المدخل الوضعيّ


تمهيد: الوضعيَّة موقف فلسفيّ يدَّعي أنه يمكن اشتقاق المعرفة من التّجربة الحسيّة، ويطلق بارسونز مصطلح الوضعيَّة على أي نظرية اجتماعية ترى أن العلم الوضعي يمثّل العلاقة المعرفيّة الوحيدة والممكنة للإنسان بالحقيقة الخارجيّة. 

أما الاتجاه الوضعي فهو نموذج منهجي يسعى إلى الاستناد إلى المشاهدات والتجريب للوصول إلى القوانين العامّة الَّتي تخضع لها الظواهر، ويسعى إلى أن يصير التفسير في علم الاجتماع محاكيّا لنماذج التفسير في العلوم المضبوطة مستخدمّا أساليبها المنهجية نفسها في الوصول إلى هذا التفسير، رافضًا كل الاتجاهات، والافتراضات، والأفكار، الَّتي تتعدى حدود الأسلوب العلميّ.

أولًا: الأسس المنهجية للوضعية: إذا أردنا أن نبحث في الفلسفة الوضعيَّة عن مقولة تلخص لنا جوهر الفكرة الوضعيَّة الَّتي قامت عليها سنجد بذرتها عند سان سيمون حيث يقول: إن أكبر وأشرف وسيلة لدفع العلم نحو التقدّم هو جعل العالم في إطار التجربة، ولا نقصد العالم الكبير وإنّما هذا العالم الصغير، يعني الإنسان الَّذي نستطيع إخضاعه للتجربة. 

إذا فالوضعيَّة قد قامت أصلًا لمقاومة كل تفكير يخرج عن دائرة الحس سواء أكان تفكيرًا دينيًا أو ميتافيزيقيا أو عقليًا، فهي لا ترى المنطق السليم سوى في المعرفة الواقعية المنتزعة من الحس. 


وهناك عدّة أسس منهجيّة تقوم عليها الوضعيَّة يمكن طرحها في النقاط الآتية: 

1. اعتبار الإحساس وحده مصدرًا للمعرفة الاجتماعية: فالأساس الوحيد الَّذي تعتبره الوضعيَّة هو تقدير الطبيعة وتقييمها وحدها كمصدر للمعرفة، والطبيعة أو الواقع أو الحس كلها تدل على معنى واحد في نظر الوضعيين وتقدير هذه الفلسفة الطبيعيّة لا كمصدر مستقلّ للمعرفة فحسب، بل كمصدر فريد للمعرفة اليقينيّة... وكل ما يأتي من وراء الطبيعة خداع للحقيقة وليس حقيقة. 

2. اعتبار النموذج الطبيعيّ سلطة مرجعية للعلوم الاجتماعية: إن نموذج العلوم الطبيعيّة أو الفيزيائيّة يتردّد كثيرًا في عبارات دوركايم وليفي بروهيل، وقد حاولا استخدام مناهج العلوم الطبيعيّة القائمة على الملاحظة والتجربة وذلك لتأكيد وحدة العلم عبر تأكيد وحدة المنهج التجريبي على أجزاء الكون في جانبيه المادي والمعنوي، فالوضعيَّة تقوم في أساسها على تأكيدها وحدة المنهج في التفكير بغض النظر عن الموضوع المدروس، وهي تريد بذلك سدّ الطريق أمام ذلك الانفصام الَّذي كان يعاني منه جيل ما قبل الوضعيَّة حينما كان يستخدم المنهج الوضعي في معالجة العلوم الطبيعيّة والمنهج اللاهوتي في العلوم الاجتماعية. 

3. إخضاع الظواهر الاجتماعية للتجريب: والهدف من هذه النزعة التجريبية هو تحقيق العلميّة في العلوم الاجتماعية، فالمنهج التجريبي يهدف بالدرجة الأولى إلى إقصاء التجريدات والتأملات؛ فهو يستعيض عن الخيال بالملاحظة والتسجيل الدقيق للوقائع، فالمقصود بالتجربة هنا ليس التجربة المعملية وإنّما التجربة الاجتماعية الَّتي تقوم على مقارنة الظواهر في حالة تشابهها واختلافها. 

4. شيئية الظواهر الاجتماعية:  يعتبر دوركايم الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء خارجة عن ذواتنا وهو يقول: إن الظواهر الاجتماعية أشياء ويجب أن تدرس على أنها أشياء، ويوضح دوركايم في إسهاب معنى الشيئية: إننا لا نقول في الواقع بأن الظواهر الاجتماعية أشياء مادية ولكننا نقول أنها جديرة بأن توصف بأنها كالظواهر الطبيعيّة تماما.... ومعنى أن نعتبر الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء هو دراستها بنفس الطريقة الَّتي تدرس بها الظواهر الطبيعيّة، وأن نتحرَّر من كل فكرة سابقة حول هذه الظواهر، وأن تأتي معرفتنا بها من الخارج عن طريق الملاحظة والمشاهدة، وليس من الداخل عن طريق التأمل والاستبطان. 

ثانيًا: أهم الأفكار الَّتي يشتملها الاتجاه الوضع: 

1. تضخم العقائد العلميّة. 

2. اختزال الحقيقة الاجتماعية في جوانبها الماديّة الواقعيّة.

3. اختزال الطبيعة الاجتماعية في جانبها العضويّ الفيزيقيّ.

4. اختزال الظواهر الاجتماعيّة في جانبها الواقعيّ.

ثالثًا: ظروف وأسباب ظهور الفكر الوضعيّ:

1. الوضعيَّة كتقويض الفكر الديني ونشأة العلمانيّة: هناك عدّة أسباب ساهمت في ظهور التفكير الوضعي ودواعي قيام المنهج الوضعي وتقويض الفكر الديني، ويرى الوضعيّون أن هناك حقيقة أصبحت من المسلّمات في تاريخ الفكر الغربي وهي أن الصراع بين العلم والدين كان ضرورة تاريخية لا محيد عنها، فهما ضدان لا يجتمعان وعدوّان لا يتصالحان وكلا منهما يسعى إلى تدمير الآخر. 

وفي تركيز شديد يعرض الكثيرون أسباب الحملة العلمانيّة على أسلوب التفكير الديني، والَّتي تمخضت عن اقتناع الغرب بضرورة قيام المنهج الوضعي.

2. أسلوب التفكير اللاهوتي الَّذي انتهجته الكنيسة: كان تفكير الكنيسة يتجه معاكسًا للحقيقة والواقع، وظل موغلًا في ميتافيزيقيا عقيمة... وكانت النزعة المضادة أول الأمر تهدف إلى إزالة ما علق بالدين من الخرافات الَّتي نسجها البابوات حول الفكر الديني باسم الدين، ولذلك نجد أن فلاسفة القرن السابع عشر أمثال اسبينوزا وليبنز، ممن قاموا بإصلاحات دينيّة على أساس من التعاليم المسيحية الأصيلة، قاموا بمحاولة تعليل عقلي للمسيحية وأطلقوا على هذا التعليل دين الطبيعة أو دين العقل. 

ويتضح من هذه المحاولات أن الَّذين انتقدوا أو تجاوزوا بنقدهم الميتافيزيقيا إلى الدين لم ينقدوه إلا لتنقيته من العقائد غير المعقولة، ولم ينتقدوا الإيمان في حد ذاته، فكان من الطبيعي أن يقف المفكرون الأحرار الَّذين رفضوا قرارات الكنيسة في وجه هذا التيار الديني العارم، ويعلموا على تقويضه، فإذا كانت تلك هي سمة الفكر الديني: الخرافة والوهم فإن الفكر الحر لا يسعه إلا أن يخالفه ويعلن علمانيته. 


3. اضطهاد الكنيسة للأسلوب العلمي في التفكير: مضت الكنيسة في احتكارها لمجال التفكير، بل والتقديس العقلي للكلمة المنقولة، ولعلنا لا يغيب عن أذهاننا المحاكم العلنيّة الَّتي كانت تقام لمحاكمة العلماء وإعدامهم، والَّذين كانوا يأتون بالأفكار العلميّة المناهضة لما تؤمن به الكنيسة، وكنتيجة لهذا الإرهاب الَّذي تمارسه الكنيسة ووقوفها بوجه العلم، ظل التفكير العلميّ جامدًا طوال الفترة الَّتي امتدّ فيها نفوذ الكنيسة وهي تقع بين فترتين ازدهر فيها التفكير العلمي، ففي العهد اليوناني كان هناك ثقافة وفكرًا متحررًا شديد الازدهار، ومع تنحي سلطان الكنيسة وإحياء الروح العلمانية في القرن الخامس عشر وما بعده استردّ الغرب الروح العلميّة وتفتحت حضارته من جديد، فاستقر في ذهن الأوروبي وجود علاقة عكسية بين الدين والحضارة، بمعنى أنه كلما سيطر الدين ماتت الحضارة وكلما تنحى استردت الحضارة روحها. 

وهكذا نرى أنه قد كانت هناك عدّة عوامل تاريخيّة كان لها دورها في بلورة الاتجاه الوضعي وعودته إلى السطح الأيديولوجي وبقوّة، بغض النظر عن مدى صوابه واتفاقه مع العقل الَّذي يعمل على تقديسه. 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

مقال رائع
ارجو ان تقرأ مقالتي وتعطيني رأيك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب