في زمن التحول الرقمي، تتسارع تقنيات الذكاء الاصطناعي وتتداخل مع معظم مجالات المعرفة، بدأت الأسئلة تثار عن مصير المثقف التقليدي. فهل لا يزال يوجد دور فعلي له في عصر الآلات؟ وهل يُهدَّد وجوده المعرفي والرمزي أمام قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المحتوى وتحليل الظواهر؟ هذه المقالة تفتح بابًا للتفكير في موقع المثقف من الثورة التكنولوجية المتسارعة، وتحاول إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمعلومة.
المثقف في مهب رياح التكنولوجيا.. مخاوف وتساؤلات
في خضمّ التحوّلات التكنولوجية التي أدّت إلى نشوء الذكاء الاصطناعي تلك البرامج التي تُستعمل في أغلب المجالات، صار المثقف يشعر بأنه مهدّدٌ في مكانته الاجتماعية، ومهدّدٌ في دوره البالغ الخطورة جيلًا بعد جيل، ومع اعتبار أن المثقف عظيم الدور، إذ يرى هابرماس يورغن «Jürgen Habermas» أن النخبة المثقفة هي محرّك التغيير في المجتمعات الحديثة، فأي مجتمع ليس له نخبة فاعلة تاريخيًا لا يمكنه أن يتجه نحو الأحسن.

نظرًا لهذا الدور الأساسي، فإن ما يمكن للمثقف أن يعالجه بخبرته المعرفية والفلسفية مدة غير قليلة، يمكن للكمبيوتر معالجته في لحظات، وما قد يعجز عن تفسيره وتحليله تحليلًا دقيقًا، يتولّى الذكاء الاصطناعي إنجاز المقالات الطويلة عنه بسرعة هائلة وبنقرات بسيطة.
وقد يقول قائل: كيف يمكن مقارنة ذكاء آلي بذكاء بشري؟ وما أوجه الشبه؟ فنقول له إن الذي يجعلنا نُحدث هذه المقارنة؛ هو تقلّص الدور البشري أمام التطور الصاروخي للتكنولوجيا التي انتشرت انتشار النار في الهشيم في كل المجالات، حتى الإنسانية منها، مستعينة بمخزونها التراكمي غير المحدود من المعلومات والتجارب والأحداث والتفاعلات الرهيبة، رغم وجود تفاعل إيجابي للمثقفين وتبديل غير منصف للأدوار.
لذا، هل بات من حق المثقف أن يشعر بالقلق بخصوص موقعه ممّا يدور حوله من تسارع تكنولوجي؟ من زاوية أخرى، هل ما زلنا بحاجة إلى مثقف بشري نلجأ إليه ليفسّر لنا ظواهرنا الاجتماعية ويُسهم في التنمية المجتمعية والاقتصادية والثقافية اللازمة رفقة الدور الجديد للذكاء الاصطناعي؟ أم إنّ هذا الأخير سيعوّض كل المثقفين تعويضًا تامًا يجعلنا نتناسى المثقف البشري التقليدي الذي يحشر أنفه في كل المسائل ويطرحها بطريقة مستجدّة؟ وهل استعمال المثقف للذكاء الاصطناعي انتقاصٌ من هيبته العلمية ومكانته المعرفية إذا ما كان هذا الاستعمال دائمًا وشاملًا؟ وهل يسهم الانتشار الفظيع للبرامج الجديدة في تدهور مكانة المثقف المتدهورة أصلًا؟ أم أنّ المثقف هو عنصر، كأيّ عنصر في المجتمع، هو بحاجة ماسة إليه أكثر من غيره؟ بل يظهر من جهة أخرى أنه الأكثر استفادة منه بالنظر إلى طريقة تفكيره المختلفة وحريّته البشرية من التحكّم الفوقي؟ ونختصر الأمر في السؤال الأساسي: ما موقع المثقف من الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يتفاعل معه؟
المثقف: تعريفات متعدّدة ودور محوري
قبل الخوض في العلاقة التي يجب أن تكون المنظِّمة لهذا العالم الذي يتّسم بالتشتّت لمن يخوضه دون تماسك أو تخطيط إستراتيجي، فإنه يكون كالورقة في مهبّ الريح، ويُضيّع كلّ شيء دون أن يقتنص أيّ شيء. ومن المنهجيّ أن نبدأ بتعريف المثقف تعريفًا جامعًا؛ لأنه مصطلح من أكثر المصطلحات تعقيدًا، وفقًا لما توصّل إليه باحثا الاجتماع: ألفريد كروبر «Alfred Kroeber» و«كلايد كلوكهون» «Clyde Kluckhohn»، إذ عثرا خلال بحوثهما على أكثر من 164 تعريفًا للمثقف.
وقد ورد في «الموسوعة السياسية» لعبد الوهاب الكيالي أن الثقافة هي: «الإرث الاجتماعي والفني والأدبي والنشاط المعنوي والمادي للمجتمع، حصيلة الإنتاج الذهني والروحي والفكر القيمي (شق معنوي)، ويتجسَّد في الرموز والأفكار والمفاهيم والنُظم وسُلّم القيم والحسّ الجمالي، والشق الثاني؛ يتكوَّن من مُجمل الإنتاج الاقتصادي والتقني (أدوات وآلات) والبيوت وأماكن العمل والسلاح».

ويُعرّف المثقف أيضًا بأنه الشخص الواسع المعرفة الذي ينظر بمنظور المتمرّس، ويُسهم في الحركة التنموية الشاملة للمجتمع. وقد يُقال إنه ذلك الشخص المُتمكّن في مجالات معرفية عدة، والذي يُجيد عدّة لغات، وينظر إلى الأمور الإنسانية بنظرة مختلفة، ويظهر ذلك في سلوكه وأدواته أيضًا، ويستطيع توليد الأفكار، ويقترح الحلول الممكنة للسلطة المختصة، ويتميّز بالوعي فيما يدور فيه، وقدرته على التأثير، إلى جانب تعريفات أوسع من ذلك.
وإجمالًا لما قيل؛ يمكن أن نُعرّف المثقف بأنه الشخص المُتشبّع بالمعرفة والحكمة، وهو الذي أخذ من الثقافة لبّها، ومن العلوم مناهجها، واستلهم أنواع المعرفة في شؤون حياته، حتى تمكّن من صُنع أبعاد صحيحة مع نقائضه من الأفكار والمعتقدات، يُؤثّر تأثيرًا عابرًا للأجيال ويتأثّر تأثّرًا عابرًا للحدود والمفاهيم، يتقبّل الرأي الآخر على أنه موضوع قابل للنقاش، وأنّ رأيه قابل للتطوّر، وأفكاره بمجملها قابلة للإثراء.
تكمن الخطورة في كون العلاقة مباشرة بين الشخص البسيط والذكاء الاصطناعي دون المرور على غربال المثقف الذي يُرى ظلمًا على أنّ دوره إضافي غير ملزمٍ، وهو ما يُؤرّق ويُهمّش المثقف، وهو المساهم في هذا الذكاء المتطوّر. ثم إنّه ذاته مُحتاجٌ إلى خدمات الذكاء الاصطناعي لبحوثه ودراساته الأكاديمية أو البحوث المستقلة، بل يُتّهم المثقف أنّه فارغٌ من محتواه؛ لأن الذكاء الاصطناعي تولى زمام كل شيء.
الذكاء الاصطناعي: تعريف وتحديات أمام المثقف
لقد جاء تعريف الذكاء الاصطناعي «AI» في الإنترنت على أنه التكنولوجيا التي تمكّن الآلات من إظهار المنطق والقدرات الشبيهة بالإنسان، مثل اتخاذ القرار المستقل. وباستيعاب كميات هائلة من بيانات التدريب، يتعلّم الذكاء الاصطناعي التعرّف على الكلام، والأنماط، والاتجاهات الفورية، وحل المشكلات على نحو استباقيًّا، والتنبّؤ بالأوضاع والحوادث المستقبلية. ومهما يكن، فإنّ المثقف لا يصلح أن يكون روبوتًا، ولا أن يُنافس الذكاء الاصطناعي في كمية الإصدارات، ولا حتى نوعيتها.
المثقف والذكاء الاصطناعي: تكامل لا تنافس
إنّ الذكاء الاصطناعي، إذا حاولنا أن نفهمه، فهو مخزون كبير من البيانات الهائلة والمتنوعة التي تُصدَرُ على نحو منهجي خاص وتستفيد منها الإنسانية كافة في ازدهارها؛ هو في حقيقة الأمر نتاج المثقف عبر العصور والأزمان والعقول من الشرق والغرب، وما قام به الذكاء الاصطناعي هو جمع البيانات وتحليلها تحليلًا سريعًا، ثم تقديم المطلوب منها، والاستعانة بها في التنمية الشاملة للمجتمع، وكأنه إعادة تدوير لنفس المعلومات، بالنظر إلى نوع طالب الخدمة. لكن الذكاء الاصطناعي يبقى محدودًا طبقًا لما قُدِّم له من معطيات التي ليس هو مصدرها، ولن يكون مضمون المصداقية بصفة قاطعة ودائمة، بل إنَّ الثقافة الجماعية، إن صحَّ التعبير، هي التي يعود لها الفضل الأوحد في المكانة التي حصلتْ عليها التكنولوجيا.
والمثقف المعاصر الحقيقي لا يجعل الذكاء الاصطناعي منازعًا له في مكانته، بل يده اليمنى في تمرير رسائله، والمساهمة في نشر أفكاره بين صفوف المجتمع وأزمانه، والأهم من كلّ ذلك أن تبقى أفكاره سارية المفعول زمنيًا، قابلة للتطوير مؤثّرة قوية وجادّة، ولن يحدث ذلك بدون اللجوء إلى هذه الوسيلة التقنية الرهيبة.

ولا يمكن أن يغيب دور المثقف مهما بلغ التطوّر التكنولوجي، إذ يكون المثقف مساهمًا مباشرًا أو غير مباشرٍ في هذا التطوّر، ومستفيدًا منه كذلك في بحوثه ودراساته، ويمكن أن يكون لاعبًا مهمًا محوريًا وبينيًا بين الذكاء الاصطناعي والأشخاص البسطاء، بقناة لا بد منها، لتكون البيانات قد عبرتْ مسلكها الطبيعي الآمن والمثمر؛ لأنّ الذكاء الاصطناعي يُمثِّل في نظر بعض الباحثين تهديدًا مفتوحًا للبشرية، وقد يُصيبنا بمغالطات شديدة الخطر طويلة الأمد وشديدة الأثر. ضِفْ إلى ذلك أنّ المثقف يمتاز بالاستقلالية والشمولية، وتبقى الآلة صمّاء، معدومة المشاعر، قادرة على إفناء البشرية دون أن تذرف دمعة واحدة، ولو أنتجت مليار فكرة، غير أنّ كل شيءٍ ممكنٌ مستقبلًا.
المثقف قائد للملاحة في بحر الذكاء الاصطناعي
إن العلاقة بين المثقف والذكاء الاصطناعي يجب أن تكون علاقة تكامل وتعاون، لا تنافس أو إحلال، فالمثقف، بوعيه النقدي، حكمته المتراكمة، وقدرته على التفكير الشمولي، يُعد المرشح الأفضل لتوجيه استخدامات الذكاء الاصطناعي نحو ما يخدم البشرية وتنميتها. هو القادر على غربلة المعلومات، فهم السياقات، وتقديم التأويلات العميقة التي تعجز عنها الآلة. ثم إن الذكاء الاصطناعي يُقدم للمثقف أدوات بحث وتحليل غير مسبوقة، تُمكنه من إثراء أفكاره ونشرها بفاعلية أكبر.
في هذا العالم الذي يتّسم بالتشتّت لمن يخوضه دون تماسك أو تخطيط إستراتيجي، يُصبح المثقف بمثابة الدفة التي توجه سفينة المعرفة، لاقتناص الفرص وتجنب المخاطر. إن مستقبل الثقافة والتنمية لا يكمن في استبدال أحدهما بالآخر، بل في بناء جسر قوي من التعاون بين العقل البشري المبدع والقوة التحليلية الهائلة للذكاء الاصطناعي، ليخلقا معاً عصراً جديداً من الوعي والتقدم.
طبعا المقالة مختصرة و تتطلب اضافات تجعلها اعمق و اوسع فالذكاء الاصطناعي مليء بالمفاجآت و المثقف له دور ايجابي في تطوره و في استهلاكه كذلك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.