهر، وليس في الهامش كما في فلس واسط 128هـ.
وقد كانت طرابلس في تلك السنة تخضع لثورة الحارث بن تليد الهواري وعبد الجبار ابن قيس الهواري من البربر اللذين ثارا في ولاية عبد الرحمن بن حبيب الفهري، وقد تمكن الأخير من القضاء على تلك الثورة في عام 131هـ/748م.
وقد تكون عبارة (الحمد لله) التي نقشت على ظهر فلس طرابلس 130هـ جاءت للتعبير عن نجاح ثورة البربر في تلك المدينة على ولاية عبد الرحمن بن حبيب الفهري، أو أن عبارة (الحمد لله) كانت تعبيرًا عن الفكر الخارجي الإباضي الذي كان عليه الثوار المسيطرون على طرابلس في تلك السنة، ويكون بذلك قد أضيف شعار جديد أو رمز جديد للتعبير عن أفكار الخوارج في المغرب العربي.
فلس الري 130هـ
ضربت الري في هذه السنة خمسة طرز معدلة من الفلوس؛ أربعة منها باسم يزيد بن عمر، وبعضها يحمل اسم حبيب بن بديل، وآخر باسم (الأمير مك س…عاصم):
الطراز الأول
- الوجه: منقوش عليه (بسم الله ضرب/هذا الفلس/ بالري سنة/ ثلثين ومئة).
- الظهر: منقوش عليه (مما أمر به/ الأمير يزد/ بن عمر)
الطراز الثاني
- الوجه: منقوش عليه (بسم الله/ ضرب هذا الفلس/ بالري سنة/ ثلثين ومئة).
- الظهر: منقوش عليه (\ / مما أمر به/ الأمير يزيد/ بن عمر).
الطراز الثالث
- الوجه: منقوش عليه (بسم الله/ ضرب هذا/ الفلس بالري سنة/ ثلثين ومئة).
- الظهر: منقوش عليه (مما أمر به ا/ لأمير مكـ س … عاصم/ …).
الطراز الرابع
- الوجه: منقوش عليه (بسم الله/ ضرب هذا ا/ لفلس بالري سنة/ ثلثين ومئة) داخل دائرة من الحبيبات.
- الظهر: منقوش عليه (0/ مما أمر به/ الأمير يزيد بن/ عمر على يدي/ حبيب بن بديل/ 0) داخل دائرة من الحبيبات.
حلقات الوجه في الطراز الرابع ثمانية (55555555).
الطراز الخامس
- الوجه: منقوش عليه (بسم الله/ ضرب هذا ا/ لفلس بالري سنة/ ثلثين ومئة) داخل دائرة من الحبيبات.
- الظهر: منقوش عليه (مما أمر به/ الأمير يزيد/ بن عمر على يدي/ حبيب بن بديل) داخل دائرة من الحبيبات.
حلقات الوجه في الطراز الخامس تسعة (555555555).
لقد أصبحت الري تحت سيطرة الطالبي عبد الله بن معاوية في أثناء المدة من 127-129هـ، ومن عام 128هـ عيّن الخليفة مروان بن محمد واليًا جديدًا على العراق، استمر حاكمًا على العراق والمشرق معًا حتى سنة 130هـ هو يزيد بن عمر بن هبيرة، في حين ثبّت هذا الوالي الجديد نصر بن سيار على خراسان، وفي عام 129هـ خسر عبد الله بن معاوية المعركة أمام قوات يزيد بن عمر، وانهزم تاركًا موقعه في (إصطخر) باتجاه خراسان، وهناك قضى عليه أبو مسلم الخراساني.
لقد استطاع عبد الله بن معاوية أن يضرب نقودًا نحاسية تحمل اسم الري في أثناء المدة من 127-129هـ، وعندما استرد يزيد بن عمر الري منه ضرب النقود النحاسية في عام 130هـ التي حملت اسم يزيد بن عمر في إشارة إلى إعلان السيطرة الأموية على هذا الإقليم، فضلًا على تسهيل أمر البيع والشراء في الأسواق المحلية، وقد كان الطراز العام الذي ضرب به يزيد بن عمر هو ذاته الذي ضرب به ابن معاوية من قبل، والذي تغير هو اسم الأمير فقط.
لقد كان هذا العدد الكبير من الطرز المعدلة التي ضُرب بها فلس الري في سنة 130هـ دليلًا على أن الكمية التي ضرب بها هذا الفلس كبيرة، ويبدو أن المقصود من وراء ذلك هو الأهداف الدعائية التي تعلن استرداد الأمويين هذه المنطقة التي سيطر عليها المتغلبون مدة من الزمن.
فضلًا على أن ذلك كان بمنزلة رسالة إلى القوات العباسية المتنامية على يدي أبي مسلم في الشرق، وقد كانت المسكوكات هي وسيلة الأمويين في إعلان سيطرتهم على الإقليم، وذلك بتسجيل أسماء ولاتهم أو عمالهم، كما هو الحال في نقش اسم يزيد بن عمر، واسم حبيب بن بديل.
ظهر اسم حبيب بن بديل على مسكوكات الري النحاسية، وقد ذكره الطبري باسم حبيب بن بديل النهشلي، وكان ذلك في أحداث سنة 131هـ/748م، لكن المسكوكات أثبتت أنه كان حاكمًا على الري في عام 130هـ/ 747م، وقد استمر واليًا على الري حتى سمع أن الحسن بن قحطبة قد وصل إلى قومس ثم إلى الري من جهة الشرق، فهرب حبيب بن بديل مع أنصاره جميعهم من الأمويين.
فلس واسط 130هـ
ذكر (ووكر) نقلًا عن أحمد ضياء أن واسط ضربت فلسًا نحاسيًا في عام 130هـ، دون ذكر أي معلومات إضافية أخرى، ولم يُذكر هذا الفلس في المصادر ذات العلاقة، ويضم متحف البنك الأهلي الأردني فلسًا من ضرب واسط من تلك السنة. نصوصها كما يأتي:
- مركز الوجه: منقوش عليه (لا إله إلا/ الله وحده لا/ شريك له).
- مركز الظهر: منقوش عليه (محمد/ رسول/ الله) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (بسم الله ضرب هذا الفلس بواسط سنة ثلثين ومئة) (1h).
الوزن 2.6غم، القطر 19ملم.
حلقات الوجه خمسة أزواج (55 55 55 55 55) تحيط بدائرتين، والكل يحيط بكتابة مركز الوجه، أما حلقات الظهر فهي خمس حلقات صغيرة، يظهر منها ثلاث فقط.
الملاحظ أن هذا الفلس استعمل في مركز الوجه عبارة الدراهم نفسها دون هامش، إذ لم يتسع المجال لنقشه، أما الظهر فهو لم يختلف عن درهم واسط في عام 128هـ سوى في كتابة التاريخ.
فلوس مصر/ الفسطاط، الإسكندرية، الفيوم
فلس الفسطاط / مصر
ضربت الفسطاط في نهاية الحكم الأموي فلسًا نحاسيًا نصوصه كما يأتي:
- مركز الوجه: منقوش عليه (الفسطا/ط) داخل دائرة.
- هامش الوجه: منقوش عليه (على يدي الأمير عبد الملك بن مرون).
- مركز الظهر: منقوش عليه (مصر) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (أمر عبد الله مرون أمير المؤمنين).
لقد عُدّ الوجه هو الذي يحمل اسم الفسطاط واسم الأمير مع العلم أن الوجه الثاني يحمل اسم الولاية مصر، واسم الخليفة مروان أمير المؤمنين، وذلك اعتمادًا على فلس آخر من ضرب الإسكندرية، فقد بدأ بكتابة كلمة الإسكندرية على الوجه، وأكملها على الظهر -سيأتي الحديث عنه لا حقًا-، من ناحية أخرى فقد جاء في المراجع التاريخية عبارة فسطاط مصر بتقديم اسم المدينة على الولاية وليس العكس، وأشار (مايلز Miles) إلى وجود دراهم في القرن الثالث الهجري من ضرب (فسطاط – مصر).
إن هذا الفلس يحمل اسم ولاية مصر كما يحمل اسم المنطقة التي ضرب فيها داخل مصر، وهي الفسطاط، إن هذا الأمر غير مسبوق في ولايات المشرق الإسلامي، فقد نقش على فلوسها اسم المدينة التي ضربت الفلس دون الحاجة إلى ذكر اسم الولاية إلى جانب اسم المدينة.
أما ولاية إفريقيا والأندلس فقد كان الأمر بعكس المشرق، فقد نقش اسم الولاية على الفلوس أو الدراهم، ولم ينقش اسم المدينة التي ضرب فيها ذلك النقد، فلم يُعثر على نقود تحمل اسم القيروان أو قرطبة، لذلك كان النظام المصري يجمع بين الحالتين الشرقية والغربية، وذلك بالجمع بين ذكر اسم الولاية واسم المدينة معًا على الفلس.
من ناحية أخرى لم تحمل فلوس مصر تاريخ ضربها في حين نقش عليها اسم الخليفة مروان بن محمد 127-132هـ، وحمل اسم الأمير عبد الملك بن مروان الذي تولى خراج مصر من رجب 131هـ حتى جمادى الأولى 132هـ/749م، الذي عينه والي مصر المغيرة بن عبد الله، والأمير عبد الملك بن مروان كان آخر حاكم أموي على مصر، وكان عيّنه مروان بن محمد من جمادى الآخرة 132هـ. وقد انتهت ولايته على مصر مع دخول القوات العباسية إلى مصر في الثامن من محرم 133هـ/ 16-8 –750م؛ لذلك فإن تاريخ هذا الفلس يتراوح بين منتصف عام 131- نهاية 132هـ.
اقرأ أيضاً اضطرابات بعد تولي مروان بن محمد الخلافة
النقود المضروبه في عهد مروان بن محمد
أما لقب (الأمير) فقد ظهر للمرة الأولى على النقود النحاسية المضروبة في زمن عبد الملك بن مروان، فقد نَقش على نقوده المضروبة على الطراز البيزنطي في حلب، دمشق، سرمين، قنسرين، وغيرها عبارة (عبد الله- أمير المؤمنين) أو عبارة (خليفة الله- أمير المؤمنين)، أما ذكر لقب الأمير على نقود مصر فقد كان على يدي الأمير عبد الملك بن مروان، ونقشت على النقود نفسها الألقاب (عبد الله- أمير المؤمنين).
من المعروف أن معركة الزاب، وانهزام مروان بن محمد أمام القوات العباسية بدأ من أوائل سنة 132هـ، لذلك يمكن تفسير استمرار مصر في ضرب هذا الفلس باسم الخليفة حتى بعد خلعه وتنصيب خليفة عباسي جديد له دلالة مهمة، تتمثل في أن ولاية مصر بقيت على ولائها للخليفة الأموي حتى بعد هزيمته في العراق، وهذا ما شجع الخليفة على الهرب إلى مصر أملًا في الحصول على مكان آمن.
ويمكن الاستدلال من هذا النقد بأن عملية ضرب الفلوس يمكن أن تنفذها أكثر من جهة رسمية في الولايات منها عمال الخراج بالتنسيق مع حاكم الإقليم، وقد ينفذها عامل الخراج بكتابة اسمه صراحة إلى جانب الخليفة، كما في هذا الفلس، أما كتابة اسم حاكم الإقليم أو عامل الخراج صراحة دون ذكر اسم الخليفة فيمكن تفسيره على أنه خروج على الدولة، وهو ما يمكن ملاحظته في أمثلة أخرى سيأتي الحديث عنها لاحقًا.
فلس الفيوم/ مصر
الطراز الأول:
- مركز الوجه: منقوش عليه ([ا] لفيوم).
- هامش الوجه: منقوش عليه (على يدي الأمير عبد الملك [بن مروان]).
- مركز الظهر: منقوش عليه (مصر) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (مما [أمر عبد الله مروان] أمير المؤمنين).
(مايلز) الوزن 4.55غم، القطر 16 ملم.
الطراز الثاني:
- مركز الوجه: منقوش عليه (الفيو/مـ) داخل دائرة.
- هامش الوجه: منقوش عليه (على يدي الأمير عبد الملك بن مروان).
- مركز الظهر: منقوش عليه (مصر) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (مما أمر عبد الله مروان أمير المؤمنين).
إن شكل الميم في كلمة الفيوم مختلف عما هو متوقع من رسم الحروف في تلك المرحلة، ما يجعلنا نتذكر ما ذهب إليه (لين بول Lane-Pool) في حديث عن فلس الإسكندرية -سيأتي ذكره لاحقًا- من وجود حروف لاتينية على تلك الفلوس، ما لم يتحقق منه أحد بعد.
فلس أتريب / مصر
- مركز الوجه: منقوش عليه (أتريب) داخل دائرة.
- هامش الوجه: منقوش عليه (على [يدي] عبد الملك بن مروان).
- مركز الظهر: منقوش عليه (مصر) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (عبد الله مروان أمير المؤمنين).
ANS)) الوزن 4.89غم ، القطر 18.5.
فلس الإسكندرية / مصر
- مركز الوجه: منقوش عليه (الاسـ/ كند) داخل دائرة.
- هامش الوجه: منقوش عليه (مما أمر به [عبد الله مروان] أمير المؤمنين).
- مركز الظهر: منقوش عليه (مصر/ رية) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (على يدي [عبد الـ] ملك بن مروان).
لقد نشر (لين بول Lane-Poole) فلسًا آخر من مكتبة الخديوي ذات طراز معدّل كما يأتي:
- مركز الوجه: منقوش عليه (الاسـ[كند]/ رية).
- هامش الوجه: منقوش عليه (أمر عبد الله مروان أمير المؤمنين).
- مركز الظهر: منقوش عليه (مصر)، وتحت كلمة مصر ثلاثة حروف قال عنها (لين بول) إنها حروف إغريقية.
- هامش الظهر: منقوش عليه (على يدي الأمير عبد الملك بن مروان).
لم ينشر (لين بول) صورة لهذا الفلس، لكنه سجل الاختلافات عن الفلس السابق في أربعة مواضع من الفلس على الوجه والظهر، وإن صحت قراءة لين بول لهذا الفلس فإنها معادة الضرب (Double-struck)، وفي تعليقه على هذا الطراز من فلس الإسكندرية رفض (مايلز) ما اقترحه (بول) عن الحروف الإغريقية أسفل كلمة مصر على الظهر.
وقال (مايلز) إن تلك الحروف هي في الواقع بقية اسم دار الضرب التي كتب نصفها على الوجه، ما حدا (مايلز) إلى أن يعزو الاختلافات الأخرى التي سجلها (بول) على وجه وظهر هذا الفلس إلى أخطاء في القراءة التي قدمها الأخير للنصوص.
وعلى أي حال فإن عدم نشر (بول) صورة الفلس الذي أخبر عنه جعلت الشكوك تحوم حول صدق ما ذهب إليه، وفي رأيي فإن الحروف الإغريقية التي أشار إليها (بول) هي في الواقع بقية اسم الإسكندرية (رية)، جاءت على الظهر كما أشار بذلك (مايلز).
فلس أرمينية
- مركز الوجه: منقوش عليه (لا إله/ إلا الله/ وحده) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (بسم الله مما [ا]مر اسحق بن مسلم).
- مركز الظهر: منقوش عليه (محمد/ رسول/ الله) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (بسم الله ضرب هذا الفلس بأرمينية).
الوزن 1.45-2.2غم، القطر 17-18ملم.
كان إسحق بن مسلم حاكمًا أمويًا على أرمينية في العام 132هـ/749م في خدمة آخر خليفة أموي وهو مروان بن محمد، والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: لماذا نقش إسحق بن مسلم اسمه على الفلوس دون ذكر اسم الخليفة كما جرت عليه الحال في فلوس مصر؟ هل كان ذلك بمثابة تمرد على الحكومة المركزية بعد أن أصبح مصيرها مكشوفًا لهذا لحاكم أم أن ما فعله إسحاق بن مسلم هو محاولة للفت انتباه العباسيين بوجوده، وأنه من الحياد والاستقلالية والقوة بحيث يمكن الاعتماد عليه في إدارة إقليم أرمينية، والإبقاء عليه فيها؟
لكن مهما كانت الدوافع التي جعلت إسحاق بن مسلم يقدم على نقش اسمه في الوقت الذي أفل فيه نجم بني أمية، فإن اسمه لم يعد يظهر على النقود ثانيةً في العصر العباسي.
فلس هشام بن عمرو
- مركز الوجه: منقوش عليه كلمة (وحده) داخل مربع يتصل بمربع أكبر منه بوساطة حلقات صغيرة منقوطة في الزوايا الأربع.
- هامش الوجه: منقوش عليه (5لا5/ إله / إلا / الله) محيطة بالمربع من الجهات الأربع، وداخل دائرة خارجية.
- مركز الظهر: منقوش عليه (محمد/رسول/الله) داخل دائرة، نقطة فوق حرف السين في رسول.
- هامش الظهر 6h: منقوش عليه (أمر الأمير هشام بن عمرو بالموصل) داخل دائرة خارجية.
رصد من هذا الفلس 13 قطعة، بينها فلس محفوظ في متحف البنك الأهلي الأردني، وآخر في متحف الفن الإسلامي في القاهرة، ويتراوح الوزن بين 2.25-3.05 غم، بمعدل 2.56 غم، وتراوحت الأقطار بين 19-22 ملم، بمعدل 20.4 ملم.
ضرب هذا الفلس بطرازين معدّلين آخرين فضلًا عن الطراز السابق اختلفا عنهما فيما يأتي:
- الأول موجود عليه ثلاثة أنصاف دوائر على جهات المربع جميعها، أما هامش الظهر فأصبح (أمر الأمير هشام بن عمرو بالموصل).
- الثاني: اختلف في أن هامش الوجه بدأ من اليمين، وليس من الأعلى، وقد كتب الهامش كما يأتي:
(5لا5 / إله / إلا / الله).
لقد تعاملوا مع هذا الفلس على أنه فلس عباسي، وذلك بالاعتماد على وجود فلس آخر يحمل الاسم نفسه (هشام بن عمرو) مؤرخًا في عام 145هـ/762م، لكن الحقيقة غير ذلك، لقد كتب الأزدي أن الخليفة مروان بن محمد كان قد عين هشام بن عمرو الزهيري حاكمًا على الموصل في عام 128هـ/746م، لكن هذه المعلومة لم يتحقق منها أي من المؤرخين الآخرين، ما شجع على الافتراض أن يكون مروان قد عين هشامًا على الموصل اسميًا حتى قبل أن يسترجعها من الخوارج في عام 129هـ/747م.
وقد ذكر البلاذري أن مروان عندما ترك الموصل منتصرًا على الضحاك الشيباني، ترك وراءه حاكمًا على الموصل اسمه زهير بن العزم، لكن المصادر الأخرى لم تثبت وجود مثل هذا الاسم بين ولاة الموصل في تلك المدة، ولم يرد ذكره على النقود أيضًا؛ لذلك لا بد من العودة إلى الأزدي الذي ذكر بأن هشام بن عمرو أصبح حاكمًا على الموصل، وربما كان ذلك من النصف الثاني من عام 129هـ حتى نهاية الحكم الأموي.
وقد ذكر المؤرخون أن الخليفة مروان بن محمد عندما انهزم في معركة الزاب في جمادى الآخرة سنة 132هـ هرب باتجاه حران، في حين ذكر الأزدي أن الخليفة أراد أن يدخل الموصل، لكنه مُنع من ذلك بوساطة عامله على الموصل هشام بن عمرو الذي استوعب التغيرات السياسية الجديدة، وسوّد الرايات تأييدًا للعباسيين.
ينتمي هشام بن عمرو إلى إحدى العائلات العريقة في الموصل، ويُنسب أحد قصور المدينة العريقة الباقي حتى الآن إلى معاوية بن عمرو شقيق هشام بن عمرو.
-
فلس زهير بن علقمة
- مركز الوجه: منقوش عليه (0/لا حول و/ لا قوة إلا/ بالله) داخل دائرة.
- هامش الوجه: منقوش عليه ثلاث حلقات (5 5 5).
- مركز الظهر: منقوش عليه (محمد/ رسول/ الله) داخل دائرة.
- هامش الظهر: منقوش عليه (بسم الله أمر الأمير زهير بن الأمير علقمة بالموصل).
- الوزن: تراوح بين 2.6-2.68غم، والقطر تراوح بين 22-23 ملم.
لقد أشار (لافوا Lavoix) إلى أن هذا الفلس يعود للمرحلة العباسية دون إبداء الأسباب لذلك الافتراض، ورغم أن المصادر التاريخية لم تذكر أحدًا من الحكام بهذا الاسم في العصر الأموي، لكن المصادر ذاتها لم تذكر حاكمًا بهذا الاسم في العصر العباسي أيضًا، وعند الرجوع إلى الفلس نفسه نجد ما يأتي:
إن الفلوس العباسية في الموصل المعروفة حتى الآن تزن من 5-15غم، وهي في الأقل ضعف الفلوس الأموية وزنًا، وإذا استثنينا الفلوس الأموية التي لا تحمل اسم حاكم، فإن الفلوس الأموية في الموصل حتى عهد فلس الضحاك الخارجي كانت تحمل هامشًا على الظهر فقط دون الوجه، أما فلس الضحاك وما جاء بعده فقد أصبح الهامش على الوجه والآخر على الظهر.
من ذلك نتبين أن هذا الفلس لا بد قد ضرب قبل سيطرة الخوارج على الموصل بوقت قليل.
لكن نظرًا لأن المصادر لم تذكر حاكمًا أو أميرًا باسم علقمة أو زهير بن علقمة على الموصل، فلا بد من تحليل المعلومات الواردة على النقد نفسه حتى نصل إلى نتيجة في هذا الموضوع.
لقد حمل مركز الوجه عبارة «لا حول ولا قوة إلا بالله» التي يرجح (روتر Rotter) أن تكون ذات معنى قريب من شعار الخوارج «لا حكم إلا لله»، وبذلك كان زهير بن علقمة أحد الثوار في منطقة الموصل قبل سيطرة الخوارج على المدينة مثل بيسام الشيباني أو أبي كرب اللذين ثارا في سنة 126هـ، وربما كان زهير بن علقمة هذا قد سيطر مدة قصيرة من الوقت لم تحظَ باهتمام المؤرخين في تلك المرحلة المضطربة من تاريخ الموصل، ولا نريد استبعاد احتمال أن يكون عبد الملك بن علقمة الذي قاتل في صفوف قوات الخوارج بقيادة الضحاك في واسط 127هـ/745م الذي قُتل هناك أن يكون شقيق زهير بن علقمة هذا.
لكن الشعار الذي حمله هذا الفلس «لا حول ولا قوة إلا بالله» لا يتطابق مع شعار الخوارج، هو أقرب إلى الدعاء والاستغاثة بالله منه إلى رفع شعار سياسي كالذي كان يصر عليه الخوارج، ثم إن الخوارج الذين رفعوا شعارات غير الشعار المشهور «لا حكم إلا لله» كان فعلهم ذلك نتيجة تمرد أو انشقاق في صفوفهم كما حدث في القرن الأول الهجري، وكانت الشعارات التي يرفعونها هي الأخرى ذات مدلول سياسي واضح مشابه للشعار الأصلي للخوارج.
اقرأ أيضاً قراءة في أخبار شاعر الجاهلية قيس بن الخطيم وحياته
حكم زهير بن عمرو علي الموصل
إذن، لماذا لا يكون زهير بن عمرو واليًا على الموصل، فحكم مدة قصيرة أهملها المؤرخون، وأنه اختار هذا الشعار على نقوده تعبيرًا عن حالة الفشل في السيطرة على الأمور في ولايته، فقد كان أهل الموصل يرفضون الحكام الأمويين، ويرحبون بالخوارج وغيرهم ممن يمكن أن ينقذهم من أيدي الأمويين، فهذا التعبير (لا حول…) يستعمل عندما يشعر المرء بالخسارة وفقدان السيطرة، فيلتجئ إلى الله في مثل هذا للتعبير عن لسان حاله بأن الحول والقوة هي بيد الله وحده.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.