المدرس والسعادة المدرسية

المدرس النموذج في التصورات الحديثة:

على الرّغم من أن بدايات التربية الجديدة والحديثة بدأت منذ القرن الثامن عشر إلا أنها لم تنضج وتتهيكل إلا مع القرن العشرين وتحديدًا خلال سنوات التسعينات من القرن الماضي، حيث أصبحنا نتحدّث عن بعض المبادئ الأساسية للتعليم والتعلم مثل التعلم بالممارسة لدى الطفل، أو تكوين الطفل المواطن الحقيقي، أو اكتساب المعارف بالطريقة العفوية والطبيعية.

فهذا النموذج الجديد هو تغيير يخرج بهذه العلاقة البيداغوجية المنغلقة من حالة يبرهن من خلالها المدرس أنه متسلط إلى علاقة تربوية حقيقية يكون فيها المدرس وسيطًا في خدمة المتعلم معرفيًا ووجدانيًا واجتماعيًا. وتتمّ هذه العلاقة في إطار أشمل وتستوجب بالضرورة انخراط عديد الأطراف، إذ تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الممارسات البيداغوجية، حيث يكون المدرس وسيطًا ومنشطًا وعارفًا بالنظريات. كما أن على المدرس في التصور الحديث أن يعطي قيمة لما هو مسكوت عنه في مهنة التدريس، حيث يبرز الجانب الإنساني للمدرس والتلميذ. كما يبرز أهمية الجانب التفاعلي بينه وبين منظورية من خلال توقعات كلا الطرفين للآخر وتصوراتهم للفعل التربوي وللمعرفة. فلعبة الانتظارات هذه تؤثّر في اللقاء داخل الفصل، وقد تؤثّر في سلوك المدرس والمتعلم على حد السواء.

وهو ما يستوجب من المدرس أن يتأمل في ممارسته لمهنته وأن يقيم ذاته في كل آن. فيوفر المناخ الملائم للتعلم ويسعى إلى إيجاد الحلول المتصلة بعمليات النقل البيداغوجي وفق محتويات محدّدة يقوم من خلالها المدرس بدور المنشط والمحفز للمتعلمين محققًا متعة التعلم للمتعلم. وهو كما ذكر جون ديوي "إنسان قادر على السيطرة على الأشياء وعلى التفكير من تلقاء نفسه. “يمارس مهنته وفق أهداف قصدية واضحة المعالم غايتها تنشئة المتعلم الإنسان في تكامل بين الأسرة والمدرسة.

ولكن ما هي الكفايات المطلوبة في تصورنا للمدرس الحديث؟


الكفايات الواجب توفّرها في المدرس الحديث:

1. كفايات عرفانية:

من بين الكفايات الواجب توفرها في تصورنا لنموذج المدرس الحديث، أن يكون محترفًا متملكًا للمعرفة المطلوبة لكل المستويات، ومتصورًا لأجهزة ووسائل تدريسه ومختبرًا ومقيمًا إيّاها ومعدلًا إيّاها عند الحاجة. كما يجب أن يكون مطّلعًا على البرامج الرسمية وعلى وثائق المتعلم، وربما الانخراط في تمشي شخصي يتمثل في إعادة تبويب البرامج وإعادة إنجازها بطريقته الذاتية الخاصة. ثم إنه أثناء التحضير للحصص التعلمية عليه بضبط دقيق لأهداف الحصص التعليمية من محتويات، ومهارات، وتمشيات، وعوائق ممكنة، ووضع سيناريوهات بيداغوجية لكل حصة وتحديد فترات التعلم بدقة.

أمّا داخل الفصل فمن أهم الأدوار التي يقوم بها المدرس أن يخلق ظروفًا ملائمة للتعلمات وأن يعطي معنى لهذه التعلمات ذلك أن المعرفة ركن أساسيّ ومنطلق لعمل المدرس، تتضمن مواد دراسية، وجملة من المحتويات لمختلف فروعها. فلكل مجال معرفي طبيعته والطريقة المثلى التي تلائمه.


2. كفايات تواصلية:

من أهمّ الكفايات التي يجب على المدرس أن يتقنها ذلك أنها كفاية أفقية اختراقية ناهيك عن المفارقات التي تكتنفها. فهي المحرّك والأداة والرّهان في كل الوضعيات التعليمية التعلمية والميسر للنجاح المدرسي. لذلك على المدرس أثناء عمله داخل الفصل أن ينظم التواصل داخل الفصل عبر توزيع الأدوار بين المتعلمين انطلاقًا من وضعيات دالّة وتشجيع التلاميذ على العمل الفريقي، الذي من شأنه أن يبعث فيهم الحماس والتنافس النزيه.

يقول جابريال موني في هذا الإطار "النمو المعرفي للطفل يتحرّك عندما يشارك هذا الأخير في تفاعلات اجتماعية تفرز بدورها صراعات في مستوى الأجوبة التي يدلي بها أفراد المجموعة. “فتباين المستويات الاجتماعية والثقافية داخل الفصل الواحد من شأنه أن يؤثّر في طبيعة هذه الصراعات العرفانية، وبالتالي في طبيعة تدخل المدرس.

فعلى المدرس في التصوّر الحديث أن يعي بهذه المفارقة وأن يوظّف هذه الصراعات لتملك المعرفة تشاركيًا وأن يربى المتعلم على حسن الإصغاء وتقبّل الرأي المخالف. ثم إنه عليه أن يعي بأن الفعل التربوي ليس فعلًا تسييريًا، بل هو ممارسة ديمقراطية يربى من خلالها المتعلم على التعقل والتموضع وعلى نبذ التعصب. فالمدرس غير الناضج لا يمكنه أن يكون ديمقراطيًا مع تلاميذه كما أنه لا يمكن له أن يؤمن الولادة السليمة للمتعلم. فلا بدّ أن يعيد النظر في موقع ودور المتعلم.

فالمتعلمون هم المستهدفون من وراء العملية التربوية، حيث يسعى المدرس إلى توجيههم وإعدادهم للمشاركة في الحياة الاجتماعية، متعرّفًا لاحتياجاتهم، مراعيًا لميولهم واتجاهاتهم، متفطنًا إلى الفروق الفردية التي تميّز منظورية. وهو كذلك الذي يولي أهمية بالغة لكل أبعاد ومتغيّرات الفعل التعليمي التعلمي من أبعاد معرفية ووجدانية واجتماعية ونفسية، وفق علاقة أفقية تفاعلية تولي البعد الإنسانيّ الأهمية التي يستحقها وتعيد النظر في أدوار كل من المدرس والتلميذ، وتسعى إلى جعل المتعلم محورًا للعملية التعليمية التعلمية. فعلى المدرس أن يضع كل الإمكانيات الممكنة حتى يتعلم المتعلم وينمو من تلقاء نفسه دون توقف انطلاقًا من وضعيات تعلم ووسائط ثقافية، تسمح للتلاميذ بالانخراط في مغامرة المعرفة واكتشاف لذّة التعلم ومتعة الفهم بشكل جماعي مشترك.

ولهذه العلاقة استتباعات إذ على المدرس في هذا النموذج الحديث أن يصبح مرافقًا للمتعلم ملبيًا لحاجاته معيدًا النظر في تصوره للطفل والطفولة ومستفيدًا من تطور النظريات التربوية ونظريات التعلم المختلفة.

يعرف بوستيك هذه العلاقة التربوية "بأنها مجموع العلاقات الاجتماعية التي تتكوّن بين المربي والأفراد الذين يربيهم لتحقيق الأهداف التربوية داخل بنية مؤسسية معينة لها خصائص معرفية وعاطفية محدّدة تعيش استمرارًا ولها تاريخًا"[1].

ومن الكفايات التي تجعل من المدرس مدرسًا محترفًا أن يعي بأن التواصل هو المحرك الأساسي لكل الوضعيات في الحياة الاجتماعية والمهنية والشخصية وهي كفاية متباينة بين الأفراد. فالفصل مجتمع صغير يسوسه التواصل المفخخ تتحكم به شبكات معقدة وضوابط من بينها ضمان المساواة بين المتدخلين وعدم المساس بالحياة الخاصة للمتعلم وإعداده لشراسة التواصل الاجتماعي. فعليه أن يُعدّ مواطنين منسجمين مع المجتمع الذي ينتمون إليه واستثمار وضعيات تساهم في إعداد المتعلم على حسن التواجد متبصرا ذاتيا متواصلًا اجتماعيًا. ولا يمكن تحقيق هذه الغاية إلا بإعادة المدرس السيقنة للوضعيات المقترحة وإخراجها من سياقها الاجتماعي إلى سياقها المدرسي وتهيئة المتعلم للتعامل مع الوضعيات الفجائية.

فعلى التربية كما يقول ديكا تال "أن تعد لأحداث لم تقع قط ولم تخطر على بال. “كما أنه وانطلاقًا من بعض البحوث التربوية تبين أنه من مميّزات المدرس الحديث أن يمنح المتعلم الحق في التشويش لأن هذا الأخير في حاجة إلى الهروب والتخفي من خلال التواصل المتستر الذي هو شكل من أشكال التواصل. فالوعي بأن التواصل سلوك عاداتي ذاتي يكتسب بالمراس والدربة والمحاكاة تتطلب من المدرس أن يدرك أنه محل تشبه وأنه عليه اعتماد وضعيات تستميل الطفل وترغبه في التواصل. فعلى المدرس أن يكون متحررًا من الداخل ومن تاريخه الشخصي حتى يتمكن من ضمان عدم إحباط المتعلمين ويكون قادرًا على تطوير كفاياتهم التواصلية عبر تثمين ما يصدر عنهم من تعابير تلقائية مختلفة. ولكن السؤال الذي يطرح هل يجب على المدرس أن يحترم دائمًا تلقائية الطفل.


3. كفايات ميتاعرفانية:

وهي التي تعبّر عن العمليات العقلية التي يجب إثارتها واستنفارها عند فعل "التدريس"، ومن خلالها ينبثق فعل "التعلم". فنضج المدرس ومراجعة مواقفه باستمرار وتزوده بكفايات ميتاعرفانية وميتا تواصلية مهمّة لتحرير منظورية من الوثوقية والدغمائية. يكون من خلالها المدرس متبصرًا ذاتيًا متواصلًا اجتماعيًا ويكون مجددًا ومتأملًا في ممارساته البيداغوجية قبل وأثناء وبعدها كما يرى ذلك فيليب مصيريو [2]. لا بدّ في هذه الحالة أن يطبق المدرس بيداغوجيا التفريق البيداغوجي عبر وساطة تخدم التعلم. عليه أن يدرك ويعلم حاجيات تلاميذه وصعوباتهم وأن يتفطن لذلك منذ بداية التعلم دون أن ينسى أن هناك متعلمون متميّزون. فآلية التفريق البيداغوجي هذه تتطلب من المدرس تكوينا نظريا وعمليا وفق مناويل ونماذج محددة تغرس في المتعلم التربية على حسن التواجد، فالمدرس الناجح لا يتوقف عن التعلم سواء من أجل مراجعة نفسه أو من أجل تطوير نفسه. " فكوننا راشدين معناه أن نملك هدفا ننشده في ذاته..، ليس الإنجاز والثبات، بل إمكانية تغيرنا وتقدمنا في حرية: أي التربية الذاتية." [3]

فبواسطة التحليل التأملي للممارسة البيداغوجية يمكن أن نجعل من المدرس الحديث نموذجًا يحتذى به ممارسًا ومحللًا يحشد الممارسة التأملية ليصبح مهنيًا محترفًا. يجعل من خطاب المدرسة خطابًا متناغمًا مع خطاب المجتمع وقريب الصلة به، ويزرع في المتعلم الشعور بالسعادة، وبأنه جدير بالحياة في الحياة.


4. كفايات التقييم:

لا يكفي للمدرس أن يتقن فعلي التعليم والتعلم، بل عليه كذلك أن يسيطر بحرفية على تقنيات التقييم التي تتضمن معايير محدّدة تفضي إلى إسناد قيمة لموقف تعليمي أو سلوك أو مهارتهما. بل عليه أن يتخير الفرضيات والمعايير والوضعيات التقييمية المناسبة. يقيم خطابًا نقديًا ومستقلًا مع المعرفة السابقة واللاحقة، وأن يخطط ويقيم وضعيات التعلم التي تخيرها. وأن يتمكن من خصائص الاختبار الجيّد والذي من مميّزاته الإدماج، والدلالة، والصدق، والتعبيرية. 

والتقييم عملية تعد المدرس لأخذ قرارات لدعم ما اكتسبه المتعلم، وإصلاح ما ينبغي إصلاحه ليرتفع بمستواه وذلك على ضوء الأخطاء المرتكبة. وللتمكّن من هذه الكفاية على المدرس أن يتقن مراحل التقييم من تشخيص ووصف للأخطاء وتبيّن مصادرها إلى إيجاد جهاز العلاج الملائم لدعم المكتسبات وترسيخ التعليمات. كما أنه على المدرس أن يكون تقييمه من جنس التعلم وأن يؤمن هذا التقييم التكوين والإنصاف وحسن التعلم.

فالمدرس حسب هذا النموذج الحديث عليه أن يركز على التقييم التكويني، ويعتمد على اختبارات تقييمية ذات أسئلة متنوعة الاقتراحات. وتعتمد على الفهم لا الحفظ وتركز على مهارات دنيا وعليا تغطي مختلف محتويات المادة المدرسية، وتعتمد التغذية الراجعة. كما أنه من شأن هذه التقييمات أن تدفع المدرس إلى تبني استراتيجيات جديدة في الأنشطة العلاجية وأنشطة الدعم.

كفايات التحكم في التكنولوجيات الجديدة:

من أبرز الكفايات المستوجبة للمدرس الحديث كفاية التحكم في التكنولوجيات الحديثة، إذ أصبحت ضرورة تفرضها العولمة والحاجة إلى التواصل البيني في مجتمع متحرّك. وهو كذلك تحقيقًا لمبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين وبين الجنسين. وتعزيزًا لإدماج المحتويات الرقمية في مختلف التعليمات المقدّمة للمتعلمين حتى يتمكنوا من الانفتاح على الآخر والاستفادة منه وربط الصلة به دون استلاب أو انبهار. لذلك لزامًا على مدرس اليوم أن يكون متمكنًا من هذه التكنولوجيات عارفًا بمجالات استعمالها ومتحكما في توظيفها مع منظورية.

هكذا يظلّ نموذج المدرس نموذجًا متغيرًا يتحدد وفق تطورات المجتمع وتصوراته وخلفياته المختلفة. ولعلّ النموذج الأنسب هو الذي يأخذ من كل جانب بطرف، يستفيد من تقاطع النظريات التربوية المختلفة التفاعلية والاجتماعية والمعرفية. يأخذ بعين الاعتبار طبيعة فعل التعلم الذي ينمو عبر الحوار مع الآخرين أي عبر التفاعل الاجتماعي وهو ليس فعلا منعزلًا أو هو فقط وقائع، بل هو كذلك تعلم لأنماط تفكير وحوار جديدة.

هذه الأنماط المعرفية للمتعلمين تدعو المدرس إلى العمل على إنماء هذه الأنماط والاستراتيجيات الأكثر ملائمة لعملية التعلم والعمل على إنماء الدافعية للذين يعانون من صعوبات التعلم، وتغيير الأساليب عند الشعور المكتسب بالعجز. وهي في الأخير فعل إنساني بامتياز يلتقي من خلاله الكهل بالطفل. يقول روسو في كتابه إميل “إنما ننتظر منك مربيا أن تهب المتعلم وقتًا وعناية وحنانًا. إنك تهبه في الحقيقة جُماع ذلك.

"[4] غير أن معادلة النجاعة في التربية والتعليم اليوم أسقطت من حساباتها معادلة القيم التي تمنح الحياة معنى. فالقيم في عمل المدرس إنزيمات للتعلم المجدد، وهي قيم أساسية لا بدّ له أن يعمل على ترسيخها للناشئة. لكن قيم المجتمع السائدة مضادّة لما يريد خطاب المدرسة أن يكرسه؛ فالقيم التي تراهن عليها المدرسة اليوم بعيدة الصلة بالحياة. كما أن مجتمع اليوم بعيد أن يمثل مجتمع الجدارة والحداثة وقيم المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان. فكلاهما يمر بحالة مرضية وأزمة قيم تعكس حقائق مؤلمة في سياق يقضي بأن" الحياة سباق بين التربية وحلول الكارثة!"[5]

 

[1] Postic «la relation éducative» Paris  1979 p. 243

[2]Philippe MeirieuUn pédagogue dans la Cité : conversation avec Luc Cédelle, Paris, Desclée de Brouwer, 2012.p23

أوليفيه ربول: فلسفة التربية، ترجمة جهاد نعمان، الطبعة 1،منشورات عويدات 1978م، ص 78. [3]

جون جاك روسو "إميل" ترجمة نظمي لوقا الشركة العربية للطباعة والنشر. مصر. 1979م، [4]

هربرت جورج ويلز "آلة الزمن" الهيئة المصرية العامة للكتاب 1997م، ص 14. [5]

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.