المذبحة الملكية في نيبال واحدة من أكثر الأحداث دموية وغموضًا في تاريخ العائلات الحاكمة الحديث، ففي ليلة واحدة، تم محو سلالة حاكمة برمتها داخل أسوار القصر الملكي النيبالي، تاركة وراءها أمة في حالة صدمة وأسئلة لا تزال بلا إجابات حتى اليوم. الرواية الرسمية ألقت باللوم على بطل القصة المأساوية، ولي العهد ديبندرا الذي قيل إنه قتل عائلته ثم انتحر. لكن نظريات المؤامرة التي أحاطت بمذبحة القصر الملكي تشير إلى قصة أكثر قتامة، قصة عن مؤامرة القصر الملكي التي أدت إلى نهاية الملكية في نيبال.
في هذا المقال، نغوص في تفاصيل المذبحة الملكية، ونستعرض الروايتين المتضاربتين لفهم ماذا حدث بعد المذبحة الملكية في نيبال.
الأمير القاتل المحبوب.. نشأة ولي العهد ديبندرا
كان الأمير (ديبندرا) ولي العهد طفلًا حسن السلوك، لكنه كان حاد الطباع، وكان يميل إلى جمع الأسلحة ويحب حضور تدريبات الجيش، إضافة إلى تدريباته على الرماية باستمرار وذهابه في رحلات لصيد الطيور والحيوانات. كان يُنظر إليه على أنه الوارث الطبيعي لوالده المحبوب الملك بيريندرا، ويتمتع بشعبية كبيرة بين النيباليين.

أسباب المذبحة الملكية.. الحب الممنوع والصراع العائلي
يُعتقد أن سبب المجزرة الملكية الرئيس، وفقًا للرواية الرسمية، هو الصراع العائلي العميق. في شبابه، وقع الأمير في حب ابنة عمه من الدرجة الثانية، لكن والدته الملكة ايشواريا رفضت هذا الزواج، وأرسلته إلى إحدى الكليات المرموقة في إنجلترا.
وفي إنجلترا، تعرَّف الأمير على فتاة تدعى (ديفاني رانا) وتنتمي إلى إحدى أغنى العائلات في نيبال، ليقع في حبها ويرغب في الزواج منها. لكن والدته رفضت هذا الزواج أيضًا؛ نظرًا لأمور عدة، من بينها أن الفتاة تنتمي لعائلة تتمتع بسلطة كبيرة في البلاد، وكانت جدتها تنتمي للعائلة الملكية في الهند، وهو ما قد يسمح بالخضوع لنفوذ أجنبي.
ومع إصرار الأمير (ديبندرا) على الزواج، بدأت علاقته تتوتر مع والديه، وبدأ غضبه يتزايد، حتى إنه بدأ يظهر في أمكنة علنية وهو يدخِّن الحشيش ويشرب الكحول لإغضاب عائلته. حتى بدأ عيد ميلاده الثلاثين يقترب؛ ما جعل فكرة ارتباطه تبدو أكثر إلحاحًا، فقد كان عليه فقط أن يتزوج لضمان العرش بعد والده.
تفاصيل ليلة 1 يونيو 2001 في قصر نارايانهيتي
متى وقعت مذبحة نيبال الملكية؟ وقعت المجزرة في القصر في الأول من يونيو عام 2001. كانت العائلة المالكة في نيبال تحافظ على عاداتها الملكية بالتجمع كل أسبوعين، المعروف باسم عشاء الجمعة التقليدي. وفي ذلك اليوم الذي شهد أحداث يونيو 2001 الدامية، كان الاجتماع يضم العائلة الملكية باستثناء (جيانيندرا) شقيق الملك الذي كان خارج المدينة، في حين حضر العشاء زوجته وأولاده.

ومع أن الأمور سارت على نحو طبيعي، لكن حوارًا دار بين الأمير ديبندرا ووالده الملك بيريندرا في مسألة الزواج، أدى إلى غضب الأمير الذي أسرف في الشراب ولم يعد مسيطرًا على نفسه. وبذلك فقد خرج الأمير من العشاء.
ومع طبيعة الأمير الحادة، فقد ذهب إلى شقته مدة من الوقت، ثم ارتدى الزي العسكري المموه وحمل السلاح وعاد إلى عائلته مرة أخرى. ثم فتح النار من سلاحه من نوع (بندقية إم 16) وقتل والده وشقيقته، ثم قتل شقيقه ووالدته وأخواته وشقيق الملك وصهره ورئيس الحرس. كانت ليلة مقتل العائلة المالكة في نيبال بأكملها تقريبًا.
من نجا من المذبحة الملكية؟
اختبأ أحد الأمراء من أبناء عم الأمير خلف إحدى قطع الأثاث، وهي الطريقة التي ساعدته على النجاة بجانب طفلين آخرين من العائلة الملكية، إضافة إلى زوجة جيانيندرا وأبنائه الذين أصيبوا إصابات طفيفة أو لم يصابوا على الإطلاق.
وحسب شهود العيان، فإن الأمير ديبندرا بعد أن قتل أفراد العائلة خرج إلى الحديقة وأطلق النار على نفسه، ولم يتدخل أي من الحراس؛ لأنه حسب معتقداتهم، فإن ما يحدث في العائلة الملكية يُعد شأنًا إلهيًا.
نتائج المجزرة الملكية.. صعود الملك جيانيندرا ونهاية الملكية
قبل أن يطلق الأمير الرصاص على نفسه كان قد قتل 12 شخصًا، لكن الحكومة لم تجرؤ على إبلاغ الشعب بالحقيقة، وأعلنت أن بندقية رشاشة أوتوماتيكية قد انطلقت عن طريق الخطأ.

وبينما نُقل الأمير إلى المستشفى وهو في غيبوبة، تم إعلانه ملكًا على البلاد، وهو المنصب الذي حظي به مدة ثلاثة أيام فقط، قبل أن يُعلن موته يوم 4 يونيو عام 2001. لتدخل البلاد حالة من الاضطراب مع إعلان جيانيندرا -شقيق الملك وعم الأمير- ملكًا جديدًا على نيبال.
لم يصدق الناس قصة البندقية الأوتوماتيكية، وساد اعتقاد بأن جيانيندرا له يد في مذبحة العائلة المالكة في نيبال، لم يتمتع الملك الجديد بشعبية كبيرة، إضافة إلى الحب الكبير الذي كان يحظى به الملك القديم (بيريندرا) الذي كان يعده الناس رمزًا للقوة والثبات، إضافة إلى تخليه عن السلطة الملكية المطلقة عام 1990. كانت نتائج المجزرة الملكية في نيبال كارثية على النظام الملكي في نيبال، وزرعت بذور زواله النهائي.
غموض وتكهنات.. هل كانت مذبحة نيبال مؤامرة سياسية؟
من قتل العائلة المالكة في نيبال؟ قد تعد مذبحة نيبال هي الأغرب بين الحوادث المشابهة على مدار التاريخ، فلم تُكشف الحقائق كاملة حتى الآن، وظل الأمر بين التكهنات والأسئلة المنطقية التي لم تجد إجابات شافية، ومنها:
لماذا غاب جيانيندرا عن عشاء العائلة؟ ولماذا كان خارج المدينة؟ ما يوحي بأنه كان ضالعًا في الأمر أو على الأقل لديه علم بما سيحدث.
لماذا نجت زوجة جيانيندرا مع أطفاله من بين الحاضرين، في حين قُتل معظم أفراد العائلة الملكية في ذلك اليوم؟ فهل كان الأمر من قبيل الصدفة أن ينجو أطفال جيانيندرا في حين لا تُصاب زوجته سوى بجروح طفيفة؟
وتساءل الناس أيضًا عن رد فعل الأمير ديبندرا الذي كان عنيفًا وغريبًا، وعلى الرغم من أنه كان دائمًا مطيعًا لوالديه ومحبوبًا بين الناس. فهل كان الأمر يستحق قتل العائلة الملكية ثم الانتحار؟ وكيف يمكن أن يكون هذا التصرف مفيدًا في مسألة زواجه من محبوبته ديفاني؟
أما السؤال الأغرب من بين الأسئلة التي لم يُجب عنها أحد حتى الآن، فهو السؤال المتعلق بالرصاصة التي اخترقت جمجمة الأمير.
كيف قتل الأمير نفسه؟! تقول الرواية: إن الأمير قتل نفسه باستخدام مسدسه الشخصي، في حين يشير تشريح جثة الأمير إلى أن الرصاصة دخلت من مؤخرة الجمجمة، وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا في حالة الانتحار.
أما تحقيقات مذبحة نيبال فكانت هزلية، فمن الأمور الغريبة التي صاحبت التحقيق في مقتل معظم أفراد العائلة الملكية في نيبال هو اختصار التحقيق على فردين فقط، ومدة صغيرة لم تتجاوز الأسبوعين، ولم تخرج بأي معلومات مفيدة، في حين رفضت السلطات في نيبال أي مساعدة خارجية في التحقيق، وعلى رأسها مساعدة اسكتلنديارد الإنجليزية.

وفي الأخير فرضت السلطات في نيبال حظر التجول بعد وفاة الأمير ديبندرا في المستشفى، ونقلت جثته إلى معبد باشوباتيناث، وأُحرقت جثته دون مراسم جنائزية ودون شهود ودون حضور أي من أفراد العائلة الملكية بسرعة وسرية كبيرة ودون تشريح الجثة، لتنتهي قصة مذبحة العائلة الملكية في نيبال، تاركة خلفها كثيرًا من الأسئلة والغموض، مع ذكرى صعبة لإحدى أكثر الليالي دموية للعائلات الملكية في التاريخ.
انتهت قصة مذبحة العائلة المالكة في نيبال، تاركة خلفها أسئلة بلا إجابات وذكرى ليلة دموية. ما تأثير المجزرة الملكية على مستقبل نيبال؟ لقد كانت القشة التي قصمت ظهر النظام الملكي؛ فالغضب الشعبي والشكوك العميقة تجاه الملك الجديد جيانيندرا مهدت الطريق لإلغاء الملكية تمامًا في عام 2008. وهكذا، لم تكن مجزرة نيبال مأساة عائلية فحسب، بل كانت انقلابًا في نيبال أنهى 240 عامًا من الحكم الملكي وأغلق فصلًا من تاريخ البلاد إلى الأبد.
وفي نهاية هذا المقال الذي حاولنا من خلاله توضيح الصورة حول قصة المجزرة الملكية في نيبال في أوائل القرن الـ21، نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.