ينهض النص الروائي الخاص بالفتيان بعامة على تآزر نسيجي، ما بين مرجعيات ثقافية سياقية، وما بين مرجعيات فنية نصية، تتعلق باشتراطات الجنس الأدبي وممكناته، وفي روايات طلال حسن للفتيان ثمة تعلق نسيجي بين هاتين البنيتين، ذلك أنهما تتخادمان على المستوى الفني الشكلي والدلالي العمقي.
فالرواية بهذا التوصيف الفني تتكون من بنية ثقافية وجمالية، تتمثَّل فيها مرجعيات ثقافية (تاريخية، دينية، مكانية، أسطورية)، ومن ثم توظفها على نحوٍ جمالي/متعي، وهذا يمنح النص الروائي بعدًا إحاليًا خارج نصيًّا، يحيل إلى سياقات ثقافية متنوعة، تسهم في صياغة الوعي الطفولي.
وروايات طلال حسن تستثمر في السياقات الخارج-نصية، متمثلةً بالمرجعيات الثقافية، لتقدم لنا مرجعيةً نصيةً جماليةً، ومرجعيةً خارجيةً تتمثل بالمكان والأساطير والوقائع ذات البعد الوثائقي، فالمرجعية المكانية ذات النزعة الأسطورية، تحيل إلى خصوصية حضارية وأنثروبولوجية تزامنية، كذلك تحفل رواياته بالمرجعيات الدينية التناصية التي تستحضر نصوصًا دينيةً ومراسم شعائريةً، وأزياءً ذات حمولات دينية.
المرجعيات الثقافية: الإحالة النصية/السياقية
إن النص الأدبي الخاص بالفتيان يبقى علامات لغوية، لا يتحقق وجودها إلا بوجود القارئ، ومهمة القارئ إعادة ربط هذه العلامات اللغوية بسياقات إنتاجها وإحالاتها التي تقع خارج النص، وحسب ثقافته في هذه المرحلة العمرية، وهذا يحيلنا إلى الطبيعة التفاعلية ما بين النص بوصفه علامةً لغويةً، وبين القارئ بوصفه جسرًا ما بين المتخيل النصي، والواقعي الخارج-نصي.
فالنص الأدبي ينهض على بنية نصية متخيلة وبنية واقعية خارج-نصية، وما بين هاتين البنيتين ثمة مرجعيات ثقافية خارج-نصية، تسهم في بناء وتشكيل بنية النص الروائي، وتوجد تعريفات متباينة لهذه المرجعيات.
وهذا التباين ناتج عن طبيعة القراءة التي تسعى إلى تحقيق فاعلية النص الأدبي ثم تأويله، لأن التأويل للنص هو الذي يحقق العلاقة التي تنشأ بين العلامة، وما تحيل عليه خارج النص، فالمرجعية «هي العلاقة بين العلامة وما تشير إليه»[1].

فالإحالة العلامية وما تشير إليه يقع بعضها خارج النص بالضرورة؛ ذلك أن العلامة اللغوية قائمة على مواضعات تعاقدية، ما بين القارئ والكاتب، وميدانها النص الأدبي، فطبيعة العلاقة التعاقدية تمارس ضربًا من الإرغام يحيل النص إلى سياقات إنتاجه الخارجية.
فالنص الأدبي بعامة يقوم على توازٍ ما بين داخل النص وخارجه، المتخيل/الواقع، وهذا يسحب القراءة من الحدود العلامية اللسانية ويربطها بالواقع الخارجي المادي، لأنه يشير إلى طبيعة المرجعيات وعلاقتها الخارجية التي «تنطلق من وحدة سيميائية إلى وحدة غير سيميائية (المرجع) متعلقة بالسياق الخارجي عن إطار اللغة»[2].
فالمرجعية تمثِّل العلاقات المتشكلة بين النص والسياقات الثقافية المتعددة المنتجة للنص التي تحيل المفردة أو الجملة عليها، فطبيعة الإحالة المرجعية قد تكون واقعيةً توثيقيةً خارج-نصيةً، أو مرجعيةً ذات طبيعة نصية، متخيلةً لا تحيل إلَّا إلى النص، وعليه عُدَّت المرجعية «العالم الذي يحيل إليه ملفوظ لغوي، علامةً منفردةً كانت أم تعبيرًا مركبًا، ويكون ذلك العالم إمَّا واقعيًا موجودًا حاضرًا، وإمَّا متخيَّلًا لا يطابق أي واقع خارج التعبير اللغوي، وهذا يستلزم بالضرورة من يدرك ذلك العالم أو يتمثله، ثم ينتج الدلالات التي يمكن أن يُعبِّر عنها العالم المرجعي المعروض في التعبير»[3]. فالمرجعية بهذا المعنى تمثِّل الروافدَ والبُنى المعرفية الخارج-نصية التي يتكوَّن منها النص.
إنَّ المرجعيات عندما تدخل عالم النسيج اللغوي وسياقاته التركيبية، تأخذ مسارًا آخر، لأنها تصبح من لُحمة النص وجسده الكلي، فلا يمكن عدها شيئًا جامدًا؛ لأنها حين تؤثث ببنية النص تأخذ مسارًا ذاتيًا، وتصبح خلقًا جديدًا بعد أن كانت موضوعًا عامًّا أو مادةً خامًا، ذلك أن الممارسة النقدية على النصوص الأدبية تحاول أن تكشف عن عملية التحول في المادة الأصل، والتغيرات التي حدثت لتلك المرجعيات.
فلا يوجد نصٌّ منعزلٌ عن سياقه وفضائه البيئي الذي أُنتج ونما داخله، لأن الأديب لا يكتب من فراغ، فهو دائمًا مُحاط بتكوينات ثقافية متعددة، تؤسس وتمد عملَ الوعي الروائي والمخيلة بالدلالات والإشارات، فضلًا على ذلك، لا توجد «مطابقة بين الصورة الذهنية والمرجع الذي تحيل العلامة اللغوية أو التعبير اللغوي عليه، بل انزياح ومفارقة بين المستوى التعبيري ومستوى الموجودات المادية بوصفها مرجعًا»[4].
فالمطابقة المتماثلة بين النص ومرجعياته لن تكون حاضرةً على نحوٍ متماثل وخطي؛ ذلك أن النص الأدبي قائم على خلق مسافة متوترة، مهمتها كسر الطبيعة الخطية للواقع داخل النص، وهذا سيخلق لنا فجوةً ومسافةً جماليةً، تعمل على تكوين انفصال ومباعدة، بين صورة المرجع الخارجي والمرجع الداخلي، الذي يؤسسه النص ويتلاعب بحدوده وممكناته؛ ليكون غير خطي، ومفترقًا نسبيًا عن الإحالة المباشرة، وهذا هو ميدان الاشتغال الجمالي في النص الأدبي.
وإذا كان لا بد من توصيف للمرجعيات على المستوى التشكيلي والدلالي، فإنها ستكون «مرجعيات ثقافية»، ومعلوم أن مفهوم الثقافة شامل ومتعدِّد، يندرج تحته المادي والمعنوي؛ لأنه يتكوَّن منه إدراك الإنسان ومعرفته بكل أحوال مجتمعه، وهذا ما جعل مفهوم الثقافة مفهومًا مكانيًا وزمانيًا، يختلف من بلد إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، فهو «ذلك الكل المُعقَّد الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفنون والقانون والأخلاق والعادات والعرف وجميع المقدرات والأشياء الأخرى التي تُؤدَّى من جانب الإنسان بعده عضوًا في المجتمع»[5].
فالثقافة بهذا التعريف هي طبيعة مجتمع معين، وتصورات عامة تخص الأفراد في زمن معين، فالثقافة ليست مفهومًا فردانيًا، بل هي تأسيس وتلقٍّ جماعي، وهذا ما يقع في القشرة الخارجية لكل الفئات العمرية، لاسيما مراحل الطفولة وتنويعاتها العمرية.
وبناءً على ما تقدم يمكن القول إن المرجعيات الثقافية هي «مجموع الخلفيات والأبعاد المعرفية والفكرية والثقافية التي ينطوي تحتها الخطاب الأدبي، وعادةً ما تكشف لنا هذه الخلفيات والأبعاد عن أيديولوجيا وثقافة أمة من الأمم في العالم، أو مجتمع من المجتمعات داخل القارة الواحدة، تكشف عن عاداتهم، وتقاليدهم، ولغتهم، وتفكيرهم، وغير ذلك»[6].
إن طبيعة المرجعيات الثقافية تنهض على تصورات مجتمعية، محكومة بمكان، وزمان، ونصوص تأسيسية، وذائقة أدبية، وتصورات، وعادات وتقاليد، وقيم تربوية، كل هذه المكونات تمثل مرجعيات ثقافيةً عامةً تتمظهر في النص الأدبي، على اعتباره بنيةً كتابيةً منطلقةً من واقع معين في زمن معين.
الرواية: التعالق الثقافي /الجمالي
تتمتع الرواية الخاصة بالفتيان بأهمية وخصوصية تجعلها تتميز عن بقية الأجناس الأدبية، وفي طليعة هذه الخصوصية، قدرتها على توظيف الحمولات المرجعية ذات الطبيعة المعرفية الصلدة، خاصة الحمولات المرجعية الخاصة بالدين، والتاريخ، والأساطير.
ولعل المتتبع لمسار روايات الفتيان يجدها، على مستوى الموضوعات الحديثة، قد انخرطت في قضايا معرفية تتعلق براهن المجتمعات وأزماتها، ومشكلات البيئة والتنمية المستدامة، ومصير الإنسان وموقفه من كثير من القضايا التي تطرأ على حياة المجتمعات؛ لهذا صارت الرواية «اليوم أداة من الأدوات الفعَّالة في التعبير عن المواقف والقضايا والأفكار والأيديولوجيات والفلسفات المعاصرة التي يصطدم بها الواقع، وتصطرع في جنباته، فلم تعد ذلك الفن الذي يقدم المتعة الفنية أو التسلية الذهنية فحسب»[7].
فروايات الفتيان لم تعد تقدم فنًّا جماليًّا محضًا، وإنما عملت داخليًّا على المستوى المعرفي، وصارت منهمكة في تطوير بنيتها المعرفية الداخلية، فأصبح النص الروائي المعاصر قائمًا على تآزر وتخادم بين بنيتين، جمالية ومعرفية، وهذا التخادم يجعل رواية الفتيان الحديثة تقترب من كونها مجرد «بحث معرفي ذي طابع إبستمولوجي، ولكن بوسائط جمالية»[8].
إن الرواية الحديثة التي تستهدف فئة عمرية أصبحت تستثمر جماليًّا في المرجعيات الثقافية، إدراكًا منها بضرورة التفاعل مع الواقع وتحولاته، فلم تعد الرواية مجرد فن جمالي، وإنما تحولت إلى بنية تفاعلية على مستوى الموضوعات ذات الحمولات الثقافية، وتحررت من أحادية المنظور الفني/ الفكري، وانتقلت من كونها «مدونة نصية شبه مغلقة إلى خطاب تعددي مرتبط بالمؤثرات الثقافية الحاضنة له.
والتعدد يأخذ مظاهر كثيرة: تعدد في العناصر السردية المكونة للحكاية، وتعدد في أساليب السرد، وتعدد في الصيغ، وتعدد في مواقف الشخصيات ورؤاها وتصوراتها، ولعل إحدى الظواهر السردية البارزة في مسار الرواية العربية هي استثمارها تعدد المرجعيات الثقافية الخاصة بالأعراق، والسلالات، والثقافات، والقيم التقليدية، والمرأة والهوية والآخر»[9].
إن التحديد الإجرائي لطبيعة الإحالات المرجعية للرواية، وتناولها لموضوعات إشكالية ذات طبيعة مركبة، يسمح للمرجعيات الثقافية أن تكون ضمن بنية إحالية، تحرر الرواية من ضغط المستوى الجمالي، لمصلحة الطبيعة الموضوعاتية المتعلقة بالأطفال عامة، والفتيان والفتيات خاصة.
وهذا يمنح أدب الطفل عمومًا، والرواية الموجهة للفتيان خصوصًا، خصوصية وحساسية في قدرتها على الاشتغال على المرجعيات الثقافية، بوصفها إطارًا منبثقًا من قوة الواقع، يدفع باتجاه إعادة قراءة الواقع وتحريره، والانخراط في سجالاته المعرفية المتعلقة بالهوية، والآخر، والتاريخ، والمكان، والدين.
ثم إن طبيعة حضور وتمثل المرجعيات في النص الروائي تكون خاضعة لمنظور ذاتي/ موضوعي حسب الطبيعة الأيديولوجية للكاتب، وهذا يمنح النص الروائي مساحة لمناقشة تلك المرجعيات، والدخول في حوار معها، وإعادة مساءلة تلك المرجعيات.
فالرواية من أهم «نظم التمثيل اللغوية قدرة في العالم الحديث من ناحية إمكاناتها في إعادة تشكيل المرجعيات الواقعية والثقافية وإدراجها في السياقات النصية، ومن ناحية إمكاناتها في خلق عوالم متخيلة توهم المتلقي بأنها نظيرة العوالم الحقيقية، ولكنها تتولى دائمًا تمزيقها وإعادة تركيبها بما يوافق حاجاتها الفنية»[10].
إن بعض النصوص الروائية الحديثة الخاصة بالأطفال، ولا سيما التي دخلت في سجالات المجتمع وقضاياه القيمية والتربوية، وذهبت إلى تشجيع الأجيال العمرية الناشئة على عدم التسليم بالقناعات القارة حول تلك القضايا، وذهبت إلى إعادة تحرير القراءة، والتموضع داخل البنيات الهشة للمجتمع، ثم حاولت تقويضها وتقديم نماذج بديلة، ذات طبيعة أكثر ملامسة لروح العصر وأكثر قبولًا للآخر.
وبناءً على ذلك، استطاعت بعض النصوص الروائية أن تحقق موقفًا عبر تبنيها لمنظور معين تجاه بعض القضايا الحساسة مثل الأساطير، والأديان، والعادات، ولعل هذا الموقف الذي يتشكل داخل النص الروائي هو وليد مرجعيات ناظمة للمستوى المعرفي داخل الرواية، وعليه، ندرك أهمية المرجعيات الثقافية للنص الروائي، فالمرجعيات مهمة على المستوى الفني الجمالي، وعلى المستوى الثقافي الدلالي، وهذه المرجعيات الثقافية تعمل على نحوٍ بنائي نسيجي متعالق داخل بنية النص الروائي.
وهذا يقودنا إلى البحث عن تلك المرجعيات الثقافية، وتحديد طبيعة المرجعيات المهيمنة، والتي قد تكون (تاريخية، دينية، مكانية، أيديولوجية، أنثروبولوجية، سياسية، أسطورية). وهذه الأنماط المرجعية قد تحضر جميعًا وتتعالق على المستوى الدلالي؛ لكن بنسب متفاوتة، فيتاح للرواية بناء تصورات ثقافية معاصرة، تسهم في صياغة شخصية الطفل على المستوى الثقافي، كما يمكنها التفاعل مع الأطفال وقضاياهم الراهنة، على نحوٍ معرفي/ جمالي.

1. المرجعيات المكانية
يمثل المكان إطارًا حاويًا للأحداث على المستوى الفني، بيد أنه على المستوى الدلالي يعمل كظهير ثقافي، ورافعة حضارية تسهم في منح الشخصيات هوية ثقافية، ويعمل على صياغة قيم تربوية تؤثر في الأفراد والمجتمع عمومًا، فالمكان يتحول من جغرافيا وحدود معلومة إلى «حقيقة معاشة، يؤثر في البشر بالقدر الذي يؤثرون فيه، فلا يوجد مكان فارغ أو سلبي، ويحمل المكان في طياته قيمًا تنتج من التنظيم المعماري كما تنتج من التوظيف الاجتماعي»[11].
إن طبيعة الحضور المكاني في بعض روايات الفتيان تكشف عن قوة المكان وسلطته وتأثيره، فنجد حضورًا لتأثيثات ثقافية، وفولكلورية، وطبائع، وقيم، متعلقة بطبيعة المكان بوصفه تكوينًا ثقافيًا منتجًا للقيم، قادرًا على التأثير في الفواعل السردية وتكوين هوياتها.
من جانب آخر، يعد المكان جزءًا صميمًا من المرجعيات الثقافية للنص الروائي، ذلك أنه يتسم بالثبات، وثباته جوهري، فتتغير أحواله الخارجية وتأثيثاته الخارجية؛ لكنه يبقى يتمتع بسلطة ضاغطة على الشخصيات والأحداث الروائية؛ فطبيعة المكان الجغرافية، بحدوده وحيِّزه، تتعالق مع التاريخ، وتسهم في صياغة الشخصيات وتكوين منطلقاتها.
فالمكان رهين التاريخ، بمعنى آخر أنه مرتبط بالتاريخ ومتفاعل معه، ذلك أنه جغرافية متصلة بتاريخ المكان وحضارته، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، فثمة تواشج على المستوى الفني والثقافي، فهو تواريخ متصلة، تشهد عليها الجغرافيا بوصفها أمكنة.
ويمكن القول إن هذا التوصيف لعلاقة المكان جغرافيًا بالتاريخ ينطبق بصورة دقيقة ومباشرة على المكان الواقعي حين يكون بطلًا رئيسًا في النص الروائي، وحين تتمظهر سلطته على الشخصيات، فإنه سيتحول في الرواية من كونه دالة فنية إلى كونه مرجعًا ثقافيًا، وسلطة مهيمنة على مجرى الأحداث وتشكلها.
وهذا يكشف عن طبيعة المكان ثقافيًا، ويبين لنا كيف يعمل على صياغة الهوية السردية والثقافية للشخصيات الروائية، ويعمل على تحديد منطلقاتها ومسارات تصيغها فنيًا وثقافيًا، فالمكان هو التاريخ مشتبكًا بالجغرافيا ومتصلًا بها نسيجيًّا، لهذا نجده «يتخذ دلالته التاريخية والسياسية والاجتماعية بالأفعال وتشابك العلاقات»[12].
إن طبيعة المكان، ولا سيما الواقعي أو ما فوق الواقعي في النص الروائي، تمنح الشخصيات مداها الفني، فتظهر متأثرة ومؤثرة في المكان؛ ولهذا نجده يتحول إلى فاعل مرجعي على المستوى الفني والثقافي في مجريات الحدث الروائي.
تحضر الأمكنة الواقعية أو ما فوق الواقعية في روايات طلال حسن بصورة قصدية، فيوجد استدعاء لخرائط مكانية حضارية، تسهم في تكوين وصياغة مرجعيات ثقافية تتناغم وتنسجم مع طبيعة المتن الروائي، فنجد أن الحضارة الرافدينية تحضر في أغلب رواياته، لتعمل ظهيرًا ثقافيًّا، يكشف عن الممكنات الحضارية لهذا المكان، فروايات الأطفال لطلال حسن تستهدف تكوين تآزر نسيجي ما بين الجانب الثقافي بوصفه مرجعية ثقافية وحضارية، وما بين المستوى الفني الجمالي بوصفه أداة توصيل متعية وإبلاغية تستهدف هذه الفئة العمرية.
إن طبيعة المكان في روايات طلال حسن تتمثل في أنه يتعامل مع المكان الواقعي وما فوق الواقعي، فالمكان الأسطوري يمكن أن يكون في السماء، أو تحت الأرض، أو في الغيوم، في حين أن المكان الواقعي مكان محدد ومتعين مثل (بابل) و(نينوى) و(نيبور)، لأنه يوجد فضاء روائي يستجيب لطبيعة البنية الأسطورية التي تتمظهر في المتن الروائي.
«على عادته، صباح كل يوم، خرج الإله إنليل، سيد الآلهة، من مقره في «معبد الإيكور» بيت الجبل، في مدينة نفر المقدسة، واتجه إلى نبع المياه الصافية، الذي يقع في ريف المدينة»[13].
في هذه الرواية نجد حضورًا واضحًا للمكان بوصفه مرجعية ثقافية واقعية، يتكوَّن منها النص، ويحضر المكان هنا بوصفه تاريخًا وحياة، ويُعاد تركيب الوقائع فيه عبر الشخصيات وتسمياتها وصفاتها المكونة للتاريخ الرافديني، لأننا نجد في هذه الرواية حضورًا مهيمنًا لمدينة «نفر» أو «نيبور» العراقية، فهي العاصمة الدينية لحضارة وادي الرافدين.
فالروائي يعمد إلى تحويل المكان إلى رافعة حضارية وقيمية، كاشفًا عن ممكنات هذه المدينة، وهيمنتها السياسية والحضارية، فالمدينة مقترنة بتاريخ ديني شيق ينطلق من معبد الإيكور، ولا شك أن الوعي الروائي يقود العمل الروائي للغوص في المكان وتاريخه وخصوصيته، وهذا يشبه العمل على إعادة تركيب المكان كظهير ثقافي، يعادل بؤس الراهن بالنسبة للقارئ.
ولعل من وظائف تقديم المكان كمرجع ثقافي أنه يحكم الإمساك ببوصلة الدلالة في بنية النص الروائي، فيعمل على تجسير المسافة ما بين الواقع وما فوق الواقع، فطبيعة المكان في هذا النص أنه واقعي/ حضاري، لكنه قادم من طقوس وحكايات أسطورية، وهذا يحرر الوعي الطفولي الخاص بهذه الفئة، ويعمل على تكييف المخيلة الطفولية لتقبل الانتقال ما بين الواقع وما فوقه، وما بين الماضي والراهن.
فهذا النص الروائي يتخذ من نيبور حجر زاوية لحركة الشخصيات ومنطلقًا لمعتقداتها المقدسة، وبمجرد حضور هذا الضرب من الأمكنة ذات النزعة التاريخية والحضارية، فإنه يسهم في تقديم المكان بوصفه صانعًا للحياة، وقناعًا ينفذ عبره الكاتب وشخصياته.
«في برودة هذا الفجر، وقف الكاهن الشاب، أمام تمثال الإله مردوك الذي حال لونه، وبدا وكأن الغبار يعلوه، على الرغم أنه يقوم هو شخصيًا بين وقت وآخر بمسح التمثال، وإزالة الغبار عنه. وبينه وبين نفسه، ولكيلا يسمعه أحد من الكهنة، خاطب الإله مردوك قائلًا: أيها الإله العظيم، صحيح أن بابل الآن مزدهرة ومتقدمة، فهي أعظم مدن العالم وأغناها، ولكن البشر ذوو الرؤوس السوداء بدؤوا يبتعدون عن المعابد والآلهة، منشغلين بالزراعة والصناعة والتجارة وتربية الحيوانات، وبناء القصور والجنائن وأماكن اللهو، وانصرف متعلموهم إلى الشعر والغناء والتمثيل، وليت فنانيهم انصرفوا إلى صناعة تماثيل الآلهة، فقد راحوا يصنعون التماثيل للناس العاديين والفنانين وأبطال الأساطير»[14].
يذهب الوعي الروائي إلى تفصيل الحدود المكانية وإبراز معالمها الحضارية، لا سيما إذا كانت حضارية ضاربة في القدم والتأثير، فحضور مدينة بابل في روايات طلال حسن ليس حضورًا تزيينيًا أو إرغاميًا من أجل بناء فني تنظيمي يتعلق ببنية النص وتركيب الحدث، إنما هو حضور مرجعي يمثِّل حجر زاوية ثقافيًا، فالنص يذهب إلى عرض المكان مفيدًا من إعادة تركيب الوقائع التاريخية والأسطورية التي تعيد تكوين الوعي، ذلك أن المكان هو الإناء الحاوي للأحداث، فيعمل في النهاية على نحوٍ حتمي مرجعًا ثقافيًّا.
يبرز القيم الحضارية والروحية لسكان المكان عبر الشخصيات، وهي تتفاعل داخل المتن الروائي، فشخصية الكاهن الشاب في هذا النص تقدم المكان وممكناته المعمارية، كذلك عبر المكان تستدعي هذه الشخصية التحولات الحضارية المتسارعة في مدينة بابل، فشخصية الكاهن تستدعي المكان بثقله السياسي والحضاري، كذلك يوجد عرض اجتماعي وثقافي لطبيعة المكان كقوة ضغط ثقافية منتجة للقيم الجمالية.
فالجنائن المعلقة تحضر رمزًا ثقافيًّا ومعماريًّا في النص، فالمكان الحضاري حين يحضر في النص يتسم بثبات جوهري، ويكون محملًا ببعد تاريخي يعمل على استعادة الجغرافيا الحضارية، ولعل النص هنا يذهب إلى ملاحقة التفاصيل التاريخية الملتبسة بالمكان، والغارقة في لحظة التحول الحضاري في مدينة بابل باتجاه الفنون، وهذا يمنح النص الروائي مرجعية ثقافية تنبعث عبر المكان بوصفه تاريخًا قابلًا لإعادة تركيب الحياة فيه.
«ولم يُضِع المستشار إيشوم هذه الفرصة، فراح يتجول كل يوم في طرف من أطراف مدينة بابل الواسعة الجميلة المزدهرة، فتجول في شوارعها المنظمة، وذهل أمام جمال وعظمة شارع النصر الذي يزدهي بالبوابة العظيمة بوابة عشتار، وتجول في الأسواق العامرة الممتلئة بالبضائع والمنتوجات المحلية والمستوردة من عيلام وفينيقيا ومصر واليونان، كما زار جنائن بابل المعلقة، وحقًا كانت مرتفعة وجميلة وسط مدينة بابل، بناها الملك نبوخذ نصر لزوجته الجميلة أوميت»[15].
مع تصاعد الحدث الروائي، تكشف الرواية عن تفاصيل حضرية تتعلق بطبيعة المكان البابلي، فيوجد إمساك وتحديد لعناصر القوة المعمارية التي تتمظهر في النص الروائي، فشخصية إيشوم التي تتجول في مدينة بابل كأنها تعمل كشافًا ضوئيًّا يسلط الضوء على تفاصيل معمارية وجمالية تعد من عناصر القوة المكانية وقوة ضغطها، بوصفها مرجعًا ثقافيًا يسهم في تعريف الجيل الناشئ بالحضارة البابلية وطبيعة تفاعلها مع الجغرافيا القريبة والبعيدة، وعليه يمكن تحديد الطبيعة المكانية التي تعمل مرجعًا ثقافيًّا موضوعيًّا حاضنًا للتاريخ والحضارة، ولعل هذا يشتغل في جوهر المكان بوصفه عنصرًا ملتبسًا بالتاريخ، ولا يمكن فصلهما عن بعض إلا على المستوى الإجرائي. فالقصدية التي يقوم عليها النص الروائي تتخذ من المكان موجهًا سرديًا للبنية الدلالية والإحالية، فالكاتب يحاول دفع الوعي الخاص بالفتيان للتفاعل مع البعد الحضاري للمكان.
«وصمت هاديم لحظة، ثم استأنف كلامه قائلًا: قد لا يكون الطبق نظيفًا، كالأطباق التي كنت تأكلين بها في القصر، ولكن عليك أن تتعودي على مثل هذا الطبق، فأنت منذ الآن لن تعيشي في القصور، وإنما في الأهوار، وللأهوار مصاعبها، ولكن لا أجمل منها، وسترين ذلك بنفسك يومًا بعد يوم. وصمت هاديم مرة أخرى، ونظر إلى الطبق والسمكة المشوية التي فيه، ثم حدق في الأميرة وقال بصوته البشع: ربما لن تأكلي هذه السمكة الآن، ولكنك ستأكلينها، حتى إذا بردت، وحين يشتد بك الجوع»[16].
في هذا النص تتشكل المرجعيات المكانية على نحوٍ تصارعي، فتكشف عن بعض القيم التربوية/ المكانية التي تعالج صراعًا طبقيًّا تحفل به الأسطورة، فشخصية الوحش هاديم القادمة من أعماق الأهوار الواقعة في جنوب العراق تحيل إلى واقعة ثقافية تصارعية، فطبيعة سكان الأهوار تتكشف عبر ثقافة المكان وشخصياته، ونلمح في هذه الرواية الطبيعة التضادية ما بين بعض الأمكنة داخل المتن الروائي، فالوعي الروائي يميط اللثام عن القيم المكانية عبر حركة الشخصيات وأبعادها النفسية والاجتماعية والمادية، كما يتكشف المكان الهامشي (الأهوار) عن طبيعة الطعام وتدرجاته.
فشخصية (هاديم) تنقل طبيعة المكان بوصفه بنية ثقافية تُمارَس من قبل الشخصية الشريرة دون تكلف، ولعل شخصية (هاديم) الرئيسة في هذه الرواية تنقل لنا الطبيعة الشريرة على نحوٍ منطقي يتسق مع مستويات ما فوق الواقع، وهذا يخلق ضربًا من القبول بالنسبة للفتيان؛ وذلك لأنهم في هذه المرحلة العمرية يحبون هذه الخوارق التي تكسر رتابة الواقع وحدوده، ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الرواية تعمل على المكان بصورة تقاطبية، فتظهر الفروق الحضارية ما بين المدينة الحاضرة، وما بين المجتمعات البدائية الحافة بالمدينة، وهذا يدخل في الصياغة الثقافية المشكلة للمرجعيات التي ينهض بها المكان، بوصفه بنية ثقافية إحالية خارج-نصية ملتبسة بالتاريخ والأحداث.
2- المرجعيات الأسطورية
تمثل العوالم السحرية والغرائبية والأفعال الخارقة للمنطق السببي التتابعي جوهرًا مهمًا من جواهر الاشتغال الأدبي الخاص بالفتيان، فأدب الأطفال بعامة يميل إلى تقديم صورة مغرية بالقوة والمثالية؛ ليجذب هذه الفئات العمرية المستهدفة بالكتابة؛ لهذا نجد أن روايات الفتيان تهتم بهذا الجانب الخارق والسحري، وإذا كان يوجد حضور يُعد مرجعية ثقافية يمكن الإمساك بها وتحديدها، فإنها المرجعيات الأسطورية الدينية التي تظهر بصورة جلية، وتمثل ظاهرة في روايات طلال حسن.
فالشخصيات الأسطورية تقع ما بين البشر والآلهة، وتتمتع بأسماء ذات إيقاع شعري، فالأساطير هي «مركَّب من القصص، بعضها حقائق دون أدنى ريب، وبعضها الآخر خيال، التي يعدها الناس، لأسباب مختلفة، مظاهر للمعنى الداخلي لعالم الحياة البشرية»[17].
وثمة من يرى بأن الأسطورة هي «التي تسرد عملية الانتقال من مرحلة العماء والسكون واللاتشكل والفوضى إلى مرحلة الكون، أو المكان الأول (السماء – الأرض)، بفعل قوى نشطة دينامية فعالة هي من دون شك القوى الإلهية الخالقة»([18]).
وعلى الرغم من تنوع الحدود المفهومية للأسطورة وتجلياتها، فإنها تمثل جوهرًا وركنًا في المشغل الروائي لطلال حسن، فثمة توظيف وامتصاص للأساطير، لا سيما الرافدينية الدينية منها، وهي تمثِّل بنية ثقافية محورية على المستوى الدلالي، يرتكز النص عليها، ومرجعًا ثقافيًا واضحًا ومهيمنًا في روايات الفتيان، ذلك أنها تحاكي الميولات الحديثة للأطفال، وتنسجم مع التحولات الرقمية وصناعة المحتوى الصوري الكارتوني الخاص بالأطفال.
في رواية «إله الدمار» تحضر شخصيات أسطورية بصورة شبه كاملة، إذ تحضر أغلب الآلهة الرافدينية وهي ترتبط بأماكن ذات طبيعة دينية، تسعى إلى تقديم تصورات بدئية عن الحياة والكون والخلق، وهي بهذا تنقل صورة لطفولة العقل البشري على المستوى التعاقبي، فطبيعة الشخصيات في هذه الرواية تعمل بوصفها قوة خارقة للانتظام السببي المنطقي، صحبةً البشر، وقد حفلت هذه الرواية بشخصيات أسطورية وبشرية وحيوانية، ونجد أن بعض الشخصيات الإلهية الأسطورية تقع ما بين عالم الإنسان والحيوان، وهي أنصاف آلهة مثل شخصية الـ(أنوناكي) و(نرجال) و(ملك العالم السفلي).
«جاء إله من الأنوناكي، وقال له: أيها المستشار إيشوم، الإله نرجال أرسلني في طلبك، ونظر إيشوم إليه، متسائلًا بنظراته المستفهمة، فقال: الآن تعال معي وستعرف كل شيء. وفي داخله، قال إيشوم، وهو يسير إلى جانب إله الأنوناكي: جاء هذا الأمر في حينه، كأن الإله نرجال عرف بأنني أريد لقاءه»[19].
تشير عتبة العنوان إلى حقبة تاريخية قادمة من عصر الأسطورة، فطبيعة الشخصيات الروائية في روايات طلال حسن تتخذ على نحوٍ مباشر من أسماء الآلهة في الأساطير الرافدينية مسميات مباشرة لشخصياتها، كذلك تعمل رواياته على المستوى الثقافي المعرفي على إعادة بناء الأحداث ذات الطبيعة الأسطورية، وهذا يجعل من الأساطير، لا سيما الرافدينية منها، مرجعًا ثقافيًا ومكونًا فنيًا لبناء النص الروائي الخاص بالأطفال، ورواية إله الدمار تتخذ من الشخصيات الأسطورية الرافدينية بنية ثقافية وجمالية يتآزر فيها الأسطوري والتاريخي، فعنوان النص كعتبة يسحب النص الروائي إلى حيزٍ أسطوريٍّ مشوق.
فشخصية الـ(أنوناكي) تظهر بوصفها شخصية رئيسة، صحبة فواعل سردية أخرى، ومعلوم أن الأنوناكي من الأساطير التكوينية الأساسية في المحكيات السومرية بخاصة، وفي الجغرافيا الحضارية والثقافية للحضارة الرافدينية بعامة، فتعميق النص الروائي بهذه الشخصيات التي تحيل بصورة مباشرة إلى اسم من أسماء الآلهة، يحيل النص ومرجعياته إلى بعد أسطوري يشتغل عمقيًا في المتن الروائي، وثمة شخصيات أخرى تحمل وتحيل إلى شخصيات أسطورية أخرى تقع ما بين البشر والآلهة؛ وذلك بسبب طبيعة تكوينها الشكلي وقدرتها الخارقة.
وهذه الشخصيات الأسطورية في رواية إله الدمار ترتبط مكانيًا وثقافيًا بالأساطير التكوينية السومرية الرافدينية، ومنها شخصية الإله (نرجال) والإله (أيشوم). وإذا كان لا بد من تفكيك الغائية المرجعية لحضور الأسطورة الدينية في روايات الفتيان، فإنها تتحدد بحسب رؤية الفواعل السردية بصورة إجمالية.
ويبدو أن الروائي هنا يعمد إلى تقديم هذا البعد التكويني الحضاري لبلاد ما بين النهرين، وكيف يمكن تحرير القراءة الخاصة بالأساطير من جديد، واكتشاف طفولة الوعي البشري الذي كان، في مرحلة معينة، يجعل من الأساطير التكوينية مقدسة بفعل عتاقتها وعاداتها السحرية، كذلك بسبب طبيعة كونها نصوصًا تأسيسية رافقت الإنسان، فالعقلية الطفولية تميل إلى مثل هذه الخروق للانتظام السببي لحدوث الأشياء.
في رواية (انزو وحش جبل خيخي) نجد حضورًا مرجعيًا للأسطورة بصورة مباشرة: «عُقد مجلس الآلهة، في مقره المقدس، في أعالي السماء، برئاسة الإله العظيم آنو، حضره جميع الآلهة، وقد استبد بهم الشعور بالضعف والذلة، بعد أن جردهم الإله المجنح أنزو، باختطافه للوحة الأقدار، من قواهم وجميع صلاحياتهم»[20].
في هذه الرواية نلمح حضورًا أسطوريًا مباشرًا لقصة الخلق البابلية، التي تتعلق بسرقة لوح الأقدار من قبل الإله أنزو، وتذهب الأسطورة في قصة الخلق البابلية إلى أن من يملك لوح الأقدار يتحكم بالكون، والنص الروائي بكليته هنا يتوجه إلى الفتيان بمجموعة من القيم الأخلاقية التي تنطلق من مفهوم الحفاظ على الأمانة، والتضحية، والشجاعة، من أجل المجموع.
فثمة امتصاص للقيم الأخلاقية التي تحملها القصة الأسطورية الضاربة في القدم، ويمكن تلمس البناء القيمي المرجعي الذي يمتح تشكلاته من أسطورة الخلق البابلية، فالنص الروائي يستدعي تفاصيل أسطورية، ويعيد تركيبها على نحو يتساوق مع الوعي الطفولي الخاص بالفتيان، فالمرجعية الناظمة لهذا النص تجنح نحو الشعائر الأسطورية، وتتخذ منها مادة لتشييد معمار روائي، يتشكل من بنيتين تتخادمان على المستوى العمقي، بنية ثقافية وبنية فنية، فالتخادم قائم على أساس التآزر النسيجي ما بين الجانب الثقافي/ القيمي والجانب الفني/ الجمالي.
في رواية (عدو البشر) نجد حضورًا شريرًا قادمًا من أساطير التكوين الرافدينية، التي تكشف عن تحول ما بين الآلهة والإنسان، فالرواية تتناص بصورة مباشرة مع الأساطير، كما في حكاية غضب الإله أنليل من البشر:
«رد الإله إنليل قائلًا: إنني أريد أن أنام، أريد أن أرتاح، وهذا لن يكون ما دام البشر يتزايدون، ويزداد ضجيجهم في كل مكان. ولاذ الآلهة العظام بالصمت، فإنَّ إنليل هو سيد الآلهة، وهم لا يريدون إغضابه، فتابع إنليل قائلًا: لقد رُفع عن البشر الوباء والطاعون، الذي كان يحصدهم، ويكاد يقضي على ضجيجهم، وها هم يعودون إلى ما كانوا عليه، لكن هيهات. وقال أحد الآلهة وسط صمت الآخرين من الآلهة: البشر، ذوو الرؤوس السوداء، أبناؤك، ولك أن تفعل بهم ما تشاء. ونظر إنليل إلى الآلهة العظام الصامتين وقال: اقطعوا عنهم الأرزاق كلها، وليحبس الإله أدد الأمطار عن الأرض، ولتهب عليهم الريح الحارة اللافحة، حتى تتحمص الأرض، وتتبدد راحة البشر وسعادتهم كما يتبدد الدخان في السماء»[21].
في هذا النص الروائي يذهب طلال حسن إلى قلب وجوهر الأسطورة الرافدينية؛ لأنه يعيد صياغة الأسطورة بقالب فني مباشر، ينسجم مع ذهنية الفتيان، ويعيد سرد أسطورة الإله إنليل الذي حرمه تزايد البشر من النوم. إن الأسطورة في الأصل شكل كتابي أدبي، وحين تدخل في نص أدبي فإن تشكيلها البلاغي يتضاعف، ليتحول إلى نص مركب من بلاغة أصيلة تاريخية، وبلاغة مضافة مجلوبة من طبيعة الجنس الكتابي الحديث، فطلال حسن يذهب إلى إعادة صياغة الأبعاد الحكائية المتعلقة بالإله إنليل وقصة غضبه من البشر، ورغبته في محو هذا الجنس الذي يتكاثر بسرعة، بعد أن رُفعت عنهم الأمراض والأوبئة.
هذه الحكاية الأسطورية الرافدينية تقع في قلب البناء الأسطوري التكويني لوادي الرافدين، وتوظيفها في نص روائي لتكون بنية مهيمنة في النص يحيل الرواية إلى مرجعيات أسطورية، والمرجعية الأسطورية هنا تعمل عمقيًا في المستوى الدلالي، ولكنها في الوقت نفسه قابلة للامتصاص والتحويل، لتظهر بصياغات تعليمية ومتعية مغايرة تنسجم مع روح العصر، وعمل المخيلة التي تروم إعادة تركيب وقائع حياة ماضوية، أو تقيم نوعًا من التوازي مع الراهن، وهي بهذا تتحول إلى مرجعيات تاريخية فنية ذات نزعة أسطورية مباشرة.
ولا بد من الإشارة أيضًا إلى أن غالبية روايات طلال حسن الخاصة بالفتيان تهتم وتركز على الأساطير ذات المحتوى الديني الذي يتعلق بالبعث، والموت، والآلهة، والطوفان، ونشأة الكون، والحياة، وانفصال السماء عن الأرض، وهذه الأساطير، في كثرتها داخل نصوص طلال حسن، تمثل مرجعًا ثقافيًا مهمته تعليمية ومنح المخيلة الطفولية ضربًا من الحياة التخييلية التي يمكن للبنية العقلية المعرفية المعاصرة أن تكون قد جففتها.
كذلك يمكن رصد أن كثرة التوظيف الأسطوري في روايات طلال حسن للأساطير الدينية هدفه تقديم محتوى ديني أسطوري قد خففت حمولاته الرمزية، وتحول إلى معطى دنيوي يمكن تفكيكه وفهمه، وهو بهذا ينقل الأسطورة الدينية من بعدها المقدس، ويمنحها طابعًا دنيويًا قابلًا للتأويل والإفادة من ممكناتها التخييلية وسحريتها وغرائبيتها.

الخاتمة
- تسعى روايات الأطفال الحديثة بعامة، وروايات الفتيان بخاصة، إلى تقديم محتوى متعي/ ثقافي يواكب التحولات الفنية المتعلقة بصناعة ميديا الأطفال الراهنة.
- إن روايات الفتيان قائمة على أبعاد تربوية، ومتعية، وتعليمية، وهذه الأبعاد والأركان تمثل مرجعية ثقافية للمتن الروائي الطفولي.
- يحضر المكان الحضاري في روايات طلال حسن بوصفه مرجعية ثقافية واقعية يتشكل منها النص، فيتمظهر المكان بوصفه رافعة حضارية وتاريخًا، يعاد تركيب الوقائع فيه عبر الشخصيات وتسمياتها وصفاتها المكونة للتاريخ الرافديني.
- يذهب الوعي الروائي إلى تفصيل الحدود المكانية وإبراز معالمها الحضارية، لا سيما إذا كانت حضارية ضاربة في القدم والتأثير، فحضور مدينة بابل، وآشور، ونيبور، ليس حضورًا تزيينيًا أو إرغاميًا من أجل بناء فني يتعلق ببنية النص وتركيب الحدث، إنما هو حضور مرجعي يمثل حجر زاوية ثقافيًا، فالنص يذهب إلى عرض المكان مفيدًا من إعادة تركيب الوقائع التاريخية والأسطورية.
- تهتم روايات طلال حسن وتركز على الأساطير ذات المحتوى الديني الذي يتعلق بالبعث، والموت، والآلهة، والطوفان، ونشأة الكون، والحياة، وانفصال السماء عن الأرض، وهذه الأساطير، في كثرتها داخل نصوصه، تمثل مرجعًا ثقافيًا/ متعيًا مهمته تعليمية ومنح المخيلة الطفولية ضربًا من الحياة التخييلية، التي قد تكون معرَّضة للجفاف بسبب النزعة العقلية السائدة في المدرسة والمجتمع بعامة.
- إن كثرة التوظيف الأسطوري في روايات طلال حسن للأساطير الدينية هدفه تقديم محتوى ديني أسطوري قد خففت حمولاته الرمزية، وتحول إلى معطى دنيوي يمكن تفكيكه وفهمه، وهو بهذا ينقل الأسطورة الدينية من بعدها المقدس، ويمنحها طابعًا دنيويًا قابلًا للتأويل والإفادة من ممكناتها التخييلية وسحريتها وغرائبيتها.
المصادر والمراجع
- إنشائية الرواية العربية الحديثة، محمد الباردي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، سورية-دمشق، ط1، 2001.
- تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، يمنى العيد، دار الفارابي، بيروت – لبنان، ط1، 1990.
- الثقافة «دراسة في علم الاجتماع الثقافي»، حسين عبد الحميد أحمد رشوان، مؤسسة الشباب الجامعية، الإسكندرية – مصر، ط1، 2006.
- الدراجة الطائرة: روايات قصيرة للفتيان، طلال حسن، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ط1، 2021.
- الرواية الإسلامية المعاصرة، حلمي محمد القاعود، القاهرة – مصر، دار الإيمان، ط1، 2008.
- الرواية العربية وتعدد المرجعيات الثقافية، عبد الله إبراهيم، بحث ضمن كتاب: الرواية العربية، ممكنات السرد، أعمال الندوة الرئيسة لمهرجان القرين الثقافي الحادي عشر (2004)، ج(2)، الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط1، 2008.
- السردية العربية الحديثة، عبد الله إبراهيم، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، ط1، 2003.
- قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص، رشيد بن مالك، الناشر: أحمد الماضي، دار الحكمة، تونس، ط1، 2000.
- المرجعيات الثقافية بين المفهوم والتوظيف، حكيمة سبيعي وهولي بوزياني خولة، مجلة البحوث والدراسات، المجلد (16)، العدد (20)، صيف 2019.
- مرجعيات بناء النص الروائي، عبد الرحمن التمارة، دار ورد للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، ط1، 2013.
- مشكلة المكان الفني، يوري لوتمان، ترجمة: سيزا قاسم دراز، بحث ضمن كتاب «جماليات المكان»، مجموعة من الباحثين، عيون المقالات، دار قرطبة، الدار البيضاء، ط2، 1988.
- معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعيد علوش، دار الكتاب اللبناني، بيروت – لبنان، ط1، 1985م.
- المكان الأول في الأسطورة، عواد علي، مجلة عمان الثقافية، العدد (43)، كانون الثاني 1999.
- النقد الروائي والأيديولوجيا: من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي، حميد لحمداني، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، ط1، 1990
[1] معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعيد علوش، دار الكتاب اللبناني، بيروت – لبنان، ط1، 1985م: 97.
[2] قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص، رشيد بن مالك، الناشر ، أحمد الماضي دار الحكمة، تونس ط1، 2000،: 152 – 153.
[3] مرجعيات بناء النص الروائي، عبد الرحمن التمارة، دار ورد للنشر والتوزيع، عمان- الأردن،ط1، 2013: 52 .
[4] تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، يمنى العيد، دار الفارابي، بيروت – لبنان،ط1، 1990: 17.
[5] الثقافة (دراسة في علم الاجتماع الثقافي)، حسين عبدالحميد أحمد رشوان، مؤسسة شباب الجامعية، الإسكندرية – مصر، ط1، 2006: 8.
[6] المرجعيات الثقافية بين المفهوم والتوظيف، حكيمة سبيعي و هولي بوزياني خولة، مجلة البحوث والدراسات المجلد (16) العدد (20) صيف 2019 : 257.
[7] الرواية الإسلامية المعاصرة، حلمي محمد القاعود، مصر القاهرة- دار الايمان ،ط1، 2008: 13.
[8] النقد الروائي والأيديولوجيا: من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي، حميد لحمداني، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، ط1، 1990.
[9] الرواية العربية وتعدد المرجعيات الثقافية، عبد الله إبراهيم، بحث ضمن كتاب: الرواية العربية، ممكنات السرد، أعمال الندوة الرئيسة لمهرجان القرين الثقافي الحادي عشر (2004) ج(2)، الناشر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط1، 2008 : 11.
[10] السردية العربية الحديثة، عبدالله ابراهيم، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء ط1،2003: 50
[11] مشكلة المكان الفني، يوري لوتمان، ترجمة: سيزا قاسم دراز، بحث ضمن كتاب جماليات المكان، مجموعة من الباحثين، عيون المقالات، دار قرطبة الدار البيضاء، ط2، 1988: 63.
[12] إنشائية الرواية العربية الحديثة، محمد الباردي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، سورية-دمشق،ط1،2000 : 58.
[13] انزو وحش جبل خيخي، الدراجة الطائرة روايات قصيرة للفتيان، طلال حسن، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق،ط1، 2021: 53.
[14] إله الدمار، الدراجة الطائرة، روايات قصيرة للفتيان، طلال حسن: 81
[15] إله الدمار، الدراجة الطائرة روايات قصيرة للفتيان، طلال حسن: 91
[16] قمر من سماء عالية، الدراجة الطائرة، روايات قصيرة للفتيان، طلال حسن: 144- 145
[17] المكان الأول في الأسطورة، عواد علي، مجلة عمان الثقافية، العدد(43)، كانون الثاني 1999: 73.
[18] المصدر نفسه: 73.
[19] إله الدمار، الدراجة الطائرة روايات قصيرة للفتيان، طلال حسن: 84-85.
[20] انزو وحش جبل خيخي، الدراجة الطائرة، روايات قصيرة للفتيان، طلال حسن: 66.
[21] عدو البشر، الدراجة الطائرة روايات قصيرة للفتيان، طلال حسن: 35.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.