لطالما شكّلت المجتمعات البدائية المرحلة الأولى في مسيرة تطور الإنسان، فهي تمثل صورة الحياة الأولى التي عاشها البشر قبل نشوء الحضارات الكبرى، حيث البساطة في المعيشة، والعلاقة المباشرة مع الطبيعة، ونظام الحياة القائم على الصيد وجمع الثمار.. في هذا المقال، سنتناول تعريف المجتمعات البدائية، خصائصها المميزة، وأمثلة على أشهرها.
مفهوم المجتمع البدائي
تُدرج عادة تحت مصطلح (المجتمعات البدائية) كل المجتمعات ما قبل الصناعية، ذات التراث المرويِّ، أي التي تجهل الكتابة أو لا تستخدمها، وذلك لتمييزها عن المجتمعات الأوروبية والشرقية، وهي تدخل في نطاق دراسة علم الأنثروبولوجيا، غير أن إطلاق تسمية (بدائية) على هذه المجتمعات يعود لمجموعة من الأحكام المسبقة أكثر منه لكونها (بدائية) فعلًا.

فضلًا عن أن هذا المصطلح مستخدم للدلالة على مجموعة كبيرة من المجتمعات المتفاوتة جدًا فيما بينها من حيث تنظيمها الاجتماعي ومستوى تطورها الاقتصادي والثقافي والسياسي، لدرجة أنه بالإمكان إقامة ترتيب هرمي ضمنها تكون بعضها فيه (بدائية) بالنسبة لأخرى، وهذه التسمية قد توحي بأن التنظيم الاجتماعي فيها يمثل مرحلة تاريخية بدائية سبق ومرت فيها المجتمعات المتطورة، في حين أن كلًا منها تمثل تكيفًا متميزًا مع الشروط البيئية التي تعيش ضمنها، وتعبيرًا مبدعًا لقدرات الإنسان على خلق الشروط الاقتصادية والاجتماعية لاستمراره.
خصائص المجتمع البدائي
يتسم المجتمع البدائي بعدد من الخصائص التي تميّزه عن غيره من المجتمعات، سواء من جهة البنية الاجتماعية أو أسلوب الحياة أو التنظيم الاقتصادي والثقافي، وقد كانت هذه الخصائص ناتجة عن نمط الحياة البسيط، وغياب الوسائل التكنولوجية والتنظيمات المعقدة، وفيما يلي أبرز خصائص المجتمع البدائي:
-
البساطة في التنظيم الاجتماعي
يتكوّن المجتمع من قبائل أو عائلات مترابطة، ويكون لكل جماعة قائد أو شيخ يُحترم لما يمتلكه من حكمة وخبرة، دون وجود مؤسسات سياسية أو سلطات مركزية.
-
الاعتماد على الطبيعة
يعتمد أفراد المجتمع على البيئة المحيطة لتأمين حاجاتهم الأساسية، مثل الطعام، والماء، والمأوى، من خلال الصيد، وجمع الثمار، وتربية الحيوانات، والزراعة البدائية.
-
انعدام الكتابة وانتقال المعرفة شفهيًا
تنتقل الثقافة والمعارف من جيل إلى جيل عبر القصص والأساطير، إذ لا وجود لنظام كتابة أو توثيق علمي.
-
الاقتصاد التبادلي
لا تُستخدم النقود، بل يتبادل الأفراد والمجتمعات السلع والخدمات مباشرة (نظام المقايضة).
-
قلة التخصص المهني
لا توجد مهن متخصصة، فغالبًا ما يؤدي الشخص الواحد عدة أدوار داخل مجتمعه مثل الصيد، والبناء، والرعي، دون تقسيم دقيق للعمل.
-
نظام معتقدات بسيط
تكون المعتقدات الدينية قائمة على الروحانيات، وعبادة قوى الطبيعة، والأسلاف، وعادة ما تكون جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.
-
العزلة الثقافية
تعيش هذه المجتمعات في عزلة نسبية عن العالم الخارجي، مما يؤدي إلى الحفاظ على تقاليدها وعاداتها دون تغييرات كبيرة عبر الزمن.
-
التماثل والتجانس الثقافي
يتشابه أفراد المجتمع في العادات واللغة والمعتقدات، مع ندرة وجود اختلافات أو تنوع ثقافي داخل الجماعة.
-
الترابط الأسري القوي
العائلة أو العشيرة هي الوحدة الأساسية في المجتمع، والتعاون بين أفرادها يعد أمرًا حيويًا للبقاء.
-
استخدام أدوات بسيطة
تعتمد هذه المجتمعات على أدوات مصنوعة يدويًا من الحجارة، والخشب، والعظام، وتفتقر لأي آلات أو تقنيات متقدمة.

أمثلة على المجتمعات البدائية
إن كان بالإمكان إطلاق مصطلح (البدائية)، فهذا لن يكون إلا على عدد محدود جدًا من المجتمعات التي تفككت أو هي في طريقها للزوال، فهي تقوم كلها على أبسط تنظيم اجتماعي معروف: العصبة (La Bande).
ورغم أن غالب المجتمعات البدائية قد اندمجت أو اختفت بفعل التحديث والاستعمار، فإن بعضًا منها لا يزال موجودًا حتى اليوم، ومن أبرز الأمثلة:
- قبائل الأمازون: تنتشر في غابات الأمازون في أمريكا الجنوبية، وتعيش على الصيد وجمع الثمار.
- البوشمن (السان): قبائل إفريقية تعيش في صحراء كالاهاري، وتُعد من أقدم الشعوب في العالم.
- السكان الأصليون لأستراليا (الأبوريجين): يتمتعون بثقافة روحية غنية وطرق معيشة بسيطة قائمة على الصيد والتنقل.
- الإينويت (الإسكيمو): يعيشون في المناطق القطبية ويعتمدون على صيد الأسماك والحيوانات البحرية.
- قبائل بابوا في غينيا الجديدة: تعيش في عزلة نسبية، وتحافظ على نمط حياة تقليدي وزراعة بدائية.
وتضم كل عصبة عائلة أو مجموعة عائلات (عشرات من الأفراد)، وكل مجموعة من العصبات تشكل وحدة ثقافية لها اللغة نفسها والثقافة نفسها، غير أن الصلات ضمن هذه الوحدة تنحصر غالبًا في التزاوج وإحياء بعض الطقوس في أثناء الأعياد، إذ إن كلًا منها تشكِّل بمفردها وحدة اقتصادية - سياسية مكتفية بذاتها ولها حيزها الجغرافي، ويقوم على رأسها زعيم لا تتعدى سلطته حدود العصبة، وصلاحياته ضمنها تقتصر غالبًا على مجال الصيد (قيادة الرحلات، تحديد خط السير ومكان المخيم .. إلخ)، وأحيانًا تمتد لتطال الشؤون الدينية، وفي بعض المجتمعات، لا يكون للزعيم أية سلطة قضائية، وعندها تُحل النزاعات استنادًا للأعراف المتوارثة، أما الصراع مع التجمعات الأخرى، فهو أمر نادر الحدوث.
هذا التنظيم يميز المجتمعات التي تعيش على الصيد والالتقاط والقطاف، وهي لا تعرف التقسيم الاجتماعي للعمل إلا بشكله الأكثر بدائية، أي التقسيم بحسب الجنس، فالرجال يتولون شؤون الصيد، والنساء يلتقطن الحيوانات الصغيرة ويقطفن ويعتنين بالأطفال والمسكن، أما أدوات الإنتاج (قوس، عصا .. إلخ) فهي ملكية فردية، في حين أن الطرائد التي يتم اصطيادها جماعيًا تكون ملكًا للجماعة، وتُوزع ضمن نظام معين.
إن شروط البيئة، وضعف مستوى التطور التقني، وغياب فائض الإنتاج، وصغر حجم العصبة، والتكامل الضروري والحيوي بين أفرادها، ينفي إمكانية وجود تمايز طبقي وتضارب مصالح داخل العصبة، وضمن هذه الشروط، يتم الحفاظ على تماسك الجماعة بواسطة أيديولوجية تستمد شرعيتها وهيكلها من نظام القرابة القائم والمعتقدات الدينية، وهي تملي نظامًا للأعراف والسلوك للجماعة التي تقمع -بوصفها كذلك- أي انحراف فردي.
الاندماج الاجتماعي
وابتداءً من هذا التنظيم البسيط، يمكن رصد عدد كبير من الدرجات والتنظيمات المتمايزة، بحسب البيئة أو النشاط الاقتصادي أو طريقة انتظام السلطات.. إلخ، وعامة يصنف علماء الأنثروبولوجيا (المجتمعات البدائية) في 3 مستويات من الاندماج الاجتماعي - الثقافي هي: العصبة، العشيرة، القبيلة.
وليس لمصطلحي (عشيرة وقبيلة) هنا علاقة مباشرة مع التنظيم البدوي، والهدف من استخدامهما هو الدلالة على وحدات اجتماعية - سياسية، ذات أبعاد متمايزة.
ويعين مصطلح العشيرة (Tribu) درجة من الاندماج الاجتماعي لعدد كبير نسبيًا من العائلات التي تجمعها روابط الانتماء لجد مشترك (حقيقي أو وهمي)، وضمن هذا التجمع تنشأ عدة تقسيمات، إضافة إلى تقسيمات القربى التي تبقى أساسية، لتخلق تماسكًا في لُحمة القبيلة (مراتب بحسب السن، جمعيات محاربين.. إلخ)، ويزداد الانقسام الاجتماعي للعمل نسبيًا، ما يرفع من وتائر الإنتاج، ويخلق فائض عمل بسيطًا يتيح المجال لنشوء لا مساواة اجتماعية نسبية، وظهور بعض التراتب في السلطة أو المكانة، غير أن هذا التمايز لا يعود فقط لأسباب اقتصادية، بل تكون فيه أيضًا (لأسباب اجتماعية أو دينية) عشيرة ذات اعتبار أكثر من غيرها، مثل (احترام الأكبر سنًا، أرجحية رأي رجل دين.. إلخ). أيضًا فهذا التراتب قد لا يستمر مع الأجيال ولا يتمقنن أو يتمأسس، بل يعيد إنتاج نفسه مع كل جيل أو أكثر.

هذه المجتمعات تعرف الزراعة وتربية الحيوانات، إلى جانب النشاطات الأخرى (الصيد وغيره)، وهذا ما سمح لها غالبًا بحياة مستقرة نسبيًا، وبعض الوفرة، دون أن يؤدي هذا إلى نشوء طبقات بمعنى الكلمة، أو تناقضات مصالح ذات طابع اقتصادي بحت، وهذه الأخيرة إن وُجدت، فهي ذات طابع فردي، ويبقى الناظم الأساسي للتماسك الداخلي هو التضامن القبلي الذي يستمد قوته، بهذا الشكل أو ذاك، من علاقات القرابة، وهو ينفي إمكانية وجود مؤسسات سياسية مستقلة.
القبيلة (Chefferie)
في المستوى الثالث: القبيلة (Chefferie) تنخفض أهمية علاقات القرابة في تحقيق التماسك الاجتماعي، وبالمقابل، يزداد الانقسام الداخلي إلى فئات متمايزة فيما بينها بحسب معايير تستند إلى مقام الأفراد أو وضعهم الاجتماعي - الاقتصادي أو الأيديولوجي (نبلاء، رجال أحرار، عبيد... إلخ) ما يفترض أن اللامساواة بين أفراد المجتمع أصبحت أكثر عمقًا، وتنطوي على تناقضات معقدة تتجاوز إطار الصراع العائلي أو العشائري، وتدعو لنشوء آلية للتحكم الاجتماعي أكثر امتدادًا من نظام القرابة وإن كانت لا تنفيه.
لكن هذه الآلية ليست بعد الدولة، إذ إن السلطة في مثل هذه المجتمعات ينقصها استقلال الحقل السياسي عن الحقول الأخرى (الاقتصادية، الدينية، إلخ)، وليس هناك بعدُ وظائف سياسية محددة وتراتبية ولا أجهزة خاصة (جهاز موظفين، جيش مهني)، ومن الصعب وصف طريقة عمل السلطة في هذا المستوى، كون التمايز كبيرًا بين هذه المجتمعات.
لكن يمكن اعتبار 3 مميزات أساسية لهذا التنظيم:
- الاستقرار.
- الانقسام الاجتماعي للعمل على قاعدة من التخصص، يأخذ طابعًا إقليميًا ويفترض نشوء التبادل، ما يسمح برفع مستوى الإنتاج والحفاظ على كثافة عالية للسكان، مع توزيع غير متكافئ للخيرات المادية.
- تشكل الملامح الأولى لجهاز سياسي قسري يفرض سلطته على الوحدات السياسية الصغرى والكبرى، استنادًا لمجموعة مفاهيم جديدة (الانتماء والخضوع) متمايزة عن مفاهيم نظام القرابة، الذي لم يعد يشكل نموذجًا للسلطة على المستوى الاجتماعي.
أخيرًا تشكل المجتمعات البدائية حجر الأساس لفهم مسيرة الإنسان وتطوره الاجتماعي والثقافي، فبينما نعيش اليوم في مجتمعات معقدة تعتمد على التكنولوجيا والتنظيم، تذكرنا هذه المجتمعات البسيطة بأن جذورنا ضاربة في البساطة والتفاعل المباشر مع البيئة، ومن خلال دراستها، نستطيع أن نُقدّر رحلة البشرية الطويلة من حياة الغابة إلى المدن الحديثة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.