المتشائلون

تختلف طبائع الناس وصفاتهم النفسية والروحية في الحياة كما يختلفون في أشكالهم، وألوانهم، وطولهم، وقصرهم، فمن الناس من يتميَّز في حياته بالتفاؤل، والأمل، والبشاشة في كثير من مواقف الحياة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، ومن الناس أيضا من يتميَّز بالتشاؤم واليأس والكآبة.                             

وقد يكون هذا العنوان صادمًا لكثير من الناس أو غير واضح المعنى لكنَّه في حقيقة الأمر لا يحتاج إلى توضيح أو إلى إعمال كثير للعقل.    من هم المتشائلون؟ من أول وهلة ندرك أن (المتشائلين) هم فئة من فئات المجتمع والتي لا تميل إلى اللون الأبيض الناصع في الحياة ولا تقبل عليه وفي نفس الوقت هم لا يميلون إلى اللون الأسود الحالك، وإنما هم يعيشون في المنطقة الرمادية وسط بين الأبيض والأسود. 

والعين الفاحصة المدققة في اللون الأبيض تجد أن هذا اللون ناصع البياض واضحًا ساطعًا كالشمس في يوم صيف قائظ، لا يخفيه شيء، وإذا ما نظرنا إلى اللون الأسود نجده حالك السواد دامسًا كالقمر في يوم شتاء عاصف، كلا اللونين واضحان ظاهران للعيان لا لُبس فيهما ولا غموض، أما هؤلاء الناس الذين فضلوا أن يعيشوا في المنطقة الرمادية الوسطى بين الأبيض والأسود فهؤلاء هم أكثر الناس غموضا وإبهاما، وهنا مكمن الخطورة على أي مجتمع من المجتمعات من هذه الفئة الغامضة المبهمة ذات اللون الرمادي.        

نعم الله يأمرنا بالوسطية فقد قال تعالى:(وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، وقال:(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)، وقال:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) لكنَّها الوسطية الممدوحة المحبوبة، وسطية الطاعات والعبادات، وسطية الإنفاق وسطية الأعمال، لكن الطبائع والصفات يجب أن تكون واضحة جليَّة وليست غامضة خفية، فلا يمكن مثلاً أن يكون الإنسان خائنا وأمينا في آنٍ واحد أو صادقا وكاذبا في نفس الوقت.       

ولو أردنا أن نقرّب هذا الأمر إلى أذهان القراء عن طريق سؤال فقط نطرحه على بعض الناس في موقف من المواقف الحياتية أو عن فكرة من الأفكار فنقول: ما رأيك في العلم مثلا؟ فقد يجيبك أحدهم بأن العلم شيء نافع للإنسان وللمجتمع وهو ضرورة للتقدم والرقى ولا حياة بدون علم، هذه إجابة فئة من فئات المجتمع، وهي الفئة المتفائلة التي تبحث عن الخير والنفع لها وللمجتمع، وهذه إجابة أصحاب النظرة المتفائلة الذين يعيشون في المنطقة البيضاء، وإذا ما وجهت هذا السؤال نفسه إلى فئة أخرى فقد تجيبك بأن العلم أمر ضار للبشرية، ولا خير فيه للمجتمع، وأنه سبب للتأخر والانحطاط، وأن الحياة بلا علم أفضل، وهذه إجابة أخرى مغايرة وهي إجابة أصحاب النظرة المتشائمة الذين يعيشون في المنطقة السوداء.     

أما الطائفة الثالثة في المجتمع فهم أصحاب النظرة المتشائلة، وهم المتشائلون أو الذين يعيشون في البقعة الرمادية، وهؤلاء الناس إذا وجهت لهم نفس السؤال فقد تكون إجاباتهم: (معرفش_يمكن_جايز_يعني)، وهنا تكمن خطورة هذا الرأي وخطورة هؤلاء (المتشائلين) لماذا؟

لأننا دائما عندما نعرف طريقنا وخطواتنا ونرى ملامح الطريق الذي نسير فيه ونطمئن إلى هذا الرأي أو تلك الفكرة فإننا لا نخطئ الهدف، ويحقق الإنسان ما يصبو إليه بلا كلل ولا تفتر له عزيمة.  

وإذا وجد الإنسان أن هذا الطريق به عقبات، أو به أشواك فهو يعرف هذه العقبات، ويستطيع أن يحددها، ويضع خططًا لإزالة هذه العقبات، ويستطيع أن يزيح هذه الأشواك من طريقه بلا كلل، فلا تصيبه ويتمكن أيضا من الوصول إلى هدفه بسلام ونجاح. 

لكن المتشائلين الذين يعيشون في المنطقة الرمادية الوسطى الذين إذا طرحت عليهم سؤالاً واحدًا فلن تجد لديهم إجابة واحدة، أو إجابة صائبة، فلا هم المتفائلون الذين يعرضون الرأي الصحيح، ويحددون الهدف، ويبذلون جهدهم مع الآخرين لمساعدة المجتمع، ويدفعون السفينة لتسير إلى الأمام، باذلين جهدهم وفكرهم وسواعدهم حتى تصل إلى شاطئها آمنة ولا هم  المتشائمون الذين يدلون برأيهم الصحيح ويوجهون ويعدلون الاتجاه، بل هم قوة معطلة لحركة التقدم، وفي نفس الوقت الذي يمنعون فيه السفينة من التقدم نجدهم أيضا يمنعونها من التراجع أو تعديل الخطط أو توجيه السفينة بعيدا عن الأمواج العاتية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال رائع انا مهتم
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.