قصة المتاهة الثالثة.. حكاية الملك شهريار الذي هزمه القلق وأنقذه الحاضر

كان في سالف الدهر مَلِكٌ يُدعى (شهريار الثاني)، حَكَمَ جزيرةً نائية ترقد وراء بحر الظلمات. كان هذا المَلِكُ عريض الجاه، نافذ الأمر، تطأطئ له الرؤوس هيبةً، لكنه كان «مغلول اليدين» أمام خفقات قلبه؛ إذ استبد به مرض القلق، فغدا «يطحن الطحين وهو طحين» من فرط التفكير في غده. 

يقضي ليله «يقبض الريح»، يرقب النجوم بأعينٍ سهيرة، ويجمع المنجِّمين ليسألهم عن طالعه، مخافة أن يأتي الفجر بما لا تشتهي سفنه، فصارت حياته «أثرًا بعد عين» من شدة الخوف.

وفي ليلة خريفية، ارتدت السماء ثوب حدادٍ، وانطفأت قناديل القصر بغتةً، كأنما لُطمت بكف الخفاء. انشق جدار قاعة العرش، ودخل رجلٌ شاحب الوجه، يتدثر بعباءة «نسجتها يد الظلام»، لم تره أعين الحراس ولم تحبسه الأبواب، وكأنه «نسمة صيف» في ليلة شتاء. 

وضع الرجل بين يدي الملك صندوقًا من خشب الأبنوس الأسود، ونظر في عينيه قائلًا بصوت «يأخذ بمجامع القلوب»: «دونك صكَّ أمانك، ففيه ترياق الحيرة»، ثم تبخر كقطرة ندى تلاعبت بها الشمس.

فتح الملك الصندوق بوجل، فطار لبه حين لم يجد ذهبًا ولا لآلئ، بل وجد مرآة دائرية تعكس ملامحه الشاحبة، وجدولًا من الرمال المتحركة التي «تلتهم الثواني التهامًا»، وكتابًا يضيء بمداد أرجواني. بمجرد أن لمست يد الملك أوراق الكتاب «دارت به الأرض»، وسقط في هُوة سحيقة من الصمت، حتى استقر واقفًا في ردهة عملاقة شاهقة «لا يلتقي طرفاها»، وامتدت أمامه ثلاثة أبواب نحاسية ضخمة، نُقش على الأول: (أمس)، وعلى الثاني: (غدًا)، وعلى الثالث: (الآن).

استبد بالملك الفضول، فدفع الباب الأول (أمس) ليعود إلى أمجاده، فإذا به «يجر أذيال الخيبة»؛ إذ هاجمته طيورٌ كاسرة تجسدت من أخطاء شبابه، وهفواتٍ ظن أن الدهر قد طواها، وفرصٍ فرَّت من يديه فبات «يعض بنان الندم» عليها. كادت تلك الطيور تنهش وعيه، فأغلق الباب بنحيب وجسده «يرتعد كالسعفة في مهب الريح».

ركض الملك صوب الباب الثاني (غدًا) يبتغي الأمن، فلما فتحه، واجهته هاوية «تشرئب إليها أعناق المنايا»، تعصف منها رياح باردة محملة بظلال تمثل مخاوفه المستقبلية؛ رأى شبح الشيخوخة يقوِّس ظهره، وشبح زوال المُلك، ومخالب الموت تنتظره، فأيقن أنه «يسير إلى حتفه بظِلفه»، وأغلق الباب وهو «يسكب العبرات» كطفل أضاع أمه، وجلس في الممر «حيران أسفًا» يشعر بأن جدران المتاهة «تأكل المساحة» لتسحقه.

بقي الملك معلقًا في الوسط، «يقدّم رِجلًا ويؤخّر أخرى»، لا هو قادر على العودة إلى ماضٍ «يقضُّ مضجعه»، ولا التقدم نحو مستقبلٍ «يقطع نياط قلبه». لم يبقَ أمامه سوى الباب الثالث (الآن)؛ خطا نحوه ببطء ودَفَعَه بحذر، فكانت المفاجأة الكبرى؛ لم يجد وحوشًا ولا ظلالًا، بل وجد بستانًا «يضاحك الشمس»، يجري فيه نبع ماء كأنه «ذوب اللجين»، فجلس عند النبع، وشرب حتى «أبلَّ صدى قلبه»، ووضع رأسه على العشب، فانسلَّت الطمأنينة إلى روحه «انسلال الماء في عود الحطب».

وجد الملك الطمأنينة بعيش الحاضر وترك هواجس الماضي

وفي تلك اللحظة من السكون، ظهر له الرجل الشاحب مرة أخرى، وجلس بجواره كأنه «سرٌّ يُهمس به في أذن الليل»، وقال: «يا شهريار، لقد عشتَ عمرك كله «تغزل غزلًا لتنقضه»؛ كنتَ تعيش مسجونًا بين ماضٍ «صار هباءً منثورًا»، ومستقبلٍ هو في «رَحم الغيب»، فأهملتَ الزمان الوحيد الذي تبني فيه مجدك، وهو الحاضر. المتاهة التي عشتها لم تكن في قبو قصرك، بل كانت تحت عظام جمجمتك».

تلاشت المشاهد كلها مع آخر كلمة، واستيقظ الملك ليرى قناديل عرشه «تتنفس الضياء» من جديد، والصندوق الأبنوسي بين يديه فارغًا إلا من ورقة بيضاء وقلم.

أمسك الملك القلم بقلب قد «نفض غبار الحيرة»، وخطَّ تلك الحكمة الوجودية:

«إن القلق من الغد يقطع شجرة اليوم، والخوف من الموت يسرق بركة الحياة. الماضي أثرٌ غاب، والمستقبل غيبٌ في حجاب، والوجود الحقيقي هو أن تسكن اللحظة... فالحاضر هو العطية الوحيدة التي تجعلك حقًا من الأحياء».

ومنذ تلك الليلة، ألقى شهريار «عصا التسيار» في أودية الوهم، ونام ملء جفونه، وعاش بين رعيته «موفور الجانب، ثاقب البصيرة»، بعد أن تحررت روحه من قيد الزمان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة