المدن الإسفنجية ثورة حضرية وفلسفة جديدة في تخطيط المدن، تحولها من أسطح صلبة تطرد مياه الأمطار إلى أنظمة بيئية حية تمتصها وتستفيد منها كما تفعل الإسفنجة. ويُعَد مفهوم «المدن الإسفنجية» مصطلحًا جديدًا ظهر في الصين، ويعني نموذجًا لتخطيط المدن بطريقة تعتمد على البنية التحتية الخضراء.
وفي هذا المقال نستكشف المدن الإسفنجية السلاح طبيعي لتقليل مخاطر الفيضانات والأمطار، إضافة إلى الغوص في تفاصيل هذا الحل المبتكر، ونكتشف مكوناته، وأسباب توجه العالم إليه، وأبرز الأمثلة عليه.
بعد أن أصبحت تغيرات المناخ تسبب مخاوف كبيرة في دول عدة، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية التي تواجه خطر الفيضانات المدمرة وهطول الأمطار بكميات كبيرة تتسارع وتيرتها عامًا بعد عام، تبحث كل الدول المعرضة للفيضانات عن حلول طبيعية ودائمة للحد من الأخطار والاستفادة من مياه الأمطار، وهو ما دفع إلى ظهور فكرة المدن الإسفنجية.
مفهوم المدن الإسفنجية
يُعَدّ مصطلح «المدن الإسفنجية» مصطلحًا جديدًا ظهر في الصين في الأعوام القليلة الماضية، ويعني نموذجًا لتخطيط المدن الحَضَرية بطريقة تعتمد على البنية التحتية الخضراء، وهو ما يُطلَق عليه «البنية التحتية الهيدروإيكولوجية» الذي يعني تصريفَ مياه الأمطار في المدن ببنية تحتية خضراء قادرة على امتصاص المياه ودفعها إلى مناطق المياه الجوفية للاستفادة منها في أوقات لاحقة.

وتعتمد المدن الإسفنجية على استخدام أنظمة الرصف النافذة للمياه التي تسمح بدورها بامتصاص كميات كبيرة من مياه الأمطار ودفعها إلى أماكن تعمل خزانات لاستخدام هذه المياه العذبة في مشروعات الإرواء، إضافة إلى دورها الرئيس وهو تصريف هذه المياه في أوقات الأمطار الشديدة والفيضانات والحد من خطورة المياه في المناطق السكنية.
وتشمل فكرة المدن الإسفنجية الابتعاد عن أنظمة التصريف التقليدية أو الحد منها واستبدالها بالحدائق العامة والمساحات الخضراء، وهو ما يحقق عددًا من المكاسب ويعالج مشكلة نقص المياه، ويؤدي مع الوقت إلى تنوع الحياة البرية في المدن وتحسين التنوع البيولوجي، إضافة إلى خفض درجات الحرارة في الأماكن الحارة، وهو ما يجعل من المدن الإسفنجية مدن المستقبل، لا سيما في البلدان ذات الكثافة السكانية العالية.
لماذا يتجه العالم إلى المدن الإسفنجية؟
على الرغم من أن المدن الإسفنجية كمصطلح قد ظهر عام 2013 في الصين عندما استخدمه البروفيسور كونجيان يو، المدرس في جامعة بكين، فإن فكرة المدن الإسفنجية هي فكرة عالمية تتبناها كثير من الدول التي تبحث عن حلول لقضايا عدة ترتبط بالأمطار ونقص المياه والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة، وبذلك أصبحت حلًا ناجعًا لمشكلات متعددة، ومنها على سبيل المثال ما يلي:
قلة مصادر المياه
تُعَدّ قلة مصادر المياه مشكلة عالمية، لا سيما مع التوسع الحضري الكبير الذي فرض على المدن المكدسة بالسكان نظام بناء الأرصفة والطرق التي تمتد مسافات واسعة من الإسفلت وبناء مواقف السيارات والساحات، وكلها أسطح جامدة لا تمتص المياه، وإنما تقوم بتجميعها ودفعها إلى البحار أو البحيرات أو الأنهار. وهو نمط تقليدي من أنماط البنية التحتية في تصميم المدن، يُطلَق عليه «النظام الكتيم»، وهو ما يؤثر سلبيًّا في دورة المياه الطبيعية.
ومع الوقت بدأ الجميع يعاني ندرة المياه ونقص الإمدادات، ما أدى بدوره إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه الجوفية دون تعويضها بسبب عدم قدرة هذه المساحات الصلبة على امتصاص المياه وتصريفها إلى مناطق المياه الجوفية، وتشير تقارير البنك الدولي (The World Bank) إلى أن ندرة المياه تؤثر في أكثر من 40% من سكان العالم. وهو ما أعطى أهمية كبيرة لفكرة المدن الإسفنجية؛ إذ إنها تقوم على فكرة تجديد كميات المياه الجوفية بامتصاص مياه الأمطار وتصفيتها طبيعيًّا، ما يسمح للمدن بتحقيق اكتفائها الذاتي من المياه وتقليل مخاطر نقص الموارد المائية.
تلوث المياه
في معظم البلدان، يتم تجميع المياه في نظام صرف واحد يجمع مياه الصرف الصحي مع مياه الأمطار التي تجري معالجتها في محطات معالجة الصرف قبل استخدامها بعد ذلك في عمليات زراعية أو تصريفها إلى البحار أو الأنهار، وهو ما قد يؤدي إلى تلوث المياه العذبة بسبب مياه الصرف الصحي. ويستهلك ذلك كثيرًا من الموارد ويحتاج إلى إجراءات تشغيلية كبيرة من أجل معالجة المياه.
من ناحية أخرى، فإن سقوط الأمطار بغزارة قد لا يسمح لمحطات معالجة المياه بالتعامل مع هذه الكميات الكبيرة من المياه، إضافة إلى مياه الصرف الخاصة بالمدينة، وهو ما قد يدفع المسؤولين إلى اتخاذ قرارات بتصريف المياه إلى البحيرات والأنهار دون معالجة، وهو ما يرفع من مستوى التلوث في المسطحات المائية التي تتعامل معها الدولة سواء في الشرب أو الزراعة أو حتى في عمليات الصيد والاستفادة من الثروة المائية.

أما في حالة تطبيق نظام المدن الإسفنجية، فإن الأمر يتغير تمامًا؛ إذ تتولى المسطحات المائية والأشرطة الخضراء وأنظمة الأسفلت النافذة للمياه تصريف مياه الأمطار طبيعيًّا وتنقيتها وتخزينها في المناطق الجوفية، ما يحافظ على المياه من التلوث ويمنح محطات معالجة الصرف القدرة على التعامل مع كميات محدودة من المياه، وهو ما يؤدي في النهاية إلى جودة الخدمة وانخفاض التكاليف.
مشكلات البيئة والصحة
لا شك في أن هذا التوسع الحضري الكبير، لا سيما في المدن ذات الكثافة السكانية العالية، أدى إلى خسارة مساحات كبيرة من الأراضي الخضراء لمصلحة الطرق الإسفلتية والكتل الإسمنتية التي تستوعب أنشطة الناس، وهو ما أدى بدوره إلى تزايد كبير في مستويات تلوث الهواء، إضافة إلى مشكلات أخرى مثل انجراف التربة ونقص امتصاص ثاني أكسيد الكربون، إذ تسبَّبَ البشرُ لأنفسهم بعدد من المشكلات الصحية، إضافة إلى فقدان قدر كبير من التوازن البيئي نتيجة القضاء على عدد من أنواع النباتات والحيوانات.
لذا فإن مشروع المدن الإسفنجية يعمل على عكس حركة القضاء على المساحات الخضراء، ويسمح لها بالانتشار في الأماكن الحضرية داخل وحول المدن، ما يرفع من كفاءة النظام البيئي، ويُحسِّنُ الصحة العامة للسكان، وهو ما سيؤدي مع الوقت إلى تحسن في الحالة النفسية. وتعمل المدن الإسفنجية على مكافحة التغيّر المناخي وتقليل انبعاثات الكربون على المدى الطويل، وهو ما يجعلها مدن المستقبل التي يمكن أن تضمن للأجيال القادمة حياة متوازنة وربما أفضل من حياة الأجيال الحالية.
مواجهة الفيضانات
لعل السبب الأول والأهم في الاتجاه إلى إنشاء المدن الإسفنجية هو التعامل مع الفيضانات الحضرية والظواهر الجوية المتطرفة التي رفعت نسبة حدوث الفيضانات في كثير من المدن التي تؤدي بدورها إلى خسائر هائلة في الممتلكات والأرواح، إضافة إلى الخسائر الأخرى من تلوث المياه وتهجير السكان والقضاء على النظم البيئية، لا سيما في الدول ذات المناخ الممطر في إقليم جنوب شرق آسيا.
ومن هنا كانت فكرة الصين في مواجهة الأحوال الجوية، على الرغم من الكثافة السكانية العالية، فكانت المدن الإسفنجية هي التجسيد الأفضل للفكرة التي يمكنها التعامل مع الفيضانات والجفاف بنفس الطريقة، إذ تعمل على امتصاص مياه الأمطار وتخزينها للاستفادة منها في أوقات أخرى؛ إذ تعد الفيضانات في الصين من أكبر المشكلات التي تواجه البلاد، لا سيما في حوض نهر اليانغتسي وروافده، وهو ما يمكن ملاحظته في كثير من الفيضانات التي ضربت البلاد، ومنها على سبيل المثال فيضانات مدينة تشنغتشو عام 2021 التي أدت إلى مقتل مئات الأشخاص، إضافة إلى تشريد أكثر من مليون شخص.
ما هي مكونات المدينة الإسفنجية؟
تعتمد المدن الإسفنجية على مجموعة متكاملة من حلول البنية التحتية الخضراء، وأبرزها:
-
الأسطح الخضراء (Green Roofs): زراعة أسطح المباني لامتصاص مياه الأمطار، عزل المباني حراريًا، وتحسين جودة الهواء.
-
أرصفة الرصف النفاذة (Permeable Pavements): استخدام مواد رصف تسمح للمياه بالتسرب من خلالها إلى التربة بدلاً من الجريان السطحي.
-
حدائق المطر والخنادق الحيوية (Rain Gardens & Bioswales): مناطق منخفضة مصممة لجمع مياه الأمطار من الأسطح والطرق، وتتم زراعتها بنباتات تساعد على تصفية المياه طبيعيًّا.
-
الأراضي الرطبة الاصطناعية (Constructed Wetlands): أنظمة بيئية مصممة لمحاكاة الأراضي الرطبة الطبيعية، تعمل على تخزين ئتنقية كميات كبيرة من المياه ودعم التنوع البيولوجي.
متطلبات المدن الإسفنجية
على الرغم من أن فكرة المدن الإسفنجية واحدة في كل مكان؛ فإنها تتنوع حسب الحجم والشكل وطبيعة المنطقة؛ لذا فإن الشركات المتخصصة في بناء المدن الإسفنجية أو تحويل المدن إلى مدن إسفنجية تعمل على محاور عدة لتحديد متطلبات المكان لكي يتحول إلى مدينة إسفنجية.
ومن هذه العوامل موقع المدينة والتضاريس المحيطة بها، إضافة إلى معدل هطول الأمطار واحتياجات المجتمع داخل هذه المدن حسب طبيعة المجتمع وكثافته السكانية وحجم الموارد المائية الموجودة، والأهم من ذلك هو استخدام أنواع النباتات التي يمكن أن تزدهر في تلك المنطقة.
ثم إن بعض المناطق ذات الأمطار الغزيرة قد يُلجَأُ فيها إلى بعض الهندسة الصلبة مثل إنشاء السدود، وذلك للتخفيف من أخطار الفيضانات بجانب المدن الإسفنجية، ليكون كل إجراء منهما مكملاً للآخر، لا سيما في بعض البلدان التي تكون فيها العواصف والفيضانات شديدة الخطورة، وهو ما جرى تنفيذه فعلًا في مدينة ووهان الصينية إذ أنشأت نحو 380 مشروعًا إسفنجيًا بجانب المشروعات الإسمنتية، وهو ما ظهرت آثاره سريعًا في جودة الهواء والتنوع البيئي والبيولوجي، إضافة إلى رفع كفاءة المدينة في مواجهة الأمطار والفيضانات.
وكانت الصين قد أطلقت حملتها لتحويل المدن إلى مدن إسفنجية في عام 2015، وقد اختيرت 16 مدينة تجريبية والعمل على إنشاء المساحات الخضراء وأنظمة الرصف النافذة للمياه بتكلفة قُدِّرت ما بين 55 و80 مليون دولار في كل مدينة، وقد جرى العمل على إنشاء المساحات الخضراء وأنظمة الرصف النافذة للمياه، تحويل أنظمة الصرف التقليدية إلى أنظمة المدن الإسفنجية بالتدريج، ومن أبرز مشروعات المدن الإسفنجية:
مدينة هاربين في شمال الصين مثال رائع على مشروعات المدن الإسفنجية، وهي (حديقة كونلي) لمياه الأمطار التي تم إنشاؤها على مساحة 34 هكتارًا لتجميع مياه الأمطار وتخزينها بعد تنظيفها، إضافة إلى المكاسب الأخرى المتعلقة بتحسين الحياة الطبيعية وتوفير متنزه للسكان.
نماذج عالمية مشابهة
على الرغم من أن الصين هي رائدة مصطلح "المدن الإسفنجية"، فإن المفهوم يُطبق عالميًا تحت مسميات مختلفة تهدف جميعها إلى الاستدامة الحضرية:
-
التنمية منخفضة التأثير (Low-Impact Development - LID): مصطلح شائع في أمريكا الشمالية يركز على إدارة مياه الأمطار في مصدرها.
-
التصميم الحضري الحساس للمياه (Water Sensitive Urban Design - WSUD): فلسفة متبعة في أستراليا لدمج دورة المياه الحضرية في تخطيط المدن. وتعد مدن مثل برلين، وسنغافورة، وبورتلاند من النماذج الرائدة عالميًا في تطبيق تقنيات البنية التحتية الخضراء.
وهكذا أصبحت المدن الإسفنجية حلًّا واعدًا للتعامل مع كثير من المشكلات الناتجة عن التغير المناخي وقلة مصادر المياه وزحف الإسمنت في المناطق الحضرية، وهو ما يجعلها تستحق بجدارتها لقب مدن المستقبل.
وفي نهاية هذا المقال، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، كما يسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات وأن تُشارِكَ المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.