في واشنطن، لا تظهر مصر هذه المرة من بوابة آثارها القديمة فقط، وإنما تدخل المشهد الثقافي الأمريكي من خلال قرابة 9 عقود من فنها الحديث والمعاصر، عبر معرض «المرسم: الفن الحديث والمعاصر من مصر» الذي افتتح في 18 سبتمبر 2026 في جاليري معهد الشرق الأوسط، ويستمر حتى 11 ديسمبر المقبل، جامعًا بين تجارب فنانين ارتبطوا بتشكيل ملامح الحداثة المصرية وأعمال فنانين من أجيال معاصرة يواصلون اليوم إعادة النظر في صورة مصر والإنسان والمكان والذاكرة، في محاولة لتقديم تاريخ فني لا يُختزل في الحضارة القديمة وحدها.
يضم المعرض، وفق التغطية المنشورة في «الأهرام أونلاين»، 49 عملًا لـ29 فنانًا، في حين تصف المادة الرسمية لمعهد الشرق الأوسط المعرض بأنه يضم أكثر من 45 عملًا، وهو اختلاف في طريقة عرض الأرقام لا يغير من اتساع التجربة التي يقدمها «المرسم»، إذ تتنوع الأعمال بين الرسم والنحت والرسم على الورق والتصوير الفوتوغرافي والكولاج، وتجمع أسماء تاريخية مع فنانين من أجيال مختلفة يعمل بعضهم داخل مصر وبعضهم خارجها.
لماذا «المرسم»؟
اختيار كلمة «المرسم» عنوانًا للمعرض ليس تفصيلًا عابرًا، فالكلمة العربية تشير إلى المكان الذي يعمل فيه الفنان ويصنع فيه تجربته، ويشير المنظمون إلى أن المصطلح العربي أصبح مفضلًا في مصر على كلمة «أتيليه» الفرنسية، بعدما استخدم المصطلحان في سياقات متقاربة، وبذلك يتحول الاسم إلى جزء من فكرة المعرض نفسه، فالمرسم ليس مجرد غرفة يعمل داخلها الفنان، وإنما مساحة للخلق والتجريب وتبادل التأثير بين أجيال متعاقبة.
وهذه الفكرة هي التي تمنح المعرض بنيته الأساسية، فهو لا يتعامل مع تاريخ الفن المصري على أنه مجموعة من المدارس المغلقة التي ينتهي كل منها عند حدود زمنية محددة، وإنما يركز على العلاقات التي نشأت بين الفنانين، وعلى الطريقة التي انتقلت بها الأفكار والأسئلة والتجارب من جيل إلى آخر، مع تغير الأدوات والظروف الاجتماعية والثقافية.
من محمود سعيد إلى فناني الحاضر
يضم «المرسم» أعمالًا لفنانين من أبرز الأسماء في تاريخ الفن المصري الحديث، من بينهم محمود سعيد وإنجي أفلاطون وعبد الهادي الجزار وجاذبية سري وعفت ناجي وأحمد مرسي وحسن سليمان وسيف وانلي، إلى جانب فنانين معاصرين مثل يوسف نبيل ولارا بالادي وشرين جرجس وهدى لطفي وماها مأمون ونيرمين حمام وغيرهم.
وجود هذه الأسماء في معرض واحد لا يعني أنها تنتمي إلى تجربة فنية واحدة، بل العكس هو ما يلفت الانتباه، فالمعرض يستفيد من اختلافها لكي يحول القاعة إلى حوار بين مراحل متعددة من الفن المصري، فيستطيع المتلقي أن يرى كيف تغيرت صورة الإنسان والمدينة والمجتمع، وكيف تغيرت علاقة الفنان بالتراث والحداثة والهوية، في حين ظلت بعض الأسئلة الكبرى حاضرة بأشكال جديدة.
وفي هذا الحوار بين الأجيال تبرز قيمة الجمع بين الرواد والمعاصرين، لأن الأعمال القديمة لا تظهر بوصفها وثائق من زمن انتهى، ثم إن الأعمال الجديدة لا تُقدَّم على أنها قطيعة كاملة مع الماضي، وإنما يوضع الطرفان داخل مساحة واحدة تسمح باكتشاف الاستمرار والاختلاف في الوقت نفسه.

الحداثة المصرية لم تكن نسخة من الخارج
من أهم الأفكار التي يقوم عليها «المرسم» أن الفن المصري الحديث لم يتشكل بوصفه مجرد تقليد للحداثة الأوروبية، وإنما تطور بواسطة حوار بين التيارات الفنية الدولية وبين التقاليد والموضوعات والجماليات المحلية، وهي نقطة يضعها المعرض في قلب قراءته لتاريخ الفن المصري.
فالحداثة المصرية لم تكن سؤالًا عن كيفية اللحاق بالفن الأوروبي بقدر ما كانت أيضًا بحثًا عن لغة يستطيع الفنان انطلاقًا منها التعبير عن بيئته ومجتمعه وذاكرته، ولذلك تظهر في التجربة المصرية موضوعات الريف والمدينة والمرأة والعمل والموروث الشعبي والهوية إلى جانب التأثيرات والأساليب التي جاءت من خارج مصر.
هذه العلاقة بين المحلي والعالمي تجعل تاريخ الفن المصري أكثر تعقيدًا من فكرة التأثر باتجاه واحد، لأن الفنانين لم يكونوا مجرد متلقين لما يحدث في الخارج، وإنما أعادوا صياغة ما وصل إليهم وفق تجاربهم الخاصة وأسئلتهم وواقعهم.
إنجي أفلاطون والجزار.. أكثر من اتجاه واحد
يكتسب حضور إنجي أفلاطون وعبد الهادي الجزار أهمية خاصة داخل هذا السياق، ليس لأنهما يمثلان اتجاهًا واحدًا، وإنما لأن تجربتيهما تكشفان اختلاف المسارات التي اتخذها الفن المصري الحديث، فقد ارتبطت أفلاطون في مراحل مهمة من تجربتها بالإنسان والمجتمع وقضايا المرأة، أما الجزار فطوَّر عالمًا بصريًا خاصًا استند إلى عناصر من الثقافة الشعبية والموروث المصري، إلى جانب بحثه عن لغة حداثية خاصة.
ومن خلال هذه الأعمال يصبح تاريخ الفن المصري أقرب إلى شبكة من التجارب المتجاورة والمتقاطعة، وليس خطًا مستقيمًا يبدأ باتجاه وينتهي بآخر، وهي نقطة مهمة أمام جمهور يتعرف على هذه التجربة من خارج سياقها المحلي.
الفن المصري خارج الحدود
لا يحصر «المرسم» الفن المصري المعاصر في الفنان الذي يعمل داخل مصر، إذ يضم أيضًا تجارب لفنانين ارتبطت مسيرتهم بالإقامة في الخارج أو بالحركة بين أكثر من ثقافة، ومن بينهم يوسف نبيل ولارا بالادي وشرين جرجس، وهو ما يوسع مفهوم «الفن المصري» ليشمل تجربة أكثر انفتاحًا على العالم.
وهذه المسألة تظهر جانبًا مهمًا من واقع الفن المصري المعاصر، فالفنان يمكن أن يعيش في القاهرة أو نيويورك أو باريس أو غيرها، لكن علاقته بمصر لا تختفي بالضرورة، وإنما يمكن أن تظهر في الذاكرة والصورة والموضوع واللغة البصرية، وقد تتحول المسافة نفسها إلى جزء من التجربة الفنية.
ويظهر ذلك بوضوح في حضور يوسف نبيل، الذي يمثل أحد الأسماء المعاصرة البارزة في المعرض، ففي تجربته يصبح التصوير الفوتوغرافي وسيلة للتعامل مع الذاكرة والصورة والحنين والمكان، في انتقال واضح من اللوحة التقليدية إلى أشكال أخرى من التعبير البصري.
لماذا يهم هذا المعرض في واشنطن؟
أهمية «المرسم» لا ترتبط فقط بعدد الأعمال أو شهرة الفنانين المشاركين، وإنما بالمكان الذي يستقبل هذه التجربة، فمعهد الشرق الأوسط يصف المعرض بأنه من أوائل المعارض التي تقدم في مؤسسة عامة أمريكية عرضًا مخصصًا حصريًا للفن المصري الحديث والمعاصر.
ومن خلال هذا الحضور في واشنطن يصبح المعرض وسيلة لإعادة تعريف صورة مصر أمام جزء من الجمهور الأمريكي، فالصورة العالمية لمصر كثيرًا ما تبدأ من الأهرام والمعابد والمتاحف الأثرية، أما «المرسم» فيفتح بابًا آخر، يقول إن مصر لم تكن فقط حضارة صنعت فنًا عظيمًا في العصور القديمة، وإنما مجتمعًا أنتج خلال القرن العشرين وما بعده تجارب فنية حديثة ومعاصرة متعددة ومتصلة بتحولات الحياة نفسها.
ولا يعني ذلك أن المعرض يقدم تاريخًا كاملًا للفن المصري، وهو أمر يستحيل أن يُختصر في 29 فنانًا، بل يقدم قراءة منتقاة لمسار طويل، ويستخدم اختلاف الأجيال والتجارب لكي يفتح أمام المتلقي مدخلًا إلى هذا التاريخ بدلًا من الادعاء بأنه يقدم خريطة نهائية له.
أعمال من مجموعات خاصة إلى الجمهور
اعتمد المعرض على أعمال جاءت من مجموعات خاصة ومعارض ومؤسسات، من بينها الجامعة الأمريكية بالقاهرة، إلى جانب أعمال قدمها مقتنون مصريون، وهو ما يكشف جانبًا آخر من المشروع، فخروج الأعمال من المجموعات الخاصة وعرضها أمام جمهور أمريكي يحول المقتنيات الفردية إلى جزء من رواية ثقافية أوسع.
ويأتي نجيب ساويرس في مقدمة الداعمين للمعرض، إذ قدم التمويل الرئيس وأعار أربع أعمال فنية، مع تمويل رئيس من حسن علام وديفيد وجريتشن ويلش، ودعم من عدد من الجهات والأفراد الآخرين، بما يظهر شبكة التعاون التي أتاحت إقامة هذا العرض في واشنطن.

هبة الكيال.. بناء حوار بين الأجيال
تولت هبة الكيال تنسيق المعرض، وهي باحثة وكاتبة وأمينة معارض متخصصة في الفن الحديث والمعاصر من الشرق الأوسط وإفريقيا، درست الأدب الإنجليزي والمقارن في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وحصلت على درجة الماجستير في تاريخ الفن الحديث والدراسات المتحفية من جامعة كولومبيا، وتواصل دراسة الدكتوراه في جولدسميثس بجامعة لندن. كما عملت في مجالات فنية وثقافية في دبي وبيروت ونيويورك ولندن.
وتبدو خلفية الكيال منسجمة مع طبيعة المشروع، لأن المعرض لا يكتفي بعرض أعمال منفصلة، وإنما يحاول أن يقرأ العلاقات بين الفنانين والأجيال، وكيف يمكن لعمل فني ظهر قبل عقود أن يدخل اليوم في حوار مع عمل معاصر ينتمي إلى عالم مختلف في أدواته وظروفه.
9 عقود في مساحة واحدة
حين يجمع «المرسم» أعمالًا تمتد قرابة 9 عقود، فإن ما يظهر أمام الزائر ليس مجرد مرور الزمن، وإنما تغير مستمر في الطريقة التي يرى بها الفنان المصري نفسه ومجتمعه والعالم المحيط به، فمن اللوحة والنحت إلى التصوير والكولاج، ومن الأسئلة المرتبطة بالهوية والمكان إلى أسئلة الذاكرة والمنفى والصورة، تتغير الوسائل مع استمرار الفن في البحث عن إجابات جديدة لأسئلة الإنسان.
ولهذا تبدو قيمة المعرض في قدرته على وضع الماضي والحاضر في مواجهة مباشرة، لا بهدف إثبات أن جيلًا أفضل من آخر، وإنما لإظهار أن الفن المصري لم يتوقف عند لحظة تاريخية بعينها، وأن كل جيل يدخل إلى المرسم حاملًا أسئلته الخاصة، ثم يترك خلفه أثرًا يمكن أن تراه أجيال أخرى.
ينجح معرض المرسم في تقديم رؤية بصرية متكاملة تعيد تعريف الدبلوماسية الثقافية المصرية في العاصمة الأمريكية؛ فهو يتجاوز النمط التقليدي الذي يحصر الهوية المصرية في التاريخ الفرعوني والآثار القديمة، ليضع الجمهور أمام حداثة حية وتجربة تشكيلية متجددة.
ومع التقاء رواد الفن التشيلي المصري بأجياله المعاصرة تحت سقف واحد، يُثبت المعرض أن «المرسم» ليس مجرد مكان لإنجاز اللوحة، بل مساحة مفتوحة لإعادة اكتشاف الذات والوطن، ورسالة فنية تؤكد أن الإبداع المصري تجربة مستمرة تتجاوز الجغرافيا والزمن.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.