المرحلة الحساسة لاكتساب الطفل المهارات

المرحلة الحساسة هي مبدأ من مبادئ مونتسوري الخمسة، وهي مبدأ مهم جدًّا، وإدراك وفهم هذا المبدأ يسهل كثيرًا على المربي وعلى الطفل.

أعود ثانية وأكرر وأقول إن فهم المرحلة الحساسة وإدراكها والانتباه لها يسهل الدخول في معارك مع الطفل لتعلم مهارات أساسية في حياته في عمر أكبر من المرحلة الحساسة.

 في البداية سأتكلم عن المرحلة الحساسة مثل ما تكلمت عنها منتسوري، وفي آخر الكلام سأبين وجهه نظري عن المرحلة الحساسة، وكيف نتعامل مع الأطفال في هذه المرحلة وكيف نكتشفها نحن الآباء والأمهات والمربين بسهولة. 

المرحلة الحساسة sensitive period هي المرحلة التي تبدأ منذ الولادة حتى سن ست سنوات، ويكون فيها الطفل على استعداد تام لاستخدام الحواس الخمس في التعرف على الأشياء، وعلى الموجه أو القائم على رعاية الطفل استغلال هذه المرحلة في إكساب الطفل المهارات المختلفة، حيث يكون الأطفال لديهم حساسية خاصة لتعلم مهارات معينة ولتطوير جوانب معينة من ذاتهم اجتماعيًّا ومعرفيًّا وجسديًّا.

وفي هذه المرحلة يكون الأطفال حريصين على إتقان المهام، حيث يولد لدى الطفل خلال هذه المرحلة دوافع داخلية لاكتساب بعض المهارات التي يلاحظها من البيئة المحيطة، وبمجرد أن يتقن هذه المهارات فإنه لا يميل إلى تكرار النشاط نفسه، ولكنه يركز اهتمامه على أنشطة جديدة يرغب في استكشافها وإتقانها، وبمرور هذه المرحلة الحساسة سوف تختفي ولا تظهر مرة أخرى.

ومن المهم أن ندرك أنه إذا لم يكن لدى الطفل الفرصة للحصول على التحفيز المناسب والخبرة المكتسبة خلال هذه المرحلة فقد يكون التعلم أكثر صعوبة بالنسبة له، أو قد يتطلب مزيدًا من الوقت لتعلم مهارات جديدة.

على سبيل المثال الأطفال الصغار من الولادة حتى سن السادسة من العمر هم في مرحلة حساسة بالنسبة لتعلم اللغة على نحو طبيعي ودون تعب، وتعلم لغة ثانية أو العزف على آلة موسيقية، في الوقت الذي قد يحاول الناس تعلم لغات في وقت لاحق، وسوف تكون أكثر صعوبة.

ومما يشيع في هذه المرحلة الحساسة:

حساسية الطفل للنظام والترتيب، وتظهر في العام الأول وتستمر خلال العام الثاني. وهي من أكثر المراحل أهمية وغموضًا وتجعل الطفل يتمتع بحساسية مرهفة للنظام، ولكل طفل حساسية مزدوجة للنظام والترتيب، الجزء الأول منها يكون خارجيًّا متمثلًا في علاقة الطفل بالبيئة المحيطة به، والجزء الثاني داخلي يتمثل في وعي الطفل وإدراكه لأعضائه ومكان كل عضو في جسمه.

إن حاجة كل طفل للنظام والترتيب يمكن إشباعها في بيئة محددة ودقيقة، فيستطيع الطفل فيها أن يرتب مفاهيمه، وأن يمثل العالم من حوله بمعنى مفهوم. 

حساسية الطفل للأجسام الصغيرة، وتظهر في العام الثاني حساسية الطفل للتفاصيل الدقيقة في الأشياء، فعندما تستحوذ الأشياء الصغيرة على انتباهه واهتمامه فإنه يركز فيها لمرحلة ممتدة من الوقت، وهكذا تنمو قدرته على التركيز.

فالطفل الصغير مثلًا عندما نصطحبه في نزهة فإن خنفساء صغيرة أو طابورًا من النمل يمشي في مسارات متعرجة يشد انتباهه ويلفت نظره، وتلك الحساسية للأقسام الصغيرة هي جانب مهم في نمو الطفل لأنها تزيد قوة ملاحظته وتركيزه.

حساسية الطفل لتنسيق الحركة والمشي تظهر في العام الثاني وتستمر حتى العام الرابع. يعني تنسيق الحركة أن يكون التحكم فيها بإرادة ورغبة الطفل الناتجة عن نزعة داخلية لا إرادية تدفع الطفل لتكرار الحركات نفسها لتحسين وتثبيت القدرة على الحركة.

حساسية الطفل للغة تظهر منذ الميلاد حتى العام الثاني والنصف. حساسية الطفل للغة تظهر مبكرًا في حياته، فيبدأ بتقليد الأصوات التي يسمعها ويميز بينها، ولا يردد ولا يحاكي إلا الأصوات البشرية؛ وذلك لأن الصوت البشري يصنع فيه تأثيرًا أقوى من أي صوت آخر، وهذه هي حساسيته تجاه اللغة، ويظل الطفل يتشرب المعرفة مباشرة من البيئة المحيطة وهو ما يُسمى نمو اللغة وليس تعلمها.

فآلية الطفل الطبيعية لتعلم اللغة تبدأ العمل في أعماق العقل اللاواعي، وتطبع وتثبت يوميًّا منذ الميلاد حتى سنتين، ثم تظهر في العلن، وهو لا يستوعب الكلمات فقط بل مفاهيمها أيضًا.

حساسية الطفل للجانب الاجتماعي في الحياة تظهر في العام الثاني والنصف حتى ست سنوات. فالطفل يهتم اهتمامًا خاصًّا بالأطفال الآخرين من عمره نفسه، وعندما يبلغ عامه الثالث فإنه يلعب بمفرده أو يلعب ألعابًا مماثلة لألعاب الأطفال الآخرين.

وتأثير الحساسية لدى الطفل يفسح له مجالًا لتكوين مشاعر وتكوين صداقات، وبهذا يتعلم كيف يكون جزءًا من مجموعة اجتماعية.

تكلمنا عن المرحلة الحساسة من وجهة نظر منتسوري من عمر يوم إلى ست سنوات. سأحكي لكم عن تجربتي الخاصة في المرحلة الحساسة أو مفهوم المرحلة الحساسة من وجهة نظري.

المرحلة الحساسة هي المرحلة التي يظهر فيها الطفل اهتمامه ببعض الأشياء. ودوري كمربٍّ واعٍ وكأم واعية أن أنتبه لتركيز الطفل وأوجه هذا التركيز بصورة صحيحة. بمعنى الحاجة للنظام. يحتاج الطفل أن يلعب، نحن نقول أن يلعب في الأحذية أو في أي شيء، ولكن هنا تكون مرحلة حساسة للنظام والترتيب، هو لا يلعب ولكنه يحاكي الترتيب والنظام.

وهنا بدلًا أن أعنف الطفل (وبس وكدة غلط ودي مش حلوة) أن أوفر له البيئة المناسبة والجو المناسب أن يتعلم هذه المهارة وذلك بأن أنبهه أن يضع الأشياء في مكانها، الجزامة نضع فيها الأحذية، هيا ضع صندلك في مكانه، هيا ضع الكوتشي في مكانه، هيا ضع كل شيء في مكانه.

في هذه السن من سنة لسنة ونصف حتى سنتين فما فوق يكون الطفل على استعداد كامل أن يتعلم، ولكن لو منعت هذا التعليم ولم تكن منتبهًا وواعيًا لهذه المرحلة ستعاني بعد ذلك مع الطفل أن يتعلم النظام والترتيب، وأن كل شيء له مكانه.

أمثلة على أن كل شيء له مكانه: الملابس المتسخة مكانها في سلة الغسيل، لو أنا لم أوفر هذا للطفل يبدأ الطفل يضع الملابس في أي مكان دون وعي منه، ولكن توجيهي له أن هذه الملابس مكانها هنا والملابس النظيفة مكانها في الدولاب أو في الدرج أو على الشماعة فهنا يتعلم الطفل بسرعة. والتعليم في هذه السن يكون أسهل بكثير من التعليم في سن أكبر.

 بعض الأمهات بل أكثر الأمهات لا تنتبه لتلك المرحلة بحجة أنه صغير (يعمل ما بدا له، وبلاش ما ينفعش، مش هيعرف يعملها، مش هيفهم) وكثير من الأسماء نقولها على أطفالنا دون وعي.

ولكن لو اتخذنا هذا الموضوع لعبة وأننا نسليهم ونشغل وقتهم سيتعلمون أسرع، وسيكون هذا بداية لتعلم تحمل المسؤولية واستقلالية الطفل. الطفل لا يحتاج إلي دائمًا في كل شيء.

الطفل قادر أن يرعى نفسه، قادر أن يقدم لنفسه الخدمات البسيطة المناسبة لسنه، قادر أن يكون مستقلًا بذاته وغير معتمد على الآخرين، ولو أسقطنا هذا على الاحتياجات النفسية سنعرف كيف أن هذه الجزئية تشبع احتياجات نفسية عدة جدًّا، وكل المهارات لها مرحلة حساسة، والمرحلة الحساسة هي اهتمام الطفل بأي شيء، هو مهتم الآن بالتلوين، سأبدأ أوفر ألوانًا مختلفة وخامات مختلفة للتلوين تشبع هذا الاحتياج عند الطفل أو تشبع هذا الاهتمام له.

الطفل عنده اهتمام للتعامل مع المال، سأبدأ أشبع الاحتياج للتعامل مع المال وأبدأ أدخل مفاهيم لها علاقة بالمال ولها علاقة بالادخار ولها علاقة بالاستهلاك والفرق بين الحاجات والرغبات، سأبدأ أوجه الطفل بالتدريج وخطوة بخطوة وانتباهي وإدراكي لأهمية المرحلة الحساسة وأهمية الانتباه لتركيز الطفل، وهذا التركيز متوجه لأي جانب سأستطيع أن أستفيد منه استفادة قصوى.

ومن الأمثلة المهمة جدًّا على المرحلة الحساسة هو تقليد الطفل للأم في وضع الملابس في الغسالة أو وضع المسحوق. الأم وهي تضع الملابس في الغسالة تبعد الطفل عنها تمامًا، ولو كانت تضع المسحوق أيضًا تبعد الطفل وبالأخص تحت عمر السنتين، ولكن هذه المرحلة هي المرحلة التي يبدأ الطفل فيها يتعلم العناية الذاتية، وهذا جزء من المرحلة الحساسة الأولى التي ذكرناها وهي المرحلة الحساسة للنظام والترتيب.

إبعادي للطفل وتجنيبه المشاركة في الأعمال المنزلية يجعل الطفل غير مشبع نفسيًّا وعنده فضول غير مشبع سيشبعه بأساليب مزعجة للأم ومزعجة للمحيطين به، هنا ضروري أن أنتبه أن أوفر للطفل أن يشارك في الأعمال المنزلية بكافة درجاتها وبكافة أشكالها ولكن بطريقة آمنة مناسبة لعمر الطفل، وأبدأ أساعده في أداء هذه المهام حتى يصل لمرحلة الإتقان.

الأمثلة كثيرة على المرحلة الحساسة، ولكن أشرنا لها في جزء أو في فصل التربية من وجهة نظر الطفل، وكيف أن الطفل عندما يكون داخل المطبخ يشارك أمه في الشغل فهو يشبع احتياجًا عنده، احتياجًا للفضول، احتياجًا للنظام والترتيب، احتياجًا أن يعرف أن الطبخة لها خطوات، احتياجًا أن يعرف أنه توجد محاذير ومعايير للأمان والسلامة، أن الأم تحذره من الحرارة، وتستخدم ملعقة صغيرة لأشياء معينة، وتستخدم ملعقة كبيرة لأشياء أخرى، وتستخدم فوطة لتمسك بها الأشياء الساخنة أو تستخدم فوطة لتمسح بها المياه، أو تنتبه أنه توجد مياه على الأرض سوف تزحلقه وتوقعه، وهذه سكينة لا يصح أن نمسكها بهذه الطريقة ولا بد أن نمسكها بحذر، هذا مقص لاستخدام محدد نستخدمه فيه وليس للعب، هذه ملعقة نأكل بها.

وكل هذه المعلومات تبني عند الطفل أساسًا معرفيًّا ويكتسب عن طريقها معرفة عميقة جدًّا بأسلوب بسيط وسهل ويسير ولا يكلف الأم شراء ألعاب أو خروج من المنزل أو رفاهية أو أي شيء، لا يكلفها غير تغيير العادة أو أن الشيء الذي سينفذ في نصف ساعة والطفل بعيد عني يمكن أن ينفذ في ساعة أو ساعة إلا ربع والطفل موجود معي، لن يكلفني شيئًا غير الوقت، ولكن على المدى البعيد سأستفيد منه استفادة قصوى، وأنا هنا أكلمكم عن تجربة وفعلًا رأيت نتائجها مع بنتي وهي في عمر سنة، كانت دائمًا معي في المطبخ تجلس بجانبي على الرخامة.

 هي تحب أن تضع البهارات للأكل بيديها، الملعقة فيها البهارات وتضعها، هذه بهارات، هذا كمون، هذا حبهان، هذا قرنفل، سنضعها في الشوربة، سنجهز الشوربة، سنضع كذا، سنفعل كذا.

الآن هي في عمر ست سنوات وتستطيع أن تعمل أشياء بسيطة في المطبخ، يمكن تحت إشرافي أن تجهز بيضًا بالزبدة لنفسها، وتستطيع أن تسخن الخبز لنفسها، وتستطيع أن تجهز وجبة لنفسها، وتأكلها وترتب أكلها.

 هذه أشياء بسيطة جدًّا يمكن لأطفال كبيرة في عمر إعدادي وثانوي لا يستطيعون أن ينفذوها؛ ببساطة لأنهم في المرحلة الحساسة للتعلم لم يتعلموا، وأنا هنا لا أقول إن هذا للبنات فقط أو للأبناء فقط ولكن للاثنين على حد سواء، فالبنت يجب أن تتعلم شغل البيت ومهام البيت البسيطة المناسبة لسنها، وكذلك الابن، وهذا اقتداء بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام.

فالرسول كان في خدمة أهل بيته، فحذارِ من منظور أن هذا ابن فلا يعمل أو لا يدخل المطبخ أو لا يساعد في تحضير الطعام أو لا يساعد في الترتيب أو التنظيف، ولكن الأطفال على حد سواء يحتاجون أن يكتسبوا مهارة التعاون والمشاركة وتحمل المسؤولية.

من ضمن الحاجات المحفزة أن نعلم الأبناء كيف يرتبون سريرهم وكيف يشاركون في إعداد المائدة أو يشاركون في الأعمال المنزلية المختلفة، وهم بعد ذلك في عمر متقدم سوف ينشئون بيتًا وأسرة ويقدرون أهمية الأعمال والخدمات المقدمة لهم، بمعنى لو أن هذا الطفل أو الشاب غير متعود على أن يرتب سريره ولا يعلم أن تنظيف وترتيب البيت يستغرق مجهودًا سنسمع الكلمة الشهيرة التي يسمعها معظم السيدات: (انتي بتعملي ايه طول اليوم انتي ما بتعمليش حاجة) ولكن المسؤول سيقدر قيمة وأهمية المجهود المبذول في الترتيب وفي التنظيم.

 نقطة ثانية. البنت التي لا تعرف أن تدبر ميزانية المنزل وليس عندها وعي أو إدراك بأهمية المجهود المبذول هي أيضًا ستقلل شأن الشريك أو الرجل في هذه الحالة (وانت كمان بتعمل ايه طول اليوم أنت قاعد في شغلك مرتاح أو أنت في شغلك بتعمل أي حاجة). يعني في الحالتين كل طرف منهما سيقلل المجهود والقيمة المقدمة من الطرف الآخر.

نحن هنا لا نعلم الأطفال أن يشاركونا في البيت ونعلمهم التعاون فقط، ولكن نحن نهيئهم ونبني لهم حجر الأساس أن يكوِّنوا بيوتًا وأسرًا مبنية على السكينة والمودة والرحمة، وليس فقط التكييف والأجهزة والفرش والمصاريف وسافرنا وجينا وجبنا وودينا...

لا، أنا هنا أغرس بذرة المودة والرحمة بغرس بذرة السكينة والتقدير والاحترام والحب على المدى الطويل في حياة الإنسان المسؤولة عنه الذي هو أمانة رزقني الله بها، ودوري أن أحافظ على هذه الأمانة وأحسن لها بأكبر قدر ممكن من الإحسان.

ويجب أن أنبه على أن الإحسان ليس مصدرًا للضغط وما يسمى بضغوطات الحياة وما يطلق عليه مسؤوليات وأعباء التربية؛ الإحسان في تربية أطفالنا متعة لا يدرك معناها إلا الذي يسعى لها وجرَّبها. ومن هنا أنادي وأناشد كل أم: تفنَّني في الاستمتاع بأمومتك، تفنَّني في الاستمتاع مع أطفالك، تفنَّني أن تعيشي طفولتك مع أطفالك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة