المراهقة رحلة التغيرات العاطفية والاجتماعية نحو النضج والاستقلال

المراهقة تلك المرحلة من حياتنا التي تشهد تغيرات اجتماعية وعاطفية عدة، يبدأ فيها المراهقون والمراهقات بتكوين هويتهم الخاصة بهم، وتنمو لديهم الاستقلالية والاعتماد على النفس والرغبة في اختبار قدراتهم، حينئذ تبرز أهمية العلاقات الاجتماعية والعاطفية بين الآباء والأبناء التي تُعد ركيزة أساسية في دعم نمو المراهقين والمراهقات.

في هذا المقال نستعرض أبرز مظاهر التغيرات الاجتماعية في مرحلة المراهقة، تابعوا معنا.

الهوية.. من أنا؟

يشير مصطلح الهوية عند المراهق إلى إحساسه بذاته: من هو؟ وماذا يريد أن يكون في المستقبل؟ وما اهتماماته في الحياة؟ لذلك يمكنك أن تلاحظ بوضوح أن طفلك بدأ تجربة أشياء جديدة بالنسبة له مثل الأزياء والملابس، وقصَّات الشعر الجديدة، وتكوين الصداقات وغيرها.

يشير مصطلح الهوية عند المراهق إلى إحساسه بذاته: من هو؟ وماذا يريد أن يكون في المستقبل؟ وما اهتماماته؟

الهوية لدى المراهق تتخذ صورًا وأنماطًا، منها الهوية الشخصية التي يرى المراهق نفسه فيها، إلى جانب الهوية الاجتماعية من ناحية دوره في المجتمع، وعلاقاته بالأفراد المحيطين به، وبانتمائه إلى جماعة معينة سواء في المدرسة أو النادي. كذلك توجد هوية ثقافية ودينية ترتبط بمعتقداته وأفكاره وعاداته وتقاليده التي يتشربها من البيئة التي يعيش فيها.

وأخيرًا، يُطلَق على أحد أنماط الهوية اسم «الهوية المهنية»: ما المهنة أو الوظيفة التي يرغب المراهق في تحقيقها عندما يكبر؟ على سبيل المثال، الطفل الذي يحب إصلاح الأجهزة الكهربائية يبدأ في التفكير أن يصبح مهندسًا. الطفلة التي ترى نفسها في ارتداء الحجاب تأسّيًا بالأم أو بنموذج مُحَبَّب لديها، تشعر بالتزامها بالحجاب بعدِّه تعبيرًا عن هويتها الدينية، وهكذا.

الهوية أمر في منتهى الأهمية بالنسبة للمراهق؛ فهي أشبه ببصمة الصوت والإصبع الخاصة به التي لا يمكن أن تتشابه مع أحد غيره، ومن ثم تؤثر على شخصيته وقراراته واختياراته حتى علاقاته بالمحيطين به.

الاستقلالية.. أولى خطوات الاعتماد على النفس

من المرجح أن يرغب طفلك الذي صار مراهقًا في الحصول على مزيد من الاستقلالية في أمور مثل كيفية تنقله وأين يذهب، وكيف يقضي وقته ومع مَن، وعلى ماذا ينفق ماله. كلما أصبح طفلك أكثر استقلالية زاد ذلك على الأرجح من تغيرات في روتينك الأسري وعلاقاتك، وكذلك في صداقاته.

والاستقلالية ببساطة تعني قدرة المراهق على اتخاذ القرار بنفسه، وتحمل مسؤولية أفعاله واختياراته، وتقليل اعتماده على والديه في إشباع حاجاته. دون شك، هذه خطوة ضرورية يجب على الوالدين تشجيع الطفل عليها منذ الصغر وبالتدرج وصولًا إلى مرحلة المراهقة. والآن اسأل نفسك: هل تسمح لطفلك أن يخطئ ليتعلم؟

الأمثلة هنا كثيرة، بدءًا من الاستقلالية العاطفية؛ كأن نترك المراهق يحل مشكلته مع صديقه دون تدخل، أو نترك له الفرصة في اختيار التخصص الذي يرغب به في المرحلة الثانوية حتى إن كان على نقيض رغبة الوالدين.

تعزيز الاستقلالية لدى المراهق أمر مهم وضروري، لأنه يعزز ثقته بنفسه، ويسهم في بناء شخصية قوية، ويعدّه مستقبلًا لتحمل مسؤوليات الحياة، من الضروري التفرقة بين الاستقلالية -وهذا أمر محمود يجب على الآباء والأمهات تشجيعه لدى المراهق- وبين التمرد والعصيان والقطيعة مع الأهل، وهذا أمر مرفوض لا يجب التهاون معه.

المسؤولية.. ما بعد الحرية تبدأ الالتزامات

قد يرغب طفلك في تحمل المزيد من المسؤوليات سواء في المنزل أو في المدرسة؛ قد يشمل ذلك أمورًا مثل طهي العشاء مرة واحدة في الأسبوع، وهنا يتعين على الوالدين تشجيعه على تحمل مزيد من المسؤولية، كونها تنضجه أكثر وتجعله شخصًا فاعلًا في المجتمع الذي يعيش فيه.

قد يرغب طفلك في تحمل مزيد من المسؤوليات في المنزل ويشمل ذلك أمورًا كالمساعدة في الطهي

توجد المسؤولية الشخصية التي تتعلق بأمور النظافة الشخصية للطفل ومظهره والتزامه بالمواعيد والدراسة وغيرها، كأن يحرص المراهق على ضبط منبهه من أجل صلاة الفجر في وقتها. وتوجد أيضًا المسؤولية الدراسية، تتعلق بأداء الواجبات الدراسية ومذاكرة الدروس أولًا بأول واحترام معلميه؛ انظر لهذا المراهق الذي يضع لنفسه جدولًا للمذاكرة منذ اليوم الأول للدراسة لرغبته في عدم إضاعة الوقت والاستفادة القصوى لتحقيق ترتيب متقدم بين الأوائل على المدرسة.

للمراهق مسؤولية داخل أسرته وعائلته تتمثل في المساعدة في شؤون البيت ومساعدة إخوته الصغار، كأن يشارك المراهق في إعداد وتجهيز الطعام أو مساعدة إخوته الصغار في ترتيب أشيائهم أو شرح بعض الدروس لهم، وتوجد مسؤولية اجتماعية تتمثل في الانضباط واحترام القواعد والقوانين وعدم تجاوزها أو انتهاكها. هذه المسؤولية تنبع من مسؤولية أخلاقية يكون عندها المراهق قادرًا على التمييز بين الصواب والخطأ وقول الحقيقة.

تجارب جديدة.. المراهق فضولي بالفطرة

من المرجح أن يبحث طفلك عن تجارب جديدة، بما في ذلك التجارب المحفوفة بالمخاطر، رغبة منه في استكشاف البيئة من حوله واكتشاف ذاته واختبار قدراته وتوسيع دائرة معارفه.

والسؤال: لماذا يبحث المراهق عن خوض تجارب جديدة؟ والجواب، ببساطة، لإثبات استقلاليته، وإشباع فضوله الطبيعي، والتغلب على الروتين اليومي، مثل الميل إلى السفر والمغامرة، كأن يقرر المراهق المشاركة في معسكر شبابي في الصيف، ومن ثم يخوض تجربة المبيت خارج البيت ـ ربما للمرة الأولى في حياته.

قد تكون التجربة الجديدة في تكوين علاقات صداقة جديدة، يتعرف فيها على أصدقاء جدد. وقد تكون التجربة الجديدة هواية أو رياضة معينة؛ فقد ينجذب المراهق إلى الرسم والتلوين أو إلى احتراف كرة القدم. أحيانًا يرغب المراهق في تجربة أنواع جديدة من الطعام أو ارتداء زيٍّ معين.

يمكن للوالدين تشجيع المراهق على ذلك بالاشتراك في ورش العمل، أو الأنشطة الشبابية والتطوعية، لا سيما أوقات الإجازات الطويلة، مع أهمية فتح النقاشات معهم والاستماع لأفكارهم.

القيم.. البوصلة التي تحدد الاتجاه

القيم هي مجموعة من المبادئ والمعتقدات التي يؤمن بها الشخص، وتكون الموجِّه والمؤثر في قراراته واختياراته. ببساطة، هي البوصلة التي تحدد له الصواب والخطأ. خلال مرحلة المراهقة، يعيد المراهق النظر في كثير من الأمور في ضوء منظومة القيم التي تتكون لديه.

فالصدق، والأمانة، والعدل، والإحسان، من القيم الأخلاقية التي يجب غرسها لدى الطفل، فتجد المراهق يرفض فكرة الغش في الامتحان، لأن قيمة الصدق لديه تمنعه من فعل مشين كهذا. ومن القيم الدينية، أن يحافظ المراهق على أداء الصلوات في أوقاتها، وأن يلتزم بورد يومي من القرآن الكريم، إيمانًا منه بأهمية ذلك في قربه من الخالق عزّ وجل.

منظومة القيم لدى المراهق تساعده على اتخاذ القرارات الصحيحة، وتعينه على مقاومة المغريات من حوله، وتكون الأساس في بناء شخصيته وهويته، بالإضافة إلى أنها تزيد من ثقته بنفسه. ولكي يدعم الآباء ذلك، يجب أن نعطي الحوار فرصة، لا الفرض والإجبار، وأن يكون الوالدان قدوة للأبناء في التحلي بالقيم النبيلة، مع احترام رغباته حتى وإن اختلفت أو تعارضت مع رغباتهم.

تأثيرات الأقران في حياة المراهق

قد يؤثر الأصدقاء والأقران على طفلك، وخاصةً في سلوكه، ومظهره، واهتماماته، وشعوره بذاته. والأقران، سواء كانوا في نفس المرحلة العمرية للطفل أم لا، فإنهم يمثِّلون مرجعية لا يمكن تجاهلها للمراهق أكثر من الأسرة نفسها.

يؤثر الأصدقاء والأقران  في طفلك خاصةً في سلوكه ومظهره واهتماماته وشعوره بذاته ويعدّهم مرجعية أساسية له

تنبع خطورة ودقة هذه المرحلة من تأثير هؤلاء الأصدقاء والأقران في المراهق، سلبًا أو إيجابًا، وتتطلب أبًا وأمًّا يقظين، لديهما الرغبة في تقديم الدعم العاطفي للطفل. من بين التأثيرات السلبية الشائعة لمجموعة الأصدقاء والأقران: تقليد السلوكيات الخاطئة كالتدخين، والغش، والسرقة، وارتداء الملابس البالية، وقصات الشعر الغريبة، وغيرها.

توجد تأثيرات أخرى إيجابية، منها: تحسين مهارات التواصل الاجتماعي، وتقديم الدعم العاطفي، خاصة عند الشعور بالوحدة أو الانعزال، ونلاحظ هنا أن الشاب أو الفتاة يبوح بما يقلقه لصديقه أو صديقته، دون الوالدين. أيضًا من التأثيرات الإيجابية لمجموعة الأصدقاء: التحفيز الأكاديمي، وخلق روح تنافسية في الدراسة أو الأنشطة المفيدة.

الهوية الجنسية.. مساحة آمنة للحوار

الهوية الجنسية تُعد جزءًا من الهوية الشخصية العامة، وتشير إلى إحساس المراهق بميوله العاطفية والجنسية، وانجذابه نحو الطرف الآخر، وتبدأ بالظهور والاستكشاف في مرحلة المراهقة.

يحتاج المراهق هنا إلى تفهم والديه، ومساحة آمنة من الحوار، تمكنه من التحدث دون السخرية أو التقليل منه، التي قد تؤدي إلى الكبت أو القلق والاكتئاب. تجاهل ما يحدث قد يجعل الطفل أمام خيارين أحلاهما مر: الأول اللجوء إلى الأقران. والثاني اللجوء إلى الإنترنت.

التغيرات العاطفية في مرحلة المراهقة

واحدة من أبرز السمات المميزة لمرحلة المراهقة هي التقلبات المزاجية، وذلك بسبب التغيرات الهرمونية، ونمو مناطق الدماغ المسؤولة عن المشاعر واتخاذ القرار، ورغبة الطفل في الاستقلالية، وزيادة وعيه بذاته.

كثيرًا ما يلاحظ الآباء والأمهات على الطفل أنه في بعض الأحيان قد يشعر بالسعادة الغامرة والحماسة، ثم فجأة وبدون مقدمات قد يبكي أو يصرخ دون سبب واضح.

بالإضافة إلى التقلبات المزاجية السريعة، يصبح المراهق أكثر حساسية لكلمات الآخرين، خصوصًا من الأهل والأصدقاء، وهو ما يفسر الخلافات والمشكلات التي تظهر بين الآباء والأمهات من جانب، والأبناء من جانب آخر خلال هذه المرحلة.

أيضًا، قد يشعر المراهق بالوحدة والانعزال، حتى وهو بين أصحابه وأقرانه، وكأنه غريب أو شخص غامض لهم، وهو ما يسبب له القلق والتوتر، وربما يدخله في موجة اكتئاب.

لذلك، يتعين على الآباء الاستماع دون إصدار أحكام، وإتاحة الفرصة له لكي يعبِّر عن نفسه دون تقليل أو استخفاف بمشاعره، وطمأنته أن مشاعره طبيعية، ويشعر بها كل من هو في مرحلته العمرية كجزء من التغيرات في هذه المرحلة.

العلاقات العائلية بين التباعد والتقارب

من أبرز التغيرات التي قد تلاحظها رغبة طفلك في قضاء وقت أطول مع أصدقائه وأقرانه، ووقت أقل مع عائلته. في الوقت نفسه، قد يبدو أنكما تتجادلان أكثر، هذا أمر طبيعي، إذ يسعى الأطفال إلى مزيد من الاستقلالية.

تتطلب تربية المراهقين كثيرًا من الصبر ما يجعلك أكثر قدرة على الاستماع والفهم ومنح طفلك الحب والدعم الذي يحتاج إليه

قد يكون من المفيد معرفة أن الخلافات عادةً ما تبلغ ذروتها في بداية مرحلة المراهقة، وأن هذه التغيرات تُظهر أن طفلك يتطور ليصبح شخصًا مستقلًا. حتى لو كنت تشعر بأنك تتجادل مع طفلك كثيرًا الآن، فمن غير المرجّح أن يؤثر ذلك في علاقتك به على المدى الطويل، لكن تعلَّم كيفية مساعدة طفلك على الهدوء وإدارة الخلافات.

تتطلب تربية الأبناء عمومًا، والمراهقين خصوصًا، كثيرًا من الصبر، ما يجعلك أكثر قدرة على الاستماع والفهم، والتعامل مع التحديات بهدوء، ومنح طفلك الحب والدعم الذي يحتاج إليه.

وأنتم أعزائي القراء من الآباء والأمهات، شاركونا آراءكم في التعليقات: ما أبرز التغيرات التي لاحظتموها على أبنائكم في مرحلة المراهقة؟ وكيف تعاملتم معها؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة