العلاقة بين مفهومين لهما اتصال بالفكر الحداثي والحيز الفردي، وهو مختلف تمامًا عن الحيز الجمعي وعقله الدائري، على الرغم مما أصاب المفهومين من تحولات وتأويلات متنوعة جعلت كل منهما يتصف بالمراوغة والزئبقية، كون المعنى متحول، فيه تغير من حيث التشخيص على من يمكن أن نطلق كلمة مثقف؟
اقرأ أيضاً الثابت والمتحوّل في عرض «الفزعة»
الفعل الثقافي والإبداع
الفعل الثقافي القائم على خلق إبداع وتجدد يتجاوز التقليدي والسائد في مجال الإبداع الأدبي والفني في الشعر والمسرح والغناء والموسيقى، وهو يخلق تعابير ثقافية جديدة عن حياتنا المعاشة.
هذا الفعل ممكن أن يقودنا إلى وضع تأمل عقلي في ظاهرة المثقف التي من أبسط لوازمها أن يتصف بها المثقف بشرط الوعي والفهم الصحيح القائم على مساحة رحبة من سعة الأفق؛ كونها من لوازم الحيز الفردي أن الفرد يمتلك تلك السمات حتى نقول إنه ينتمي إلى ظاهرة المثقف، لكن ما يزال الخطاب النخبوي يرى أن مفهوم المثقف قرين بالدور الرسالي الذي يقوم به داخل المجتمع ويكون له دور في خلق التحول داخل المجتمع عبر إشاعة الوعي.
اقرأ أيضاً طه حسن وثقافة التنوير والحرية
بيان المثقفين وأثره
لكن مفهوم المثقف وليد الحيز الفردي غربيًا قد ارتبط إلى حد ما بـ"بيان المثقفين"، الذي ظهر أول مرة في بيان نشرته جريدة (لورو) الفرنسية عام 1898م بعنوان "بيان المثقفين"، وكان موقعًا من مجموعة من المثقفين الفرنسيين من أمثال (إميل زولا) و(أناتول فرانس) وغيرهما، يطالبون فيه بإعادة محاكمة ضابط فرنسي من أصل يهودي تمت محاكمته وإدانته عام 1894م بالتجسس لصالح ألمانيا، وأثبتت عائلته زيف الوثائق التي أدين بسببها، واتجهوا إلى الرأي العام الفرنسي لدعم قضيتهم، فتبناها هؤلاء المثقفون، بعد صدور البيان، انقسم المجتمع الفرنسي إلى معسكرين: مؤيد (التجمع الجمهوري)، ومعارض (الوطنيون).
وبعد صراع، تمت إعادة محاكمة الضابط وتبرئته، على الرغم من كونه كان يجد هذا التصنيف غير مسوغ بل خطأ، إذ يقول في هذا: "يبدو لنا أكثر الأخطاء شيوعًا، هو البحث عن معيار التمييز في الطبيعة الجوهرية لأنشطة المثقفين، بدلًا من البحث عنه في مجمل نسق العلاقات التي تجري فيه هذه الأنشطة".
إدوارد سعيد ودور المثقف النقدي
بمعنى أنه لا يقيم الفصل على أساس التصنيف بل يبحث في نظرية الهيمنة التي أنتجت هكذا مثقفًا نخبويًا، وعلى الرغم من هذا كان أنطونيو غرامشي (1891م-1937م) سبّاقًا في تشخيص دور المثقف العضوي ودوره في نشر الوعي وهو يؤكده بالقول: "إن البرجوازية تخشاهم وتعرف أن نفوذهم كبير، ولذلك تحاول أن تشتريهم بأي شكل".
أما إدوارد سعيد فيرى تعريفًا مختلفًا هو "المثقف النقدي"، من خلال التمييز بين نموذجين من المثقفين: نموذج يرى أن دوره الأساسي خلق الإجماع وتوحيد المعاني وصوغ أحلام الجماعة ومشاريعها الكبرى، بينما يقف النموذج الآخر في حالة استفسار مستمرة، فيستجوب الإجماع، ويخشى الاتفاق، ويبقى في حالة مساءلة متواصلة مع تلك القيم السائدة.
وإدوارد سعيد ينظر إلى المثقف بصفته هذه: إنه دائم التساؤل، والمشاكس الذي يخشى الإجماع، لأن هناك مَن يختنق دائمًا تحت سحابة هذا الإجماع، ولأن الصوت الواحد والموحد والوحيد، يأتي دائمًا على حساب أصوات جرى إخراسها، ودور المثقف هو استعادة الأصوات الخرساء، بناء عليه، ليس مفاجئًا أن ترى سعيد يستلهم تراث جوليان بيندا في حديثه عن المثقفين.
وبعد هذا التوصيف للمثقف نجد هناك تعريفًا عامًا للمثقف كون المثقف هو الإنسان المتعطّش للقراءة والبحث والاطّلاع، هو الذي يستطيعُ أن يرى ويُناقش ويبحث في كلّ الأمور بذهنٍ منفتحٍ وبنقد بنّاء وتحليلٍ مقنع، مَن يقرأ بنَهم ليكتسبَ العلم ويزيد من رصيدِهِ المعرفيّ، مَن يمتلك رؤيةً شاملة لكلّ موضوعٍ يُطرَح أمامه ولديهِ من الخبرةِ والتجربة الكثير، المثقف مَن تنعكس ثقافته على سلوكِه وتصرفاته فيتقبل الآراء والنقد بصدرٍ رحْب، ومَن جنّد نفسه ليدافعَ عن قضايا مجتمعهِ ساعيًا إلى خلقِ فضاءٍ أكثرَ انفتاحًا وتطورًا ممَّا هو عليه.
وبهذا التوصيف يكون مفهوم المثقف مفهومًا حيويًا في توصيف نشاط مجموعة من المثقفين في العالم العربي كان لهم دور مهم في إحداث التحول، والمطالبة بالتنوير الذي يغير طبيعة الخطاب المهيمن في الحيز الجمعي، ويجعل للفرد دورًا في المطالبة بالحقوق والعدالة والمساواة، والمشاركة السياسية، وهو يتجاوز التمركز حول الهوية الصافية في جدلية علاقتها مع الآخر كون الأنا مكتظة بحضور "الأنوات" الأُخرى، وهذه الـ"نحن" تحوي في داخلها "هم" و"أنتم".
اقرأ أيضاً كتب عابد خازندار ونشأته وحياته.. أمين خزائن الثقافة السعودية
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.