مع أنَّ لكل ثقافة إنتاجها الأدبي الذي يحظى بمميزات مختلفة عن الثقافات الأخرى، ومع أنَّ الثقافات والحضارات القوية استطاعت التأثير في الثقافات الأخرى؛ فإن العصور الحديثة شهدت موجات من الاتجاهات الأدبية التي غزت العالم، وأثرت تأثيرًا كبيرًا في كل الثقافات والشعوب، وهو ما بدأ تقريبًا في القرن السادس عشر الميلادي عندما ظهرت أول المدارس الأدبية المعروفة وهي المدرسة الكلاسيكية، فما أهم سمات هذه المدرسة، وكيف وصلت إلى العالم العربي، ومن هم أبرز كتابها في أوروبا وفي بلادنا العربية؟
أسئلة نُجيب عنها في هذا المقال الذي يتناول المدرسة الكلاسيكية في الشعر بالسطور التالية.
اقرأ أيضًا: توفيق الحكيم (1898م _1987م ) بين ريادة المسرح وريادة الرواية
نشأة المدرسة الكلاسيكية
ظهرت المدرسة الكلاسيكية في أوروبا مع بداية القرن السادس عشر الميلادي، وذلك بعد حركات التطور والبحث العلمي التي شهدتها أوروبا في القرن الخامس عشر، لكن ملامح المدرسة الكلاسيكية لم تظهر بوضوح إلا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فبدأت تنمو وتزدهر وتنتقل من أوروبا إلى معظم بلدان العالم، ثم بدأت في الخفوت والانسحاب لمصلحة مدارس أدبية أخرى في القرن التاسع عشر.
كان الظهور الأول للمدرسة الكلاسيكية في إيطاليا على أيدي العلماء الذين استطاعوا نقل المخطوطات والترجمات من الحضارة اللاتينية والإغريقية، فقامت المدرسة الكلاسيكية على الآداب اليونانية واللاتينية والرومانية القديمة. ومع ذلك، فلم يكن الأدباء الإيطاليون رموز ومؤسسي المدرسة الكلاسيكية، إذ كان النضج الحقيقي لملامح هذه المدرسة الأدبية في فرنسا، فقد انشغل الأدباء الفرنسيون بوضع قواعدها وإكسابها الزخم الكافي للنمو بإنتاج عدد من الأعمال الأدبية ذات التأثير الكبير على الثقافة الأوروبية، وهو ما ساعد على انتقال المدرسة الكلاسيكية بسرعة إلى كل من إنجلترا وألمانيا.
أسس المدرسة الكلاسيكية
عندما قامت المدرسة الكلاسيكية في أوروبا على أنقاض الأدب اللاتيني والإغريقي، ومع التطور العلمي الكبير الذي شهدته أوروبا في ذلك الوقت، كان هناك مجموعة من الأسس التي ارتبطت بها الكلاسيكية في ذلك الإطار الزمني، ولعل أبرز أساسين هما:
محاكاة الأدب القديم الذي كان يمثله الأدب الإغريقي والأدب الروماني، والانشغال بتحليل أعمالهم واستخراج الأصول الفنية في هذه الآداب، ولعل أهم الأمثلة على ذلك هي مسرحيات (سوفوكليس) و(ملحمة الإلياذة) و(الأوديسا) للشاعر اليوناني هوميروس وكتابات (يوربيديس) وآخرون.
الأساس الثاني هو الاعتماد على مجموعة من القواعد والأصول النظرية التي وضعها الفلاسفة والكتاب الرومان واليونانيين، أمثال أرسطو وأفلاطون؛ فعلى سبيل المثال كانت كتابات أرسطو في الخطابة وفن الشعر أحد الأصول والقواعد المهمة والمؤسسة للمدرسة الكلاسيكية في أوروبا.
اقرأ أيضًا: كامل كيلاني ( 1897 – 1959 ) رائد أدب الأطفال
سمات المدرسة الكلاسيكية
مع أن لكل مدرسة أدبية أو فنية مجموعة من السمات والخصائص التي تصنع لها خصوصيتها بين المدارس الأخرى؛ فإن المدرسة الكلاسيكية كانت لها مجموعة من السمات الواضحة، وكان الأدباء الذين ينتمون لهذه المدرسة يلتزمون تمامًا بهذه الخصائص والسمات التي انتشرت من أوروبا إلى بلدان العالم في المدة ما بين القرن السابع عشر والتاسع عشر، ومن أهم هذه السمات الأدبية في المدرسة الكلاسيكية:
- الاحتفاء الشديد بالأدب اليوناني والأدب الروماني والالتزام بالأصول والقواعد التي وضعها أرسطو.
- الاتجاه إلى العقل بتشدد، وعَدُّه أساس الفن والجمال والفلسفة، إضافة إلى كونه مصدرًا للحقيقة والقواعد الأخلاقية، وهو ما أضاف للمدرسة الكلاسيكية بعض الجمود مقارنة بالمدارس الأدبية الأخرى التي ظهرت بعد ذلك.
- التعبير عن كل ما يشعر به الإنسان من مشاعر وعواطف وأحاسيس تعبيرًا واضحًا وزاعقًا أحيانًا، مثل مشاعر الحب ومشاعر الغيرة ومشاعر الكراهية ومشاعر الحسد، وغيرها من المشاعر التي تظهر دون مواربة أو خلط.
الاهتمام الشديد والعناية الكبيرة بالطبقات العليا في المجتمعات، وفي المقابل تجاهل كبير للطبقات الأدنى والطبقات الشعبية والفقراء، إذ كان الأدب الكلاسيكي يعنى كثيرًا بمشكلات الأغنياء والطبقات الحاكمة دون النظر إلى مشكلات المهمشين في المجتمع.
- الاهتمام بأناقة اللغة وفصاحتها، والعناية الكبيرة بالأساليب على حساب المضمون، إضافة إلى الاهتمام الشديد بالأنماط التمثيلية للأدب، وهو ما جعل المسرح من أكثر الفنون التي استفادت من الأدب الكلاسيكي، فقد كان هناك اهتمام كبير بالتراجيديا بوجه خاص.
- الاهتمام الكبير بالمجتمع على مستوى مضمون الأعمال الأدبية دون الاهتمام بالفرد أو الإنسان الذي يعيش في المجتمع نفسه، وعدم الدخول في تفاصيل إنسانية أو تجارب شخصية لمصلحة الانخراط في القضايا العامة، وهو ما جعل الأدب الكلاسيكي يهتم كثيرًا بالعادات والتقاليد والتوازن الاجتماعي والقوانين.
اقرأ أيضًا: معلومات لا تعرفها عن الشاعر فاروق جويدة
أشهر أدباء الكلاسيكية الغربية
كليمان مارو
يُعدُّ أحد الشعراء الأوائل الذين قامت على أكتافهم المدرسة الكلاسيكية في فرنسا الذي عاش في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ويعده كثير من المؤرخين والنُقاد أحد الأدباء الذين نقلوا الأدب من مرحلة القرون الوسطى إلى مرحلة النهضة الذي بدأ حياته شاعرًا، ثم أصبح بعد ذلك مؤرخًا في البلاط الملكي الفرنسي، وكان له ميزات أدبية عدة، مثل دقة التعبير والفصاحة اللغوية، وتنوع الكتابات والأغراض الأدبية، إضافة إلى الوضوح الذي جعل أشعاره تنتشر في تلك المرحلة، وكان متأثرًا بالأدب الإيطالي والفرنسي، إضافة إلى تأثره الكبير بالشاعر (فيرجيل)، كما كان كليمان مارو من أصحاب النقد الساخر واللسان اللاذع.
جان دي لافونتين
يُعدُّ لافونتين أحد الأسماء البارزة في المدرسة الكلاسيكية، وقد عاش في القرن السابع عشر الميلادي، وهو أحد أدباء فرنسا الكبار الذي تميز كثيرًا بحكاياته الخيالية والأسطورية، واستخدام الإسقاطات الأدبية، إذ كان يستخدم الحيوانات كثيرًا للتعبير عن أغراضه وأفكاره، ولعل أبرز أعماله وأشهرها (أساطير لافونتين الحكايات والنوادر)، وهو أحد الكتاب الذين تدرس أعمالهم ويشار إليهم عند الحديث عن المدرسة الكلاسيكية.
جون بابتيست بوكلان (موليير)
يُعدُّ موليير أحد رموز المدرسة الكلاسيكية، ويطلق عليه النُقاد مؤسس المسرح الفرنسي أو المسرح الكلاسيكي، إذ كان يكتب الشعر والمسرحية، إضافة إلى المسرحية الشعرية والنصوص الكوميدية الهزلية، إضافة إلى مشاركته أيضًا في عدد من هذه المسرحيات ممثلًا، ولعل من أبرز مسرحياته وأشهرها (مدرسة الزوجاا) و(البخيل).
جان راسين
يُعدُّ الأديب الفرنسي (جان راسين ) الذي عاش في القرن السابع عشر من أهم رموز المدرسة الكلاسيكية، كما يتميز عن غيره بأنه من الشعراء الدراميين الذين عرفوا بالمأساوية، وربما نسبت إليه أحد فروع المدرسة الكلاسيكية وهي المأساوية الكلاسيكية، إذ كانت أعماله دائمًا تدور في إطار عاطفي وسياسي، وتناول كثيرًا من الأحداث والمؤامرات التي كانت تدور في فرنسا من أجل الثورة على الملكية، ولعل أشهر مسرحياته كل من مسرحية (بريتانيكوس) ومسرحية (الإسكندر).
جون أولدهام
يأتي الأديب البريطاني (جون أولدهام) الذي عاش في القرن السابع عشر كأحد الأسماء الشهيرة في المدرسة الكلاسيكية الغربية الذي يعده كثير من النُقاد رائدًا للمدرسة الكلاسيكية في إنجلترا، وكان يكتب الشعر والمسرحية الشعرية.
مع أنَّ حياته مرفهة؛ نظرًا لميلاده لعائلة ثرية، لكنه كان يتحدث عن الأحوال العامة في أشعاره، وينتقد عددًا من الأوضاع والقضايا الاجتماعية.
المدرسة الكلاسيكية في الأدب العربي
ظهرت المدرسة الكلاسيكية في الغرب على أكتاف الأعمال والمترجمات اللاتينية والرومانية واليونانية، وقامت الكلاسيكية العربية من أجل تمجيد الأعمال القديمة في الأدب العربي، ورفض كل ما هو جديد من إبداعات أو محاولات أو أعمال تقوم على التجريب في الأدب، وبالأخص كل ما هو قادم من أوروبا، إضافة إلى الحرص الشديد لدى الكُتاب العرب في تلك المرحلة على الالتزام بالأصول القديمة في الكتابة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الكلاسيكية العربية.
كان محمود سامي البارودي أحد رواد المدرسة الكلاسيكية العربية؛ فكان يعنى كثيرًا بالديباجة والأسلوب والقوة اللغوية دون أن يتخلى عن الشكل القديم في الأدب العربي، مع أنه كان يجتهد كثيرًا في الابتعاد بأدبه عن الركاكة والضحالة والزخرفة والهشة والتقليد؛ لذا أشار إليه الكثير من النُقاد والمؤرخين بكونه رائد المدرسة الكلاسيكية الذي أحيا الشعر العربي دون الإخلال بالأصول القديمة للكتابة، وفي إطار المدرسة الكلاسيكية ظهرت أسماء كبيرة، مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وعلي الجارم وغيرهم من أدباء المرحلة.
خصائص المدرسة الكلاسيكية العربية
تشابهت كثيرًا المدرسة الكلاسيكية العربية بالمدرسة الغربية في الأسلوب القوي والاهتمام الشديد بقواعد اللغة، إذ كان من الصعب وجود خطأ لغوي في القصيدة، إضافة إلى الاهتمام الكبير بالديباجة، وهو ما ظهر في أشعار الجارم وحافظ والبارودي على الرغم من اختلاف طرقهم في الالتزام بالشكل الكلاسيكي؛ فبعضهم كان يحاكي شعراء العصر العباسي وبعضهم كان يحاكي شعراء العصر الجاهلي وهكذا.
من الخصائص الواضحة في المدرسة الكلاسيكية العربية هو استخدام القافية الواحدة للحفاظ على الفن القديم، إضافة إلى وحدة القصيدة مع أنَّ بعضهم كان له محاولات واجتهادات للتجديد داخل النص الشعري.
ولعلَّ أهم سمات المدرسة الكلاسيكية العربية هي الموضوعات الجامدة والقديمة التي لم يطرأ عليها أي تغيير أو تجديد بما يتناسب مع تطور العصر ومتطلبات الحياة، مع أن الكلاسيكية الغربية كان لها تجليات في موضوعات أكثر تحررًا، لكن الكلاسيكية العربية كانت تهتم كثيرًا بمدح الحكام والحاشية، والاهتمام الكبير بالطبقات العليا من المجتمع دون العناية بالطبقات الدنيا.
ومع القناعة الكبيرة لشعراء المدرسة الكلاسيكية بتقليد الأدب القديم، فكانت المعاني متداولة والأفكار شائعة وعدم الانشغال بالابتكار أمر معتاد، فكان هدف الكلاسيكيين العرب هو بقاء الشكل ونقاء اللغة الأصيلة، وبذلك كان الأمر يدور في دائرة الحياة والسياسة والاقتصاد والاجتماع بأنماط قديمة، مثل المدح والرثاء والفخر، واتجه بعضهم إلى قضايا الوعي والثورة والظلم الاجتماعي في مرحلة متقدمة من المدرسة الكلاسيكية.
رواد الكلاسيكية العربية
يوجد عدد من الأسماء التي برزت في المدرسة الكلاسيكية العربية التي سميت أيضًا بالمدرسة الاتباعية المعنوية والمدرسة الأسلوبية ومن أهم هؤلاء الرواد:
محمود سامي البارودي
يعد كثير من النقاد والأدباء محمود سامي البارودي هو الرائد الأول للكلاسيكية العربية الذي كتب بالشكل الكلاسيكي في عدد من الأغراض الشعرية، مثل الهجاء والغزل والحماسة والمدح والفخر والحكمة، واتسمت كتابته بضبط كبير للغة، إضافة إلى الجنوح للناحية الأخلاقية التي كانت أحد سمات المدرسة الكلاسيكية، ويتميَّز البارودي بالمعالجة الفلسفية والبراعة الشديدة في النظم.
أحمد شوقي
يعد أحمد شوقي هو أكثر شعراء المدرسة الكلاسيكية شهرة الذي لُقِّب أيضًا بأمير الشعراء، وكان من الأدباء الذين نالوا فرصة كبيرة للحصول على تعليم مميز في الجامعات الفرنسية، وهو ما جعله يطلع على الحضارة الغربية، إضافة إلى ثقافته الواسعة وهضمه الكبير للحضارة العربية، وكان أحمد شوقي بارعًا في مزج الحكمة باللغة سواء في دواوينه الشعرية أو مسرحياته التي كانت خير مثال للمدرسة الكلاسيكية العربية.
حافظ إبراهيم
كان حافظ إبراهيم من الأدباء الذين انشغلوا بهموم وقضايا الشعوب العربية، لذلك فكان أحد رواد المدرسة الكلاسيكية في الأدب، وكذلك أحد رواد النهضة العربية الذين سعوا للنهوض بالبلاد ومقاومة الظروف الصعبة التي كانت تمر بها المنطقة العربية في ذلك الوقت عن طريق شحذ الهمم، وإثارة القضايا عن طريق أفكاره وآرائه ونشاطاته، وكذلك عن طريق أشعاره التي تضمنت التهاني والمدائح والهجاء والغزل والرثاء، إضافة إلى الكتابات السياسية، لكن الأمر كله كان يدور داخل إطار المدرسة الكلاسيكية.
معروف الرصافي
مع أنَّ الكاتب العراقي معروف الرصافي يُعدُّ من أهم رموز ورواد المدرسة الكلاسيكية في الأدب العربي، لكنه كان يتميز بالفيض الجارف من العواطف والمشاعر التي تحملها كتاباته التي منحته مكانة خاصة بين أدباء تلك المرحلة، إذ كان ينجذب كثيرًا للوصف الشعوري والأقاصيص الحزينة، ويتفاعل مع الفقر والبؤس؛ ما دفعه إلى انتقاد السلطات، ودعوته إلى ثورة سياسية واجتماعية لتغيير الأحوال في شتى البلاد العربية.
أبو القاسم الشابي
من الأسماء الكبيرة واللامعة والشهيرة أيضًا في المدرسة الكلاسيكية العربية الذي منحته وظيفة قاضٍ في الأزهر فرصة للتنقل بين الأمكنة والبلدان، وهو ما ظهر في وصف عدد من المشاهد الجميلة في قصائد أبو القاسم الشابي الذي التزم بالأسس الكلاسيكية، لكنه كان منفتحًا على الثقافات الغربية، وكان يحمل كثيرًا من أفكار التجديد والتغيير التي صنعت منه مادة للجدل عند كثير من المحافظين من الأدباء والمثقفين، ومع انتشار أعمال أبو القاسم الشابي من طريق مجلة (أبوللو)، لكن تجربته لم تستمر طويلًا؛ نظرًا لوفاته صغيرًا وهو في الـ٢٥ من عمره.
ومع أنَّ المدرسة الكلاسيكية في الأدب العربي ضمَّت عددًا من الكتاب والشعراء من مختلف الأقطار العربية، لكننا ذكرنا بعض أشهر هؤلاء الكتاب للتعريف بالمدرسة التي كانت أحد أهم مدارس الكتابة العربية التي أسهمت كثيرًا في نهضة الثقافة العربية في مرحلة من أصعب مراحل التاريخ.
وفي الأخير نرجو أن يكون مقالنا عن المدرسة الكلاسيكية قدَّم لك المتعة والإضافة والرغبة في قراءة أعمال تلك المرحلة، ويُسعدنا كثيرًا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.