المرأة في التَّصوُّر الإسلامي


اخلق الله الإنسان على الأرض فأحسن خلقه وأبدع في صنعه في تلك الصورة الجميلة من البشريَّة، بل ميَّزه على سائر الكائنات، وجعله سيِّدا للكائنات جميعها، يقودها ويحركها ويسيِّرها وينتفع بها، بل أن الله سبحانه وتعالى جعله خليفته على الأرض ليسوسها ويعمرها بفكره وجهده فقد قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿30﴾ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤلاء إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿31﴾ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).             

ومن مظاهر التَّكريم الإلهي للإنسان أنه اختصه وميَّزه بنعم كثيرة من أهمها العقل الَّذي به يتعلم، ويصنع، ويرتقي، ويتطور، ومن جملة تكريمه للإنسان أن منحه الله شريكاً في الحياة، وهي المرأة (الزَّوجة، والحبيبة، والأم، والابنة، والأخت، والشقيقة)، وجعل لها كياناً خاصاً محمياً بقوانين وتعاليم إسلامية، بل وبتقاليد وعادات بشرية، فكانت المرأة هي الثانية في ترتيب الخلق الإلهي للبشرية، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).             

وقد اهتم الإسلام بالمرأة اهتماماً خاصاً؛ لقيمتها، وأهميتها العظيمة في المجتمع، فهي تمثل نصف المجتمع، بل إن شئت الحقيقة فهي المجتمع كله، فهي صانعة الرجال في المجتمع، فإن صلحت المرأة صلح المجتمع، وإن فسدت المرأة فسد المجتمع، فعندما ينحرف بعض أفراد المجتمع بصورة من الصور إنما يرجع ذلك لانحراف جزء من المجتمع وهو (المرأة) عن تأدية رسالتها على أكمل وجه، ومن بين سور القرآن الكريم المائة وأربعة عشر، هناك ثلاث سور خاصة بالمرأة؛ لتكريمها، وتشريفها، وإبراز مكانتها السامية في المجتمع، وهي (سورة مريم) تلك المرأة العابدة التي أحصنت فرجها، وأنجبت للبشرية نبي الله (عيسى) بمعجزة إلهية، تبين طلاقة القدرة عند الله تعالى الَّذي خلق أول البشر (آدم) عليه السلام من التراب بلا تدخل بشري من ذكر أو أنثى، وخلق أمنا (حواء) من ضلع آدم، أي من أب بلا أم، وخلق البشر جميعا من أب وأم.

سبحانه وتعالى جل قدره وهناك (سورة النساء) التي وضعت حدودًا وتعاليماً وتفاصيلاً لحقوق النساء والمواريث، و(سورة المجادلة) بكسر الدال أو فتحها تلك الصحابية التي جادلت رسول الله، واشتكت من ظهار زوجها لها خوفاً من ضياع صغارها بلا أب وفي وجود أم فقيرة، وكان رسول الله يقول لها في كل مرة (ما أراك إلا طالقا)، فأنزل الله فيها فرآنا يتلى آناء الليل وأطراف النهار فقال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).

والمرأة في الإسلام هي الأم، والزَّوجة، والحبيبة، والشقيقة، والابنة، هي تلك الأم التي أوصانا الله تعالى في محكم التنزيل بحسن رعايتها، فقد قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، فهي الأم صانعة الرجال، ومربية الأجيال، والتي قال فيها رسول الله (الجنَّة تحت أقدام الأمهات)، وعندما جاءه الصحابي يسأل (يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحابي أمك قال ثم من؟ قال أمك قال ثم من؟ قال أمك قال ثم من؟ قال أبوك)، وهي الشقيقة التي قال عنها نبي الرحمة (النساء شقائق الرجال).

وهي الحبيبة التي طالما تغنى بها الشعراء قديماً وحديثاً، بل أنهم فتنوا بجمالها، وكان ذكرها في مقدِّمة قصائدهم الشعرية، حين يتغزلون بها وبجمالها، فها هو فارس عبس (عنترة) يقول:                     

يا دار عبلة بالجواء تكلمي         وعمى صباحا دار عبلة واسلمي  

هلا سألت الخيل يا ابنة مالك       إن كنت جاهلة بما لم تعلم 

ويقول حكيم الشعراء (زهير بن أبى سلمى):

أمن أم أوفى دمنة لم تكلم    بحومانه الدراج فالمتثلم

ودار لها بالرقمتين كأنها     مراجع وشم في نواشر معصم

ويقول (امرؤ القيس):

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل      بسقط اللوى بين الدخول فحومل                               
كما قال:

أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل        وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

ويقول أيضاً:

أغرك مني أن حبك قاتلي            وأنك مهما تأمري القلب يفعل                     

تلك هي المرأة التي قال فيها أمير الشعراء وشاعر الأمراء (شوقي): 

الأم مدرسة إذا أعددتها             أعددت شعباً طيب الأعراق  

وهي الحبيبة والزَّوجة التي قال الله تعالى عنها في كتابه العزيز: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)، وهذا من تقدير الله  للمرأة ورحمته بها أن خلقها من نفس الرجل وجزءا منه، وهي الابنة التي أمر الله بحسن رعايتها فقد قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم من بشر بأنثى وفى رواية من بكر بأنثى)، وقال: من  رزق بأمة فأحسن تربيتها كانت له وجاء (أي وقاية وحماية) يوم القيامة قلنا: يا رسول الله فاثنتان قال: فاثنتان قلنا: يا رسول الله فثلاث قال: فثلاث)، وهنا يرغب النبي صلى الله عليه وسلم في إنجاب البنات، ألم تكن (الزهراء) رضوان الله عليها أم أبيها، وحبيبة أبيها وسنده، وخاصة بعد فقده لزوجته (خديجة) رضوان الله عليها، وفقده لعمه (أبي طالب)، فكانت تحنو عليه، وتخفف عنه أذى قريش، حتَّى أن النبي وهو في مرض الموت حزنت عليه كثيراً فأسرها وقال لها: (أنت أول من يلحق بي من أهلي)، ففرحت وماتت بعده بعد ستة أشهر.   

وكانت بعض القبائل العربية في جاهليتها تئد بناتها خوفا من عار السبي الَّذي يلحقهم، لأن العرب لم يعيشوا حياة الاستقرار والدولة، بل عاشوا حياة الترحال بحثاً عن الكلأ والماء، ولكن هذا الأمر كان للحقيقة في القبائل الضعيفة التي لا تمتلك الفرسان الصناديد الذين يدافعون عنها، ويزودزن عن حماها.

وقد نظرت المجتمعات الغربيَّة قديماً إلى المرأة نظرة دونية، فهذا حكيمهم وفيلسوفهم (سقراط) يقول: (إن وجود المرأة هو أكبر منشأ ومصدر للأزمة والانهيار في العالم، إن المرأة تشبه شجرة مسمومة حيث يكون منظرها جميلاً ولكن عندما تأكل منها العصافير تموت).

أليس هناك أبشع من هذا المنطق؟ كما يقول (إن المرأة رجل غير كامل وقد تركت في الدرك الأسفل من سلم الخليقة)، ما أبشع تلك الفلسفة! وكانت عند الرومان تعامل كأثاث البيت يفعلون بها ما أرادوا، وكذلك عند الصينيين كانت المرأة تعتزل زوجها وأولادها فلا تجالسهم، وكان اليونانيون إذا ما حاضت المرأة ابتعدوا عنها لا يجالسونها، ولا يأكلون معها، لأن بها مس من الشيطان، أما الهنود فكانوا يعتبرونها من الشر والإثم فيحرقونها مع زوجها إذا مات، أما في بلاد فارس فقد انتشر زواج المحارم واعتبر اليهود المرأة جسداً بلا روح وأنها لعنة لأنها سبب الغواية.

انظروا إلى هذا الإسلام العظيم الَّذي احترم المرأة، وكرمها، وجعلها مساوية للرجل، (إنا لا نضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى بعضكم من بعض)، حتَّى كانت نساء النبي جميعهن أمهات المؤمنين، ولم تنجب إلا (خديجة ومارية) رضوان الله عليهما، ولكن مات ابنها (إبراهيم)، وكيف جعل النبي من عائشة راوية لأحاديثه، وكانت معلمة لنساء المسلمين، وهو القائل (خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء)، حتَّى عندما غارت عائشة من زوجاته رضوان الله عليهن جميعا قال: (غارت أمكم عائشة)، وكان يدللها، ويلاعبها، ويسابقها، بل ويشرب الماء من الإناء مكان شفتيها، عليك صلاة الله وسلامه يا خير معلم للبشر يا من بعثت هاديا ونورًا للبشريَّة.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية