المسكوكات الأموية 125-127 هجريًّا في العهد الأموي

مسكوكات المدة 125-127هـ/742-744م تشمل مسكوكات هذا المبحث النقود جميعها التي ضربت بعد موت هشام بن عبد الملك حتى وصول مروان بن محمد إلى الحكم، إذ حكم في أقل من سنتين ثلاثة من الخلفاء الأمويين، هم الوليد الثاني، ويزيد الثالث، وإبراهيم بن الوليد.

لقد عُرف عن الوليد الثاني الزيادة في الإنفاق، وكان لا بد أن ينعكس ذلك على زيادة ضرب النقود سواء الذهبية أو الفضية، وذلك بالمقارنة مع سياسة سلفه هشام بن عبد الملك صاحب النهج المتزن في الإنفاق.

أما الخليفة يزيد الثالث فقد أعاد السياسة المالية إلى سالف عهدها زمن هشام وفقًا للإقتصاد في الإنفاق، فقد أُطلق عليه لقب يزيد الناقص؛ لأنه أنقص الأعطيات عما كانت عليه في عهد سلفه الوليد الثاني، ولم تكن المدة التي حكم فيها إبراهيم ذات معالم اقتصادية واضحة، وذلك لقصرهذه المدة التي شغل فيها الحكم.

اقرأ أيضاً العصور القديمة التي عاشها البشر

حكم الوليد الثاني بن يزيد

   حكم الوليد الثاني بن يزيد الثاني منذ ربيع الأول من سنة 125هـ/742م حتى شهر جمادي الآخرة من سنة 126هـ/743م. وهو يشترك مع الخليفة هشام بن عبد الملك في سنة 125هـ، كما يشترك مع الخليفة يزيد الثالث بعده في سنة 126هـ.

  أما في سنة 125هـ فقد عُد ما ضرب في هذه السنة من ضرب الوليد الثاني، ذلك لأن الوليد حكم معظم أشهر هذه السنة.

ونحن لا ننفي أن تكون بعض تلك النقود المؤرخة في عام 125هـ ضربها هشام بن عبد الملك، ولكن لا توجد طريقة منطقية تدل على أن هذا الخليفة أو ذاك هو الذي ضرب هذه القطعة أو تلك.

   لم تختلف الدنانير التي ضربت في عام 125هـ عن غيرها من الدنانير الأموية من حسب المظهر والنصوص والمأثورات.

وقد تراوحت أوزان الدنانير في تلك السنة بين 4.19 –4.28 غم، أي بمعدل 4.22غم، في دراسة إحصائية شملت 18 قطعة منشورة، أما أقطار القطع فقد تراوحت بين 19-21 ملم، بمعدل 19.86 ملم.

من ذلك يتبين أن أوزان الدنانير كانت أقل من الوزن الشرعي للدينار بنحوالي 0.03 غم، وهي نسبة نقص ضئيلة جدًّا، إذا كان المقصود منها توفير خام الذهب لضرب عدد أكبر من الدنانير.

إذ نحتاج إلى إنقاص 141 ديناراً بنسبة 0.03غم لكل قطعة حتى نحصل على قطعة واحدة وزنها 4.25غم من الذهب.

مما يرجح القول إن هذا الإنقاص لم يكن مقصودًا، لا سيما وأن الوزن الحقيقي للدينار عند سكه كان أكبر من وزنه الآن، بفعل عوامل عدة وظروف متنوعة مرت عليه.

   كما ظهرت على وجه وظهر دنانير عام 125هـ بعض النقاط، في حين كانت دنانير أخرى خالية من أية نقاط.

   أما دنانير عام 126هـ/743م فقد اشترك في ضربها الخليفة الوليد الثاني والخليفة يزيد الثالث الذي وصل إلى الحكم في منتصف العام 126هـ، أما الخليفة إبراهيم فلا توجد طريقة منطقية يمكن عن طريقها نسبة أية دنانير إليه أو إلى غيره.

إذ تستمر دور الضرب في العمل بغض النظر عن ارتقاء هذا الخليفة أو غيره كرسي الخلافة؛ إذ لم تحمل الدنانير أية علامات دالة على ذلك الخليفة.

   وباستثناء التاريخ لم يحصل أي تغير على دنانير عام 126هـ/743م عن الدنانير التي ضربت في العام الذي قبله. أما الأوزان فقد تراوحت بين 4.05-4.30 غم، بمعدل 4.19غم.

وقد رصدت أوزان 16 قطعة من الدنانير المضروبة عام 126هـ، وكانت الأقطار تتراوح بين 19.4-21ملم، بمعدل 20ملم. أما النقاط السرية على وجه وظهر دنانير عام 126هـ، فهي لم تختلف عن دنانير عام 125هـ وفقًا لظهورها على بعض الدنانير أحيانًا وإختفائها أحيانًا أخرى.

اقرأ أيضاً النصوص المدونة على الصنارات في الألف الثاني قبل الميلاد

معلومات عن الدينار في 125-126هـ

الجدول التالي يوضح ما ذكر في أعلاه بالأرقام فيما يتعلق بالدينار في أثناء المدة 125-126هـ:

معدل القطر

معدل الوزن

العدد 

السنة

19.86

4.22

16

125

20

4.19

11

126

   إن نظرة فاحصة على أوزان الدنانير التي ضربت في عام 126هـ، تبين أن من بين تلك الدنانير ما كان وزنه أقل من الوزن الشرعي بكثير (4.05، 4.10، 4.15)، بمعدل نقص عن الوزن الشرعي يصل إلى 0.15غم، بمعنى أنه يمكن توفير دينار واحد مقابل إنقاص 28 دينارًا آخر بهذه النسبة.

وهو أمر منطقي وعملي جدًّا، يمكن النظر إليه على أنه مدبر ومقصود. من ناحية ثانية هناك دنانير أوزانها قريبة من الوزن الشرعي أو أكبر منها بقليل (4.24، 4.25، 4.26، 4.30).

من ذلك يمكن الافتراض أن المجموعة الأولى ضربت على يد إدارة مالية نفذت أوامر مختلفة عن الأوامر التي نفذتها في ضرب المجموعة الثانية. فإذا عرفنا بأن الوليد الثاني كان يتبع سياسة مالية غير مضبوطة غير تلك التي اتبعها الخليفة يزيد الثالث، وأنه قد زاد في أعطياته للجند وغيرهم كثيرًا بهدف حشد الدعم له ولسياسته.

وأن الخليفة يزيد قد أعاد الوضع المالي والاقتصادي إلى سابق عهده زمن الخليفة هشام بن عبد الملك؛ تبين لنا بأن الدنانير ذات الوزن الأقل هي من ضرب الوليد الثاني، في حين الدنانير ذات الوزن الأكبر فهي من ضرب الخليفة يزيد الثالث.

اقرأ أيضاً قصة "العائدون من الموت".. قصص رعب

الدراهم في الدولة الإسلامية

   لقد ضربت الدراهم في عام 125هـ/742م في خمس مدن، موزعة على الدولة الإسلامية من شرقها إلى غربها، وهذه المدن الخمس اعتمادًا على ما وصلنا من نقود هي: واسط ودمشق والباب وإفريقيا والأندلس.

أما العام 126هـ فقد ضربت الدراهم في خمس مدن أو أقاليم وهي واسط ودمشق والباب والأندلس والجزيرة. ولم نتمكن من رصد أية قطعة من ضرب إفريقية في عام 126هـ، في حين انضمت دار ضرب جديدة هي (الجزيرة) بعد توقف عن العمل استمر 30 سنة متواصلة.

حسب ما وصلنا من نقود هذه الدار، ويبدو أن هذا الإجراء كان له مبرراته الاقتصادية والسياسية، إذ أصبحت الجزيرة في السنوات اللاحقة من الحكم الأموي مركز الثقل السياسي حتى الاقتصادي، بانتقال القيادة السياسية إلى حران في إقليم الجزيرة.

وقد أدت منطقة الجزيرة هذا الدور المهم، حتى قبل الانتقال الرسمي إليها من قبل آخر الخلفاء الأمويين -مروان بن محمد- فكانت تتمتع بثقل سياسي واضح عن طريق وقوعها تحت إمرة الوالي مروان بن محمد قبل أن يصبح خليفة، والاعتقاد الأكبر هنا أن يكون هذا الوالي هو الذي أنشأ دار ضرب الجزيرة في حران، استعدادًا للمرحلة المقبلة التي كان يخطط لها.

  لا يمكن لنا أن ننسب سياسة حصر الضرب في المدن الرئيسة إلى الخليفة الوليد الثاني الذي عُرف عنه أنه لا ينشغل كثيرًا بمثل هذه الأمور، بل إن المصادر ذكرت أن هذه السياسة بدأها الخليفة هشام بن عبد الملك منذ عام 106هـ/724م.

عندما قرر أن تكون واسط هي دار الضرب الرئيسة في المشرق الأسلامي، وهذا لا يعني أنه لا يوجد أي دار ضرب أخرى في المشرق، بل إن واسط هي الدار التي يتم بها معظم الضرب، ونظرًا لبعد المشرق الإسلامي عن مدينة واسط، وبسبب صعوبة نقل الدراهم إليها من واسط.

والتكلفة العالية في تلك العملية؛ فقد كانت في بلاد المشرق دارٌ واحدة في الأقل تضرب الدراهم إلى جانب واسط، وكانت هذه الدار في عامي 125-126هـ هي الباب. في حين كانت في العام السابق 124هـ مدينتي (الباب) و(بلخ)، وكانت مدينة الباب وحدها في عام 123هـ، أما الأعوام 120، 121، 122هـ فكانت مدينتي الباب وبلخ معًا.

   أما مدن الضرب الأخرى التي ظهرت أسماؤها على دراهم المدة 125-126هـ فهي عواصم للأقاليم في كل من المشرق والمغرب، وقد سمح بالضرب في تلك المدن بسبب بعدها عن مدينة الضرب الرئيسة في واسط.

والغريب في الأمر أن مصر غير ممثلة في هذه المدن  على الرغم من أن مصر كانت إقليمًا غنيًّا مهمًا ومستقلًا اقتصاديًّا وإداريًّا.

وهذا الأمر يثبت ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن الإقليم المصري لم يكن يعتمد في نظامه المالي على الدراهم الفضية، بل كان يعتمد على الدنانير الذهبية وأجزاء الدنانير، فضلًا على الفلوس.

   أما مدينة دمشق عاصمة الدولة الإسلامية، فقد كانت تضرب أنواع العملة جميعها باستقلالية كاملة بسبب ما تحتاج إليه من النفقات الكثيرة، وبالتوقيت الذي تتحكم فيه.  

وفيما يأتي استعراض للدراهم التي ضربت في المدة 125-126هـ/742-743 م

اقرأ أيضاً الشعر الفلسفي والغزل في العصر الجاهلي

الدراهم في العصر الأموي

   على الرغم من ضرب كميات كبيرة من دراهم واسط في سنة 125هـ مقارنة بدور الضرب الأخرى المعاصرة لها، فإننا لم نلاحظ سوى نموذج واحد كان التعامل معه، ولعل السبب في ضرب كميات كبيرة في هذه السنة هو مجيء خليفة جديد إلى الحكم هو الوليد الثاني الذي كان معروفًا بزيادة إنفاقه.

أما النصوص فلم يتغير فيها عن الدراهم الأموية الأخرى سوى أسم المدينة والتاريخ. أما الحلقات فقد كانت خمس حلقات كبيرة على الوجه (Ο Ο Ο Ο Ο)، وخمسًا أخرى صغيرة على الظهر (5 5 5 5 5).

وكان هذا النمط من الحلقات قد بدأ في الظهور على دراهم واسط منذ عام 120هـ/737م، وانتهى في عام 126هـ/743م، باستثناء عام 124هـ، فقد عُرف فيها أكثر من نمط واحد من الحلقات.

   لقد رصدت 21 قطعة من ضرب واسط 125هـ، وقد تبين أن أوزانها تتراوح بين 2.34-2.92 غم، بمعدل 2.78 غم، وتراوحت أقطارها بين 22.5-25 ملم، ئمعدل 24.4 ملم. 

   وقد ضربت واسط في عام 126هـ خمسة طرز، لا تختلف عن بعضها في النصوص، فجميعها حملت النصوص ذاتها التي كانت على الدراهم السابقة. ولكن الذي اختلف هو عدد الدوائر في محيط الوجه.

عدد الحلقات على كل من الوجه والظهر

❖ الطراز الأول: الوجه: دائرتان خارجيتان + خمس حلقات (O  O  O O O). 

     الظهر: دائرة داخلية محيطة بالمركز وأخرى خارجية + خمس حلقات صغيرة (5 5 5 5 5).

❖ الطراز الثاني: الوجه: ثلاث دوائر + أربع حلقات (O  O O O).

    الظهر: دائرة داخلية محيطة بالمركز وأخرى خارجية + أربع حلقات صغيرة (5 5 55).

❖ الطراز الثالث: الوجه: ثلاث دوائر + ست حلقات (O O O O O O ) .

    الظهر: دائرة داخلية محيطة بالمركز وأخرى خارجية + خمس حلقات صغيرة (5 5 5 5 5).

❖ الطراز الرابع: الوجه: ثلاث دوائر+ ثماني حلقات.

    الظهر: دائرة داخلية محيطة بالمركز وأخرى خارجية + خمس حلقات صغيرة (5 5 5 5 5).

❖ الطراز الخامس: الوجه: ثلاث دوائر + سبع حلقات (O O O O O O O).

    الظهر: دائرة داخلية محيطة بالمركز وأخرى خارجية + خمس حلقات صغيرة (5 5 5 5 5).

   بالنظر إلى الطرز السابقة نجد أن طراز الوجه هو الذي تغير خمس مرات، أما طراز الظهر فقد سجل منه نموذجان فقط. 

   لقد رصدت أكثر من 51 قطعة من هذا الدرهم، تراوحت أوزان القطع جميعها بين 2.75-3.35 غم، بمعدل 2.87 غم، وهومعدل الوزن نفسه الذي سجل في عهد يوسف بن عمر الذي صغر السكة وضربها على وزن ستة، كما مر أعلاه.

ويبدو أن تغير الخلفاء وتعاقبهم في حالة من الاضطراب السياسي لم يؤثر تأثيرًا مباشرًا على دار الضرب في واسط، في الأقل فيما يتعلق بوزن النقود. أما أقطارها فقد تراوحت بين 23-26 ملم، بمعدل 24.55 ملم، وهو قياس يتناسب مع ما ذهب إليه المؤرخون من أن (يوسف بن عمر قد صغّر السكة).

   إن هذا العدد الكبير من دراهم واسط عام 126هـ، والطرز الكثيرة التي مُيزت تظهر مدى زيادة الإنفاق التي وصلت إليها الخزينة في تلك السنة.

وهي السنة التي تقلب على الحكم فيها أكثر من خليفة. من ناحية أخرى فقد كان عهد والي العراق يوسف بن عمر آخر عهود المراقبة الحثيثة والتشدد في ضرب النقود، التي كان يغذيها ويأمر بها الخليفة مباشرة، لا سيما في مدينة ضرب الدراهم المركزية (واسط). 

اقرأ أيضاً أسعار المواد غير المنقولة (العقارات) في العصر البابلي القديم

دراهم دمشق 125-126هـ

   ضربت دمشق في عام 125هـ أُنموذجًا واحدًا من الدراهم، نصوص الوجه والظهر مثل الدراهم السابقة، أما الحلقات فقد تماثلت على الوجه والظهر على الشكل التالي (5 5 5 5 5)، وكانت الدوائر على الوجه ثلاث دوائر في الهامش، ودائرة أخرى خارجية تحيط بحلقات الوجه، أما على الظهر فدائرتان، الأولى تحيط بمركز الظهر والأخرى تحيط بهامش الظهر. وبدأ هذا النمط من الحلقات ينقش على دراهم العاصمة دمشق منذ العام 79هـ/ 698م، حتى نهاية الحكم الأموي 132هـ/749م، ما عدا أحد نماذج دراهم سنة 89هـ التي جاءت بلا حلقات.

   لقد رصدت سبعة من دراهم دمشق لهذه السنة، تراوحت أوزانها بين 2.64-2.92 غم، بمعدل 2.80غم، أما أبعادها فقد تراوحت بين 25-27.5 ملم، بمعدل 26.3 ملم، وهي أوزان وأقطار أقل من الدراهم التي ضربت في السنة نفسها في كل من الباب وإفريقيا والأندلس.

مع العلم أن كتابة المركز في دراهم دمشق تكون متقاربة من بعضها، وبخط صغير نسبيًّا، تاركةً مساحة أكبر خارج دوائر الوجه والظهر.

وقد أشار أبو الفرج العش في كاتالوجه عن (كنز دمشق الفضي) بأن ظهر هذا الدرهم قد أعيد ضربه للمرة الثانية، إذ يمكن تمييز كلمة (بدمشق) التي يفترض أن تكون في هامش الوجه قد ظهرت تحت عبارة (أرسله بالهدى) في هامش الظهر. 

   كما ضربت دمشق في سنة 126 هـ أنموذجًا واحدًا من هذا الدرهم، وكانت النصوص والدوائر والحلقات كما في دراهم دمشق السابقة. لقد رصدت 10 قطع من هذا الدرهم تراوحت أوزانها بين 2.46-2.95 غم، بمعدل 2.78 غم، في حين تراوحت أقطارها بين 26-27 ملم، بمعدل 26.35 ملم.

اقرأ أيضاً إيجار العقارات والأراضي الزراعية في العصر البابلي القديم

دراهم الباب 125-126هـ

   عرف من هذا الدرهم طراز واحد خلال عامي 125-126هـ، وهو لا يختلف في نصوصه ودوائر الوجه والظهر عن الدرهم السابق -وكذلك الحال في دوائر الوجه والظهر التي لم تختلف في دراهم المشرق والمغرب في هذه المدة في الأقل- وهي ثلاث دوائر متلاصقة محيطة بهامش الوجه.

ويحيط بها من الخارج حلقات الوجه التي غالبًا ما كانت تختلف بين دار ضرب وأخرى، أما دوائر الظهر فهي دائرة داخلية تحيط بالمركز، وأخرى خارجية تحيط بهامش الظهر، وينقش على أطراف دائرة الظهر الخارجية الحلقات المراد نقشها.

والاختلاف الذي يمكن تسجيله في درهم الباب هو في حلقات الوجه التي جاءت مختلفة مثلما يأتي: حلقات الوجه (O O O O O) في حين حلقات الظهر (5 5 5 5 5) موزعة حول المحيط الخارجي لهامش الظهر. إن هذا التقليد في نقش حلقات الوجه والظهر يمكن تتبعه على دراهم مدينة الباب منذ عام 114هـ/732م، وانتهى التعامل معه في عام 126هـ/743م.

لقد رصدت خمس قطع من الدراهم ضرب الباب لعام 125هـ، بعضها في المتحف البريطاني والمتحف العراقي، تراوحت أوزانها من 2.85-2.91عم، بمعدل 2.87 غم، وتراوحت أبعادها بين 26-29 ملم، بمعدل 27.6 ملم. كما رصدت ثلاث قطع من ضرب عام 126هـ، محفوظة في المتحف البريطاني وأحد المتاحف الروسية وفي مجموعة (klat) الخاصة، أوزانها متوحدة على 2.86 غم، في حين تتراوح أقطارها بين 25.2-27 ملم، بمعدل 26.1 ملم. 

  وقد نشر أبو الفرج العش قطعة نقدية من ضرب الباب قال: «إنها نصف درهم» من دون أن ينشر صورتها، تزن 1.68 غم، وقطرها 22 ملم. وقد كان استنتاج العش في كونها نصف درهم اعتمادًا منه على انخفاض وزنها وصغر قطرها، وليس على ما جاء فيها من النصوص، والحقيقة أنه لو كانت تلك القطعة فعلًا نصف درهم لتمت الإشارة إلى ذلك في نصوصها، مثلما كان متبعًا في أجزاء الدنانير التي ضربت في بداية القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي.

ما يرجح القول غن هذه القطعة ليست نصف درهم بل هي درهم كامل، ولكنها تعرضت لعوامل القص عن طريق الأخذ من حواشيها بالقطع المتعمد، حتى أصبحت بهذا الشكل، والجدير بالذكر هنا أن الحقبة الأموية والعباسية المبكرة التي نحن بصدد دراسة مسكوكاتها لم تعرف فيها أجزاء أو مضاعفات النقود من الدراهم.

اقرأ أيضاً أسعار المواد المنقولة في العصر البابلي القديم

دراهم إفريقيا 125هـ

   عرف من هذا الدرهم طراز واحد ضرب في (إفريقية): 

لا اله الا / االله وحده / لا شريك له

مركز الوجه

بسم الله ضرب هذا الدرهم  بأفريقية سنة خمس وعشرين ومئة

هامش الوجه

الله أحد الله / الصمد لم يلد و / لم يولد ولم يكن / له كفواً أحد

مركز الظهر 

محمد رسول االله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون

هامش الظهر 

أحاط بكتابات الوجه ثلاث دوائر، في حين توزعت في محيط الوجه الخارجي ثلاث من الحلقات المضاعفة. وأحاط بكتابة الظهر المركزية دائرة واحدة، وجاء هامش الظهر محصورًا بين هذه الدائرة والدائرة الخارجية، أما حلقات الظهر فهي خمس حلقات موزعة في محيط الدائرة الخارجية بشكل متساوٍ.

لقد رصدت ثلاث قطع من هذا الدرهم تراوحت أوزانها بين 2.81-2.85 غم، في حين تراوح القطر بين 25-26 ملم، وهي أوزان وقياسات تقع ضمن المعدل العام للدراهم الأموية في تلك الحقبة.

   ومن الجدير بالذكر أن هذا الترتيب في رسم الحلقات على دراهم إفريقية على الوجه والظهر، بدأ في عام 117هـ/735م، واستمر في السنوات 118، 119، 120، 124، وانتهى في عام 125هـ. أما السنوات المحصورة بين 121-123هـ فلم نحظَ فيها بالتعرف على دراهم من ضرب إفريقيا في أثناء تلك المدة.

اقرأ أيضاً مراحل تطور الشعر العربي عبر العصور

دراهم الأندلس 125-126هـ

عرف من هذا الدرهم طراز واحد في عام 125هـ، ونصوصه مثل الدرهم السابق، مع تغير اسم دار الضرب. أما الحلقات فقد كانت مختلفة، على شكل أربعة أزواج من الحلقات الصغيرة على كل من الوجه والظهر(55 55 55 55)، في حين أن الدوائر على الوجه والظهر كانت مثل درهم إفريقيا السابق.

إن ترتيب رسم الحلقات على وجه دراهم الأندلس بهذا الشكل استمر منذ عام 118-119، 121- 125هـ، وانتهى عام 129هـ.

أما حلقات الظهر فقد يرجع العمل بنقشها بهذه الصورة على دراهم الأندلس منذ عام 108هـ/726م. لقد رصدت قطعتان من هذا الدرهم المضروب 125هـ، ولم ينشر تيزنهاوزن Tienhausen أية قياسات لدرهمه، أما Klat في مجموعته الخاصة فقد نشر وزن درهمه 2.84 غم، وقطره 27 ملم.

اقرأ أيضاً الصنارة وأجزاؤها في ضوء المصادر المسمارية

دراهم الأندلس 126هـ

فقد أشار إليه تيزنهاوزن Tiesenhausen، كما نشرها محمد حتاملة في رسالته عن النقود الأموية في متحف الآثار الأردني، والأنموذج الوحيد الذي تم التعرف عليه هو ذو نصوص لا تختلف عن الدراهم السابقة، ما عدا اسم دار الضرب والتاريخ.

أما حلقات الوجه فهي خمس حلقات متداخلة، ولم ينشر أي من المصادر أعلاه وزن هذا الدرهم، في حين ذكر حتاملة أن قطر الدرهم الموجود في المتحف الأردني هو 26 ملم.

   جدير بالذكر أن نقود إفريقيا والأندلس هي من النقود النادرة أو التي يتم التعرف عليها بأعداد قليلة في الكاتالوكات المختصة بالنقود.

مقارنة بتلك التي يتم التعرف عليها في مدن ضرب المشرق الإسلامي للمدة الزمنية نفسها. ويبدو أن تعليل ذلك يعود إلى البعد الجغرافي لهذه المناطق عن المشرق من جهة، وبذلك قلة ما يصل من نقودهم إلى أيدينا، ومن ناحية أخرى فإنه ليس من المستبعد أن عملية ضرب الدراهم في تلك البلاد كانت محدودة بالمقارنة مع المشرق الإسلامي، وذلك بسبب اعتماد أهل المغرب والأندلس في نقودهم على الدينار الذهبي والفلوس.

اقرأ أيضاً الوصف.. تعريفه وأنواعه ووظائفه

دراهم الجزيرة 126هـ 

   عرف من هذا الدرهم أنموذج واحد، ولم تختلف نصوصه عن الدراهم السابقة، ما عدا دار الضرب (… بالجزيرة سنة ست وعشرين ومئة)، وقد سجل هذا الدرهم اختلافًا في عدد دوائر الوجه للمرة الأولى عما سبقه من الدراهم التي دُرست حتى الآن، إذ اقتصر عدد دوائر الوجه على دائرتين بدل ثلاث.

أما دوائر الظهر فقد بقيت كما في الدراهم السابقة، والأمر الدارج حتى الآن هو تغير في عدد وشكل الحلقات وليس الدوائر، ما يعني ميلاد دار ضرب جديدة ذات طاقم عمال جديد ومتميز، سوف يكون له شأن كبير في السنوات اللاحقة. أما الحلقات فهي خمس حلقات موزعة على الوجه (O O O O O) ومثلها على الظهر ولكن حلقات الظهر أصغر حجمًا، كما هو الدارج في العادة (5 5 5 5 5). 

   لقد رُصدت قطعة واحدة من هذا الدرهم محفوظة في متحف إسطنبول تزن 2.16 غم، وقطرها 24 ملم، لاحظ أن قلة الوزن وصغر القطر فضلًا عن ندرة هذا الدرهم، ما يجعل لذلك علاقة بشحة الفضة في هذه الدار، التي أعادت فتح أبوابها مجددًا.

وبإلقاء نظرة سريعة على أوزان وأقطار الدراهم التي ضربت في عام 125هـ نجد ما يأتي: 

معدل القطر

معدل الوزان 

العدد 

دار الضرب 

24.4

2.78

21

واسط

26.3

2.8

7

دمشق

27.6

2.87

5

الباب

25.5

2.87

3

أفريقية 

27

2.84

2

الأندلس

   من هذا الجدول يتبين أن واسط هي الأوفر حظًّا حسب العدد، تليها دمشق ثم الباب، وهذا يدلل على أن واسط ما زالت في عام 125هـ تتمتع بكونها دار الضرب الرئيسة في العالم الإسلامي، أما وفقًا للوزن فإن واسط هي أقل الأوزان من بين مجموعة مدن الضرب العاملة في تلك السنة.

مع العلم أنها كانت تضرب معظم دراهم الدولة آنذاك. ولعل هذا هو السبب الذي جعلها تنقص الوزن، حتى تستطيع أن تضرب العدد المطلوب من الدراهم، وكذلك فعلت دار الضرب في دمشق، إذ النفقات كثيرة وغير محدودة في عهد الوليد الثاني.

وإذا كنا نفهم أن مدينة الباب لم تكن تعاني أي نقص في معدن الفضة بحكم موقعها في البلاد التي تكثر فيها مناجم الفضة، ربما لهذا السبب كان درهم الباب ذا وزن أعلى وقطر أوسع. 

   إذا أخذنا بهذا الاقتراح يبقى علينا أن نفسر كيف أن درهم إفريقيا كان هو الآخر ذا وزن مشابه لدرهم الباب، مع العلم أن إفريقية كانت تستورد الفضة من مدن الشرق الإسلامي؟

والجواب على ذلك يتضمن ثلاث نقاط

الأولى أننا لم نستطيع أن نتعرف في هذه الدراسة سوى على ثلاث قطع من ضرب أفريقية لعام 125هـ، ما لا يُعد حجة قوية في التعرف على معدل الوزن والقطر لهذه المدينة.

والنقطة الثانية أن مدينة القيروان في تونس الحالية كانت حسب الاقتصاد من المدن غير الحيوية في تلك الفترة مقارنة بمدن المشرق، ولم يكن يطلب منها كثير من النفقات، وفي ظروف انعدام ضغط على دار الضرب فإنها تنتج الدراهم حسب المواصفات المطلوبة من دون أية مشكلات.

أما النقطة الأخيرة فهي أن إفريقيا كانت تستعمل معدن الذهب في أغلب معاملاتها التجارية، مثلما كان الحال في القارة الإفريقية جميعها بما فيها مصر.

وذلك لوفرة معدن الذهب هناك، وبسبب البعد الجغرافي لمناجم الفضة عنها، وما يتطلبه نقل الفضة من المشرق من جهد أمني وتكاليف قد يصبح مشروع ضرب الدراهم معها عديم الفائدة.

   وحسب الأبعاد فإن دراهم واسط عام 125هـ قد حافظت على القطر الأدنى من بين الدراهم التي عرفت في تلك السنة، يليها دراهم إفريقية ثم دمشق ثم الأندلس، في حين كانت دراهم الباب هي الأوسع قطرًا والأثقل وزنًا.

ثم إن نظرة سريعة على أوزان وأقطار الدراهم في مدن الضرب العاملة في عام 126هـ تبين ما يأتي:

 

معدل القطر 

معدل الوزن 

العدد 

دار الضرب

24.55

2.87

51

واسط

26.3

2.78

10

دمشق

26.1

2.86

3

الباب

26

-

1

الأندلس

24

2.16

1

الجزيرة 

   حسب الأعداد التي رصدت يتبين أن واسط تحتل المكان الأول في كمية ضرب الدراهم تليها دمشق، ثم الباب، ثم الجزيرة وآخرها الأندلس، وحسب الالتزام بالوزن الشرعي فقد احتلت كل من واسط والباب المركز الأول، يليها دار الضرب في دمشق، والغريب في الأمر أن تكون واسط أكثر التزامًا من العاصمة نفسها في هذا المجال. 

   أما أقطار الدراهم الأكبر فهي دراهم الباب ودمشق، في حين أن دراهم واسط عام 126هـ كانت أقل من غيرها، ويبدو أن ذلك الأمر امتداد لسياسة يوسف بن عمر في تصغير السكة، تلك السياسية التي استمرت من 120-125هـ.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة