المسكوكات النحاسية في العهد الأموي

   ليس من السهل الحديث عن الفلوس النحاسية في المدة من 125-126هـ، ذلك أن الفلوس لم يكن ضربها يخضع لقواعد ثابتة حسب الوزن أو القطر أو حتى النصوص، وقد تكون العديد من الفلوس التي تم الحديث عنها في الفصل السابق هي من التي ضربت في المدة 125-126هـ، ولكن كونها لم تحمل إشارات أو تواريخ تدل على تلك المدة، فلا يملك أحد دليلًا مقنعًا لنسبة تلك الفلوس إلى مدة محددة أو حاكم معين.

   لذلك كله سوف يقتصر الحديث هنا على الفلوس التي يمكن نسبتها إلى هذه المدة نسبة مؤكدة، وهي التي تحمل تاريخًا أو اسمًا، وقد رتبتها زمنيًّا كما يأتي:

اقرأ أيضًا المسكوكات الأموية بعد التعريب

فلس الأمير مروان بن محمد 125هـ 

   يضم متحف البنك الأهلي الأردني فلسًا نصوصه كما يأتي:

مركز الوجه:  لا اله ا / لا الله / وحده  (داخل دائرة داخلية).

هامش الوجه: ضرب هذا الفلس سنة خمس وعشرين ومئة (داخل دائرة خارجية).

مركز الظهر: محمد / رسول / الله ( داخل مربع).

هامش الظهر:  h11: مما أمر / به الأمير / مرون بن / محمد. 

كل مقطع من هامش الظهر كان على شكل سطر محاذٍ لأحد أضلاع المربع. أما المربع نفسه فعبارة عن صفوف من الحبيبات الصغيرة رتبت إلى جانب بعضها بعضًا، الضلع الأيسر في المربع غير متواصل، وعلى كل ركن من أركان المربع توجد حبيبة كبيرة.

   إن هذا النمط من الفلوس التي حملت أشكالًا هندسية (مربعة أو مستطيل) هي في الواقع من إنتاج منطقة الموصل في تلك الحقبة، ولما كان مروان بن محمد الأمير المكلف بالولاية على منطقة الجزيرة كاملة بما فيها الموصل المجاورة، أصبح من الواضح أن هذا الفلس من ضرب منطقة الموصل للأمير مروان بن محمد في عام 125هـ. وقد اعتاد حكام الموصل على أن يضربوا الفلوس بأسمائهم قبل هذا التاريخ، مثل الفلوس التي ضربت في عهود الأمراء يحيى بن يحيى والحر بن يوسف والأمير زياد والوليد بن أبي بكر، في أثناء حكم الخليفة هشام بن عبد الملك 106-125هـ/724-742م. 

   بلغ وزن هذا الفلس 2.4غم، وقطره 21 ملم. ويُعد من الفلوس القليلة في العهد الأموي التي حملت تاريخًا واسم الأمير الذي أمر بضربها. والغريب في أمر هذا الفلس أنني لم أعثر عليه في أي من الكاتولوجات العالمية أو المحلية التي توثق ما هو موجود في المتاحف العالمية والمجموعات الخاصة. ثم إنني لم أعثر على أي فلس آخر مؤرخ من سنة 125هـ. 

أما في عام 126هـ/743م فقد تعرفت على ثلاثة فلوس من ضرب مدن مختلفة، هي دمشق والكوفة وواسط:

اقرأ أيضًا ماذا تعرف عن تاريخ الدولة الأموية؟

فلس دمشق 126هـ

   يمكن التعرف على هذا الفلس في كثير من المصادر والكاتالوجات، فضلًا عن وجود أعداد من هذا الفلس في متحف الآثار الأردني (متحف القلعة)، وهو موجود بقوالب عدة. نصوص هذا الفلس كما يأتي:

الوجه: ضرب / بدمشق / سنة (داخل مربع محاط بدائرة من الجهات الأربع، ويصل بين منتصف أضلاع المربع والدائرة الخارجية أربع حلقات صغيرة).

الظهر: ستـ و/ عشرين  / ومايه (داخل مربع محاط بدائرة من جهتين فقط، حيث تلامس وتر الدائرة مع ضلعي المربع، في حين وجدت حلقتين صغيرتين تصل بين ضلعي المربع المتبقية مع الدائرة الخارجية). 

لقد رصدت 6 قطع من هذا الفلس، تراوحت أوزانها بين 3.4-4.28 غم، بمعدل 3.83 غم، وأقطارها تتراوح بين 15-18 ملم، بمعدل 16.9 ملم.

اقرأ أيضًا العصر الأموي وفن النقائض في الشعر الجاهلي

فلس الكوفة 126هـ

   ضربت الكوفة هذا الفلس في عام 126هـ، وكان أمير الكوفة في تلك السنة هو عبد الله بن عمر، نصوصه على النحو التالي:

الوجه: أمر الله / بالوفا / والعدل (داخل دائرتين، فصلت عن بعضهما بوساطة أربع حلقات صغيرة وزعت على مسافات متساوية).

الظهر: محمد / رسول / الله (داخل دائرة داخلية).

هامش الظهر: بسم الله ضرب هذا الفلس بالكوفة سنة ست وعشرين ومئة.

وزن هذا الفلس 2.9غم، وقطره 18ملم، (محفوظ في المتحف البريطاني). 

   وكانت عبارة (أمر الله بالوفا والعدل) التي جاءت على وجه هذا الفلس قد ظهرت على فلوس الكوفة في عام 100هـ/718م، وكذلك في الأعوام 101، 102هـ، وكذلك الحال فيما يتعلق بالنقاط الثلاث أسفل الوجه، وفي بعض فلوس الكوفة كانت تظهر هذه النقاط على الظهر أيضًا، وكان ذلك في زمن ولاية عبد الحميد بن عبد الرحمن على الكوفة في أثناء سنوات 99-102هـ في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، وقد حاول يزيد الثالث أن يحذو حذو الخليفة عمر بن عبد العزيز بوصفه خلفية مجدد، وقد كانت نقود عمر بن عبد العزيز تحمل الرمز نفسه، (ثلاث نقاط)، إذ أصبح هذا الرمز في المصادر يشير إلى اليمنية لتمييزهم من القيسية المعارضين لهم. 

   وهناك فلس آخر أشار إليه كل من "تيزنهاوزن Tiesenhausen" و"ووكر  Walker"، ربما كان هو الآخر من ضرب الكوفة، حمل اسم عبد الله بن عمر -المعُين واليًا على العراق في عام 126هـ- نصوصه كما يأتي:

مركز الوجه: لا اله / الاا / لله (داخل دائرة).

هامش الوجه: أمر الله بالوفا والعدل (تحيط بها دائرة أخرى خارجية). 

مركز الظهر: محمد / رسول / الله (داخل دائرة).

هامش الظهر: مما أمر به عبد الله بن عمر (تحيط بها دائرة أخرى خارجية).

   ليس بالضرورة أن يكون هذا الفلس قد ضرب في عام 126هـ، فهناك احتمال أن يكون قد ضرب في عام 127هـ/ 744م، إذ حكم عبد الله بن عمر واليًا على العراق ما يقارب السنة خلال عامي 126-127هـ، أما احتمال أن تكون الكوفة هي دار الضرب فهذا راجع إلى إستعمال ذات النمط من الفلوس الذي عُرف عن دار ضرب الكوفة. ولكن الملفت للانتباه هو إعادة إحياء دار ضرب الكوفة فيما يتعلق بالفلوس في عام 126هـ بعد توقف دام نحو 24 سنة، حسب ما وصلنا من الفلوس ضرب الكوفة، إذ إن هذا الانقطاع الكبير من الوقت لم يلغِ النمط الذي شاع في دار الكوفة، لا سيما عبارة (أمر الله بالوفا والعدل)، فضلًا عن النقاط الثلاث أسفل الوجه أو الظهر.

اقرأ أيضًا العوامل المؤثرة في تحديد الأسعار والأجور في العصر البابلي القديم

فلس واسط 126هـ

   أشار إلى هذا الفلس ووكر Walker في كاتالوجه المعروف عن النقود العربية البيزنطية والنقود الأموية المعربة، ويبدو أن Walker نفسه لم يرَ هذا الفلس، بل أشار إليه عند شتايكل Stickel. إذ لم تنشر نصوص هذا الفلس، أو أية معلومات إضافية عنه. 

فلس زياد بن معاوية 125-127هـ/ 742-744م

الوجه: لا إله / إلا الله / وحده (داخل دائرة) 

الظهر: محمد / رسول / الله   (داخل دائرة) 

هامش الظهر: [بسم ] الله أمر الأمير زياد [بن …]ية با[لمو]صل 

حلقات الوجه: 5[555]

القطر: 22 ملم.

   يبدو أن الوجه قد أعيد ضربه Overstruk على فلس للوليد بن تليد، إذ تظهر آثار المربعين المتداخلين اللذين كانا يشكلان إطارًا يحيط بكلمات مركز الوجه في فلوس الوليد بن تليد. ثم إن حلقات الوجه لا يظهر منها إلا واحدة في أحد الاتجاهات الأربعة للفلس، ما شجع على الافتراض أن تكون كل جهة تضم حلقة مماثلة. إن إعادة الضرب على النقود أمر شائع في عالم النميات، لا سيما على الفلوس، وقد تكون الدوافع وراء ذلك أحد الأسباب التالية: 

اقرأ أيضًا التاريخ ما بين الماضي والحاضر

أسباب إعادة الضرب على النقود 

1. محاولة طمس أي أثر أو ذكر للأمير السابق، ولأن أسماء الأمراء تنقش على الفلوس وليس على الدراهم كانت الفلوس هي الأكثر عرضة لإعادة الضرب.

2. إن مدة استعمال الفلوس قصيرة لا تتجاوز سنوات عدة، إذ تتآكل وتتلف، ما يشجع على إعادة ضربها بهدف إعادة استعمالها، وقد يكون ذلك برعاية الحاكم نفسه أو من قبل الحاكم الذي يليه.

3. إن إعادة الضرب توفر على العاملين في صناعة النقود الجهد والوقت، وتسمح لهم بتوفير كميات كبيرة من الفلوس المطلوبة في مدة قصيرة نسبيًّا.

   نصوص مركز الوجه والظهر في هذا الفلس لا تختلف عن الفلوس التي تداولت في الموصل في أواخر الحكم الأموي. أما هامش الظهر فقد ضم الاسم زياد الذي لم تذكره المصادر التاريخية حاكمًا على الموصل، ولكن المسكوكات وثقت ذلك بعناية لولا تآكل اسم عائلة الأمير أو اسم والده لكان التأكد من هذا الأمير بما لا يقبل الشك، ولكن لم يبق من اسم الوالد سوى حرفين هما (ية) فربما كان ذلك الاسم هو زياد بن معاوية.

إذ يذكر البلاذري أن لمروان بن محمد أبناء عم هما الوليد بن معاوية والآخر زيد بن معاوية، ولكن من دون ذكر المزيد من التفاصيل، ولعل البلاذري كتب اسمه زيد في حين أن اسمه زياد ، وقد يكون هو ذلك الشخص الذي نقش اسمه على فلوس الموصل، ويبقى ذلك مجرد افتراض حتى تُكتشف قطعة أخرى أكثر وضوحًا تبين اسم ذلك الحاكم بجلاء.

   إن التاريخ المتوقع لهذا الفلس هو المدة من 125-127هـ/742-744م، ومن المعروف أنه توجد فجوة في تسلسل الحكام في هذه المدة، صحيح أن مروان بن محمد كان قد ضرب الفلوس باسم الجزيرة في عام 125هـ، وأن الأزدي قد ذكر أن حاكم الموصل في عام 126هـ/73م هو مروان ابن محمد، ولكن ذلك كان ضمن سيطرته الكبيرة على الموصل والجزيرة وأرمينيا وأذربيجان، فقد كان مروان بن محمد هو الحاكم الأعلى على هذه الأقاليم الثلاثة منذ عام 114هـ732م، ولكنه كان يعين على كل من هذه الأقاليم حاكمًا ينوب عنه فيها.

ففي الجزيرة مثلًا كان هناك سليمان بن عبد الله (في أثناء النصف الثاني من العام 125هـ/743م)، وجاء بعده لؤي بن الوليد ابن الخليفة الوليد الثاني، كما ذكر عبدة بن الرياح حاكمًا للجزيرة في سنة 126هـ/743م.

وقد يكون زياد هذا هو أحد الأمراء الذين عُينوا على الموصل في أثناء المدة 125-127هـ. ولما كان هذا الفلس قد أعيد ضربه على فلوس الوليد بن تليد أو الذي سبقه الوليد بن بكير، فهذا يعني أن تاريخ هذا الفلس لا بد أن يكون بعد النصف الثاني من سنة 125هـ/743م.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة