رحلة في عمق الذات بين الواقع والخيال

تعبر هذه الذكريات، والماضي يمر من أمامي مودِّعًا لي، خلته يمازحني. لكن هل الوقت لعب مرة لمصلحتنا؟!

في البداية تمالكني شعور بالأمان تارة، ثم اختفى تارةً أخرى.

هل شعرت بالخوف حينها، أو شعر بي الخوف؟

سؤالي عُلِق في الهواء ثم تبخَّر، ولم يبقَ له أثر.

لكني أحببت معرفة لمرةٍ أجوبة عن أسئلتي الغامضة.

أحدها كان: «هل الوجود يدور حولنا أم إننا ندور حول الوجود؟»

هل عليَّ ترك أسئلتي معلَّقة، أو تتبخَّر أمام عيني بلا جدوى، أم عليَّ البحث عمَّا يدور في ذلك الجحر المظلم المسمَّى بالعقل البشري؟

أحتسي قهوتي في المقهى، جالسًا مقابلًا للنافذة، أُتأمل ذرَّات الغبار وهي تتمايل بسعادة، بعد تحرُّرها من سجن الأرض لتنعم بهذه الحرية لبضع ثوانٍ. فالجاذبية المميزة لكوكب الأرض تمنعها من التّطاير مدة أطول.

تشبهها الطيور، فإنها لا تستطيع أن تبقى محلّقة طول حياتها كلها، فلا بد أن تأخذ إجازة على الأرض هنيهة، ثم تُكمل حياتها الروتينية المملة كما نراها.

لكن لها، فحياتها تعجُّ بالمغامرات الممتعة، كهروبها من المفترسين تارة، وتارة أخرى من الصياد. تظن نفسها أنها على وشك الموت، لكن الحظ يلعب دوره ويخلق لها صدفة لتُكملْ حياتها وتموت يومًا آخر.

وتقفز لذاكرتي حادثة كالسراب، عدتُ بمخيِّلتي إلى مكان اللقاء. أعلم، كانت صدفة جميلة حينها، وهذه الذكرى العجيبة تتدفَّق أحداثها كتدفّق الشلالْ.

كان المطر متساقطًا بغزارة، وقطراته تهطل وتلعب مع نسمات الريح بسعادة. الأشجار تتمايل بخفة كأنَّ هبوب الريح يداعبها، وتساقط قطرات المطر عليها جعلها تبدو كشجرة زينة عيد الميلاد، متلألئة وبديعة المنظر، أوحى للوحة جمال للذكرى.

للأسف، بأدوات تعديل الصور لا تستطيع إعادة المشهد كما حدث في الحقيقة.

استيقظت من غفوتي الفكرية بصوت النادل اللطيف، يوقظني من خوفه أن أغرق ببحر الذكريات التي مرَّت عليَّ. أصبح صديقي المفضل حين خانتني الذاكرة وذهبت إلى مقهاهم.

كان شابًا في الخامسة والعشرين من العمر، يعمل ليلًا نهارًا ليرضي حبيبته، على الرغم من أنه حاصل على شهادة جامعية جيدة، فإنه لم يجد وظيفة مناسبة ليشغلها.

تركني بعد إيقاظي، وجلب لي بعض الحلوى التي أحبُّها، وجلس بجانبي، وتبادلنا أطراف الحديث كعادتنا. يشكو إليَّ همَّه الثقيل.. نعم، كان ثقيلًا، لأنه حتى الآن لم يجلب لها خاتم الخطوبة.

الشباب في جيلنا هذا يتعبون كثيرًا من أجل لقمة عيشهم، وهو يسعى جاهدًا ليتقدَّم لها. قصة حبهم دامت أربع سنين تقريبًا. التقيا عند بحيرة خلَّابة مستقطبة من قبل السيُّاح، ترى فيها العجائز جالسين يستعيدون ذكريات شبابهم هناك.

البحيرة لُقِّبت ببحيرة العشّاق. يلتقون صدفةً، وصدفة بعد صدفة يصبحون في شباك الهوى، وهنا يلعب الحظ دوره، إما أن يُكملوا الدرب سويًّا، وإما أن تخونهم الأقدار ويفترقوا.

لكن لم يحدث هذا من قبل في هذه البحيرة، هذا ما قد سمعته.

أواسي قلبه الحزين من جعبتي الكبيرة، نحتسي القهوة ونأكل الحلوى، ثم أتت حبيبته، جلست بيننا، ومن ثمّ عانقتني.

قد أصبحنا صديقتين بعد شجار قوي، رأيتُ أنها فتاة لطيفة، وافتعلت ذلك الشجار ظنًّا منها أن حبيبها يخونها معي. جلسنا سويًّا ننظر إلى الشاشات الصغيرة، أعني بها الجوال.

أداةٌ صغيرة تأسر أدمغتنا وأدمغة الجيل الجديد، فتربطنا التكنولوجيا بها بقيود قوية. فهي تُغرينا بكل جديد.

لا أنكر أنها جيدة، لكن للعملة وجهان، والرابط بينهما شديد.

قفزت الفتاة من جانبي وكأن الحياة أقصر ممّا نظن، فتبشّر حبيبها بأنه أصبح لشقيقتها طفل جميل. فنظر لها مطولًا بابتسامة لسعادتها، ثم سرقت منه الأفكار المنطقية تلك البهجة.

قرأتُ ما جال برأسه، يعلم كم تحب الأطفال، لكنه يفشل مجددًا لخلق صدفة لتجعلهما معًا.

«الحب: شيء جميل للكفاح لأجله كما الحياة».

يجعلك تقاوم من أجله، وتضع كل ما تملك من خدع من أجل اغتنامه. الحب يسكن الروح دون إيجار.

ههههه، أعلم أنكم منسجمون، آسفة...

أما كيفية الوقوع في الحب، فحتى الآن لم أستطع التعرف عليها. أكانت من النظرة الأولى؟ أو من اللقاء الأول؟ أم هي مجرَّد هرمونات تُفرز بالصدفة لتصنع معجزة ما يُسمّى بالحب؟

وإن كان ما يُسمَّى بالحب مالكي، فسأرضخ به يا مولاي، فإنه مُقدَّر لا مفر.

جمال الحب في بدايته ونهايته ومنتصفه، والحب ليس للحبيب الأول فحسب، فحالما وجدتَ بديلًا له بعد الترك، يصبح ذكرى لا تُذكر.

أضعتُ قلبي عنده، ومن ثمّ وجدته عند غيره. لم أعلم ما وجه التوافق بينهما، وبمحض الصدفة رأيتُ تشابهًا في الملامح، شعرتُ عندها أن الروح التي أحببتُها بداخله ظهرت للآخر.

أكانت صدفة فحسب؟

نعم، ويا لها من صدفة بهية.

وأكمل شريط ذاكرتي عند مقاطعتها من قبل أمي، بنظرها إلى عيني.

لطالما سُحرتُ بعينيها الملائكيتين الساحرتين. تشدّني من كنزتي الوردية كطفلة في السابعة تريد حلوىها، فطلبتْ مني أن أسقي زهور قلبها الغالية.

كانت تسقيهن كما تسقي أولادها بعناية حتى البلوغ، وعلى الرغم ذلك تبقى قلقة حيالنا، إنه قلب الأم.. حنون وطريّ كالحلوى الهلامية.

ومن ذبلة عيناك كتبتُ أعظم كتاباتي.

فالزهور إن أهملتها ذبلت، وأحيانًا، على الرغم من الاعتناء بها، تذبل، إما العطاء المقدم لها لم يكفها، أو أهملنا جانبًا من العطاء لم نقدِّمه لها.

وفي معظم الأحيان، تكون الأمور النفسية والمحيطية تمنعها من النمو، فدائمًا عليك البقاء بقربها لتعلم ما يضايقها.

إنه للأمر البسيط أن تقرأ هذه المعلومات، لكنك لا تستطيع تنفيذها كما يجب.

أحبّها كما لم يحبها شخص، فلعلك الشخص الغني لامتلاك قلبها.

فإن أصبحتَ لديك، فلتسقِ قلبها باللطف لتزهر حياتك معها.

هذا ما تعلمناه من الأمهات، يعطين العطاء بوفرة، لعلمهن أنهن سيتلقَّينه فيما بعد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة
بقلم نجل الدين علي صالح البازلي
بقلم امجد احمد عطيه العجارمه
بقلم محمد ابراهيم عباده
بقلم بسمة رمضان السيد
بقلم سماح منذر حلاق
بقلم أمير رمضان إسماعيل