المرئية


بعد التمهيد الطويل الذي قامت به الرياح الخفية بأعاصيرها ودواماتها لخراب البيت ونجاحها في ذلك وجثومها فيه تُحدث أبشع جرائمها لتبقىَ واثبة هوجاء، وبتوجيه من الحاقدين المتربصين صنَّاعها.. اتجهوا نحو محاولة من نوع جديد وبنفس السلاح قسمهم الثاني (الرياح المرئية) والتي أُجِلَتْ طويلاً لنجاح وفتك الخفية في إخلال البيت.

ظهرت المرئية (مثلثان متداخلان) تسارعت وبان هدفها الجاهز المطبوخ لتسيطر عليه، ولتأخذ بثأر من اصطنعوها.

إنها رياح مرئية.. ينظر إليها كل من له عين، ويسمع حركتها كل من له أذن.. إنها طوابير – أفواج– بدأت مثل الخفية بدبيب لكنه سريع نحو البيت المخلخل الخاوي على عروشه، مجتمعة فيه من كل مستنقعات صنَّاعها، محملة بأعاصير ودوامات، تدمر أي شيء أمامها وتبتلع من يتصدى لها.. تعصف، تقصف، تفني، وتقتلع أشجار الزيتون.. متقلبة.. متناقصة تثور وتهدى لكنها لا تفقد قوة هيجانها وبأسها في عمل ما يملي عليها صانعوها.

اصطدمت بالبيت ودون عناء منها، أحدثت شرخاً كبيراً فيه شاهده من بداخله، فامتلأ رياحاً ملوثة كتمت الجو، وجعلت الطقس مخنوقاً لا يحتمله سكانه، وهم في تخبط وارتماء على جدرانه.

وبضرباتها القوية كانت السبب الرئيسي، لا لإيقاظ سكانه من عزلتهم، وتفككهم، ولا لتجميع قواهم ليتصدون لها، بل لشيء أبشع من فرقتهم في بيتهم بكثير.. هم في زكامهم الدائم التي سببته الرياح الخفية، فقد رسمت لهم الخيالات، والأطماع في عقولهم، وأدخلت المصطلحات –مملكة، دولة – في نفوسهم وغرست حب السيطرة والامتلاك في أفكارهم، فأفرخ هذا كله فيهم حب الانقسام، الانشطار والتفكك، ليس بداخل البيت فحسب بل في خارجه بالقرب منه.. فابتعد كل أب بأسرته، بعد أن انقسم الأخوة بين قاعدين وفارين متخليين عن البيت تاركين إخوانهم القاعدين يصارعون ويكابدون ويلات هيجان مرئيتهم المتسلطة الفاتكة بإخوانهم.. ليس إحساسهم العفوي بالواقع هو سبب ذلك، بل الرياح من فعلته وامتد فعلها إلى أن يعتدي الأخ على أخيه، وزادت مراوغة وأشكالاً ليكون الأخ المعتدي عليه متعاون مع صنَّاعها لحصار أخيه وسحق أهل بيته.

 

 

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

الله يهدي البال

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Nov 30, 2021 - زهراء علي
Nov 30, 2021 - احمد عبدالله على عبدالله
Nov 28, 2021 - هبة قطيش
Nov 27, 2021 - هاني ميلاد مامي
Nov 26, 2021 - Khadime mbacke
Nov 22, 2021 - مهند مجدي محمود الدهمشاوي
نبذة عن الكاتب