المديح عند أبي فراس الحمداني وعلاقته بسيف الدولة

أبو فراس الحمداني هو فارس السيف والقلم، وصوت الإباء في الشعر العربي، يختلف المديح عند أبي فراس الحمداني عن المديح الذي نعرفه عند سائر الشعراء أو المديح التقليدي، والهدف الساعي إليه عكس ما يسعون هم إليه، وما يبتغون من ورائه. فقصيدة المديح عند غيره تعني التكسب، والتملق لدى الممدوح في سبيل الحصول على حفنة من الهبات المالية.

أما شاعرنا فقصائده تنفي هذا الشيء؛ لأنها تتغنى بـ سمات سيف الدولة الحمداني، المكتنزة رفعة وجلال قدر، وعلو عائلة عربية المجد، أو تتغنى بمدح النبي وآل بيته الأطهار.

خصائص المديح عند أبي فراس ودوافعه

ما يُثبت هذا المنحى الشريف البعيد عن الابتذال ودناءة التكسب، موضحًا دوافع المديح عند أبي فراس بين الاعتزاز والإباء، قوله:

نَطَقتُ بِفَضلي وَاِمتَدَحتُ عَشيرَتي *** فَما أَنا مَدّاحٌ وَلا أَنا شاعِرُ

نقطت بفضلي وامتدحت عشيرتي

فهذا البيت المسبوك في قصيدةٍ طويلةٍ تقارب مائتين وخمسة وعشرين بيتًا من وصف الذات، وتحديد المزايا، والتعريف بالنفس الأبية، الساعية إلى بلوغ قلوب الناس، بخلق السجايا، وعطاء النفس الحرة، البريئة من كل وصولية ومأرب مادي. وتأكيدًا لمعنى البيت الأول، يورد في البيت الذي يليه قوله:

وَهَل تَجحَدُ الشَمسُ المُنيرَةُ ضَوءَها *** وَيَستُرُ نورَ البَدرِ وَالبَدرُ زاهِرُ؟

فالشاعر يذكِّر الناس بما عرفوه عنه من المستور من الصفات، والظاهر منها. وليس بحاجةٍ لإعطاء دليل، ما دام سلوكه المعروف من الجميع هو الدليل الأقوى والمقنع. لعلنا في هذين البيتين الناطقين بمنطق الشاعر الصريح المؤكد لهدفه البريء من كل تكسب، نضع الشاهد المختلج بمشاعر أبي فراس، وأحاسيسه النابعة من إبائه، وترفعه عن الوصولية المادية.

لماذا يختلف المديح عند أبي فراس عن المديح التقليدي؟

وكلمة حق تقال في هذا المضمار، أن المديح لم يكن غرضه التكسب، كما هو معروف لدى الشعراء، ولم يكن مألوفًا لديهم في دنيا العرب. والأصل في هذا الفن، أنه استملح ورُغب إعجابًا بالفضائل، وإكبارًا لمن يحميك، وإجلالًا لناشر الأعمال الإنسانية المشرفة. وشاعرنا العليم بتلك الغاية المستطابة عند الشرفاء، أبى إلا أن يعززها في قصائد المديح، ويقوي عنصر الإباء في ذكر صفاتها.

موضوعات شعر أبي فراس والممدوحين

ومن الممدوحين الذين خصهم بهذا الغرض: أبو المكارم، وأبو المعالي، وابن عمه أبو زهير، والمهلهل بن نصر الحمداني. ولكن المقدم على من ذكرنا هو سيف الدولة الحمداني، المشمول بأكثر قصائد المديح. ويعود السبب إلى الإعجاب الشديد بأمير بني حمدان الحكيم، والشجاع، والكريم، والمملوء بسجايا المروءة، والمكتنزة شخصيته بإباء الضيم.

وقد زادته انتصارات سيف الدولة في حروبه الطويلة، ومعاركه البطولية مع الروم، اندفاعًا ملحاحًا لتسجيل تلك المعارك وأهوالها في قصائد تنضح برقعة القدر والتعظيم.

وثمة دافع أقوى يوضح أثر العلاقة بين أبي فراس وسيف الدولة في شعر المديح، وهو حفظ الجميل الذي غمره به في تربيته له بعد موت والده، حتى استطاع أن ينشئه فارسًا يعتد له بالقدرة الخارقة في مواجهة العدو؛ لذا فقد اتخذ ابن عمه مثلًا أعلى في الحياة؛ ينهج نهجه خطوة خطوة، ويقتبس أصالة سجاياه، صفة إثر صفة، ويتخلق بعاداته كي يصل إلى بعض ما ناله كأمير يخفض له جناح الاحترام ويفيه حقه بالتربية والرعاية.

تحليل قصائد المديح عند أبي فراس الحمداني قبل الأسر وبعده

ومدائحه في ابن عمه تنقسم إلى قسمين: القسم الأول ما قاله قبل الأسر، والآخر ما نظمه بعد الأسر.

1. تحليل أبيات المديح التي تصف معارك سيف الدولة مع الروم (قبل الأسر)

فمن مدائحه له قبل أن يأسره الروم قوله:

قَد ضَجَّ جَيشُكَ مِن طولِ القِتالِ بِهِ *** وَقَد شَكَتـكَ إِلَيـهِ الخَيـلُ وَالإِبِـلُ

وَقَد دَرى الرومُ مُذ جاوَزتَ أَرضَهُمُ *** أَن لَيسَ يَعصِمُهُم سَهـلٌ وَلا جَبَـلُ

في كُلِّ يَومٍ تَزورُ الثَغـرَ لا ضَجَـرٌ *** يُثنيـكَ عَنـهُ وَلا شُغـلٌ وَلا مَلَـلُ

فَالنَفسُ جاهِدَةٌ وَالعَيـنُ ساهِـدَةٌ *** وَالجَيشُ مُنهَمِكٌ وَالمالُ مُبتَذَلُ

فَكُنـتَ أَكـرَمَ مَسـؤولٍ وَأَفضَلَـهُ *** إِذا وَهَبـتَ فَـلا مَـنٌّ وَلا بَخَـلُ

إنها نفخة صدق عابقة بمديح السمات الوجدانية النابعة من نفس تتعلق حقًا بالممدوح، وتسعى للوصول به إلى أسمى درجات الرفعة والعلو، فشاعرنا يرفع من قدر سيف الدولة الموسوم بسمات الشجاعة، والتهافت على القتال الدافع بالجيش الحمداني لدحر كل معتدٍ أثيم. وكانت الخيل والإبل في عداد الموصوفين برغبة قتال الغازي، ولكنها لكثرة ما أثقل عليها سيف الدولة في معاركه العظيمة توجهت إليه بالشكوى من شدة الإعياء الذي لحق بها.

وعمق الوجدانية يتضح في وصف جيش الروم المنهزم جريًا وركضًا، والضياع يلحق به، بعد فقد الأمل بوجود ما يحتمي به، فلا جبل يظله ويواري انهزامه، ولا منعطف يغطي انكساره، فهو مكشوف أمام ضربات الأمير القاتلة، ولا ينجيه منها منجٍ. ولذا فهو يتوجه إلى الأمير يطلب العفو والحماية، فيجيب الأمير الطلب، ويأوي الجيش المكسور أسيرًا في حماه، ويصبح مضرب المثل في الناس، وفي العفو عند المقدرة.

2. البعد الوجداني في مديح أبي فراس لابن عمه

ولا يكتفي شاعرنا بذكر فضائل سيف الدولة على أعدائه، بل يعرج في مديحه له على ذكر فضائله عليه، وهو يغمره بعطف الأبوة الصادقة، المعوضة عنه فقد أبيه، فجعله ينسى اليتم، ويحس بواجب العرفان بالجميل، لمن أغدق عليه المعروف، وغمره بعاطفة الإنسانية الصادقة. ومن المدائح التي أوردها في هذا المضمار قوله:

هَل أَنتَ مُبلِغُهُ عَنّي بِأَنَّ لَهُ *** وُدّاً تَمَكَّنَ في قَلبي يُجاوِرُهُ؟

وَأَنَّني مَن صَفَت مِنهُ سَرائِرُهُ *** وَصَحَّ باطِنُهُ مِنهُ وَظاهِرُهُ

وبعد أن يضع نفسه موضع المتقد حرقة وألمًا، لعدم تمكنه من إيفاء سيف الدولة بعض نعمه عليه؛ والمتألم وحدة وانكسارًا كلما رأى نفسه بعيدًا عن سيده، وولي نعمته، يعرج على وصف ابن عمه بما هو أهل له، مبرزًا الصورة البطولية لسيف الدولة في شعر أبي فراس، فيقول شامخًا معتزًا:

وَكَيفَ يَنتَصِفُ الأَعداءُ مِن رَجُلٍ *** العِزُّ أَوَّلُهُ وَالمَجدُ آخِرُهُ

فَمِن سَعيدِ بَنِ حَمدانٍ وِلادَتُهُ *** وَمِن عَلِيِّ بَنِ عَبدِ اللَهِ سائِرُهُ

القائِلُ الفاعِلُ المَأمونُ نَبوَتُهُ *** وَالسَيِّدُ الأَيِّدُ المَيمونُ طائِرُهُ

بَنى لَنا العِزَّ مَرفوعاً دَعائِمُهُ *** وَشَيَّدَ المَجدَ مُشتَدّاً مَرائِرُهُ

فَما فَضائِلُنا إِلّا فَضائِلُهُ *** وَلا مَفاخِرُنا إِلّا مَفاخِرُهُ

فَهوَ اِبنُ عَمِّيَ دُنيا حينَ أَنسُبُهُ *** لَكِنَّهُ لي مَولىً لا أُناكِرُهُ

ما زالَ لي نَجوَةً مِمّا أُحاذِرُهُ *** لا تَزالُ في نَجوَةٍ مِمّا يُجاوِرُهُ

وَإِنَّما وَقتُ الدُنيا مُوَقَّتُها *** مِنهُ وَعامِرُ لِلإِسلامِ عامِرُهُ

وضمن ذلك الاعتزاز يبدو إجلاله المفاخر بفضائل ابن عمه، الرفيع الجانب، السامق الرجولة، ولذا فهو يحذر الأعداء من الاقتراب منه؛ لأنهم لن يتمكنوا من عظيم أصلٍ، ورفيع محتد؛ يبدأ العز من تاريخ ولادته، وينتهي المجد إذا فارق دنياه. ولعل هذا المديح سابق عند أبي فراس في نوعية معناه المتألق بأول العز آخر المجد.

سيف الدولة الحمداني والمتنبي وأبو فراس

مقارنة المتنبي وأبي فراس في حضرة سيف الدولة

وإذا كنا نرى عند المتنبي قوة المديح لسيف الدولة؛ لأنه العربي الأصيل الذي يرى فيه نفسه؛ فهذا ما تراه أيضًا عند أبي فراس المعاصر للمتنبي، وهو أحد أبرز ملامح شعر المديح في العصر الحمداني، والمنافس له في حضرة ابن عمه، طامعًا في إزاحته، وقد غلبه وهجه الشعري، حتى كاد يحل محله. وفي مدائح شاعرنا نشاهد قبسات من مدح ذاته، وهو يتوجه إلى سيف الدولة بقوله:

وَلَكِنَّ قَولي لَيسَ يَفضُلُ عَن فَتىً *** عَلى كُلِّ شَيءٍ غَيرَ وَصفِكَ قادِرُ

فَلا تُلزِمَنّي خُطَّةً لا أُطيقُها *** فَمَجدُكَ غَلّابٌ وَفَضلُكَ باهِرُ

وَلَو لَم يَكُن فَخري وَفَخرُكَ واحِداً *** لَما سارَ عَنّي بِالمَدائِحِ سائِرُ

وَلَكِنَّني لَم أُغفِلِ القَولَ عَن فَتىً *** أُساهِمُ في عَليائِهِ وَأُشاطِرُ

وَعَن ذِكرِ أَيّامٍ مَضَت وَمَواقِفٍ *** مَكانِيَ مِنها بَيِّنُ الفَضلِ ظاهِرُ

مَساعٍ يَضِلُّ القَولُ فيهِنَّ جُهدَهُ *** وَتَهلَكُ في أَوصافِهِنَّ الخَواطِرُ

بَناهُنَّ باني الثَغرِ وَالثَغرُ دارِسٌ *** وَعامِرُ دينِ اللَهِ وَالدينُ داثِرُ

فالشاعر يرتفع بذاته مفاخرًا، ويعليها إلى مصاف المعجزات، ولكنه استدرك تلك المفاخرة، بإخفاض تسارع إعلاء الذات، عند وصولها إلى سدة إمارة سيف الدولة، وهذه مكانة سيف الدولة في الشعر العربي التي لا تضاهى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة