الآن فقط أعي مدى صدق نظرية أستاذي في أكاديمية الفنون عندما حدَّثني عن أهمية أن أخلق لنفسي ما يسمّى بـ “المساحة القنفذية"..
والتي كان من الواضح أنه أسماها تيمُّنًا بحيوان القنفذ، مستلهماً منه كيفيّة حمايته لنفسه عندما يقوم بفرد أشواكه كلّما شعر بالخطر يحيط به..
خالقاً لنفسه مساحةً آمنة ومجالاً من الخصوصية يعطيانه الأفضلية في دراسة واختبار كل من حوله دون التعرُّض لأيّ أذى...
اليوم فقط تمنيّت لو كنتُ من القلّة المحظوظة التي استطاعت أن تطبق هذه النظرية الفريدة في تجربتها الحياتية...!
فقط اليوم حين حذفتُ آخر محادثةٍ بيني وبين صديقي المفضّل... بعدد رسائلها التي تجاوزت الـمائتي ألف رسالة أدركت أنه محقّ...!
أعلم أنه فعل جداً تافه لدى الكثير الآن، بل أجزم أن البعض يقوم بحظر وحذف هذا وذاك يومياً!
لكن في نفسي شعرت وكأنني أقتطع جزءًا من ذاكرتي وقلبي...
ففي هذا الصندوق الإلكترونيّ الصغير مئات من الصور التي تجمعنا، وآلاف الصور التي أعجبتني وأعجبته..
الكثير من الأماكن التي كنا نَودّ زيارتها معا ولم نفعل، والعديد من الصور التي جمعتنا في أماكن استطعنا أن نزورها سويا، ولكن لا نستطيع حتى أن نسترجع ذكراها... وصدّقني كلاهما يحمل ذات المرارة..
الملابس التي كنا نرغب في شرائها والملابس التي لا يجب أن نقع في فخها..
في هذا الصندوق الصغير رسائل حزينة من كلانا..
فهنا كان يفضفض بكل ما يجيش به قلبه بعد شعوره بالخذلان، وهنا كنتُ أرسل له كلمات ممزوجة بدموع الخيبة..
هنا كنّا نسخر ونتنمر على الأحداث من حولنا، وهنا كنّا نرسل النكات والصور المضحكة والأغاني المفضلة لكلٍ منا...
هنا فقط كنا أنا وهو بلا أقنعة...!
مناقشات هناك انتهت بـتبادل الشتائم، ومناقشات أخرى على فيلم أو مسلسل أو حتى مباراة كرة قدم لا ناقة لنا فيها ولا جمل انتهت باتفاقٍ على ألَّا نتناقش مرة أخرى لأنه ببساطة أحمق لا يفقه شيئاً..
وبعد دقائق نتناقش حول هذا القرار السخيف بـسخرية ونتجاهله كأن شيئًا لم يكن... في هذا الصندوق الصغير غيرة متبادلة حين يتحدث أحدنا عن أحبائه..
وهنا كان يتمرّد صديقي على عائلته، ويحدّثني عن مشاكله العائلية والنفسية لأقوم أنا بدور الناصح الحكيم، حتى تتبدل الأدوار في اليوم التالي، وأثور وأتمرد أنا الآخر عليهم وعلى نفسي.
هنا كان يحدثني عن يومه الأول في العمل ومغامراته، وهنا أيضا كان يركض كل منا في لهفة ليفرغ ما في قلبه بمنتصف يومه المشحون على وعد بلقاء بعد انتهاء دوام كلانا..
وهنا أرسلت لـه أنني سأترك هذا العمل وأنتظره في مكاننا المعتاد...
ففي هذا الصندوق الصغير مئات الخطط التي حققناها والتي لم نحققها، الأحلام التي سعينا إليها ولم نصل لها، أو على الأقل لن نصل لها معاً، الأمنيات التي ما زالت عالقةً في السماء والتي لا أعرف كيف سيكون مذاقها لو تحققت بدونه!
هنا كنا نتحدّث بعد يومٍ طويلٍ قضيناه معًا، نتحدّث بنفس الشغف والحماس وكأننا لم نلتقِ من أشهر، وهنا مئات المرّات التي عاتبني فيها على تأخري وتكاسلي المعتاد على ميعاد لقائنا.
هنا الكثير من الكذب، والمزاح، والسخرية، والنميمة، والتنمر، والحبّ، والدعم، والمواساة..
في هذا الصندوق الصغير مئات الكلمات والرسائل التي لن يفهمها إلا كلانا..
في هذا الصندوق الصغير كانت مراحل مختلفة من حياتنا، لم أكن أتخيّل أن تُحذف وتحذف حياتنا، وصورنا، وذكرياتنا، ووعودنا بالبقاء معها بهذه البساطة، وأن يُهجر هذا الصندوق في النهاية ويحذف كما حُذفنا...
حقاً، لا أستطيع أن أعيب نظرية أستاذي الآن أبداً، ولا أجرؤ على استهجان وحدته...
فالأمر ليس بهيّن، فلم يكن الأمر مجرّد حذف لمحادثة بصندوق رسائل إلكترونية..
بل كان اقتطاع جزء من نفسي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.