يُعد القانون الدولي الخاص فرعًا حيويًّا من فروع القانون، يواكب تزايد التفاعلات والعلاقات عبر الحدود. ويتناول هذا المبحث بعمق تعريف هذا القانون وموضوعه المتشعب الذي يمس حياة الأفراد والكيانات القانونية في عالمنا المعاصر، إضافة إلى استعراض تفصيلي لمصادره المتنوعة، بدءًا من التشريع الوطني وصولًا إلى الاتفاقيات الدولية والأعراف المستقرة. انضم إلينا في استكشاف هذا المجال القانوني الهام.
المبحث الأول: تعريف القانون الدولي الخاص وموضوعه ومصادره
ويندرج تحته عدة مطالب هي:
المطلب الأول: تعريف القانون الدولي الخاص
التعريف اللغوي
قنَّ الشيء قنًا تفقده بالبصر، وقنن وضع القوانين، والقانون هو قياس كل شيء وطريقه، والقانون في الاصطلاح: أمر كلي ينطبق على جميع جزئياته التي تتعرف أحكامها منه.
الدولة بالضم اسم الشيء الذي يتداول به بعينه، والدولة بالفتح الفعل، وقال بعضهم هما لغتان بمعنى واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء الدولة بالضم في المال وبالفتح في الحرب. والدولة الاستيلاء والغلبة، والدولة الشيء المتداول، والدولة مجموع كبير من الأفراد يقطن بصفة دائمة إقليمًا معينًا، ويتمتع بالشخصية المعنوية وبنظام حكومي وبالاستقلال السياسي. والدولة مفرد، وجمعها دول، بضم الدال، ونسبتها إلى المفرد «دولي» بفتح الدال.
التعريف في الفقه القانوني
إن القانون الدولي الخاص لم ينشأ قانونًا كامل التقنين محدد الموضوعات والمصادر واضح الطبيعة القانونية؛ ويعزى ذلك لولادته على يد رجال الفقه، بالإضافة إلى حداثة نشأته، وكل ذلك كان وراء الاختلاف في تعريفاته.
فالخلاف في تعريف القانون الدولي الخاص كان وراءه خلاف في الأخذ بأحد مناهج القانون الدولي الخاص، فهناك من أخذ بمنهجه الواسع وعرَّفه على أنه: «هو ذلك الفرع من القانون الداخلي الذي يحدد جنسية الأشخاص التابعين للدولة والموطن، ومركز الأجانب فيها، ويبين الحلول الواجبة الاتباع عند تنازع القوانين».
وإذا كان القانون الدولي العام هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم العلاقات بين الدول وتحدد حقوق كل منها وواجباتها، فكيف يتم التمييز بين القانون الدولي العام والقانون الدولي الخاص؟ فعلى الرغم من نعت كل من القانونين بالصفة الدولية فإنه يوجد فروق حسب الموضوع ومجال التطبيق.
فقواعد القانون الدولي العام تُعنى أصلًا بالدول ذاتها وما يتصل بها بعدها أشخاصًا دولية، فتبيِّن تلك القواعد كيف تنشأ الدول وكيف تزول، وتبين كذلك ما للدول من حقوق وما عليها من واجبات قِبل بعضها بعضًا، والمحافظة على العلاقات فيما بينها، وكيفية فض المنازعات التي تنشأ بين الدول وغير ذلك.
أما القانون الدولي الخاص فهو يضم مجموعة القواعد القانونية التي تحكم مسائل الجنسية والموطن ومركز الأجانب، ويشمل القواعد القانونية الخاصة بتحديد الاختصاص القضائي لمحاكم الدولة نحو المراكز القانونية الخاصة ذات العنصر الأجنبي، فيبين القانون الواجب التطبيق عليها من الوجهة الموضوعية.
والقانون الدولي الخاص هو «مجموعة القواعد القانونية، ذات الصبغة الفنية، التي تحكم النظام القانوني للعلاقات الخاصة الدولية. والعلاقة الخاصة الدولية، هي التي تنشأ بين أفراد من دول مختلفة، أو بين أفراد من دولة واحدة، ولكن عبر الحدود، فهي إذن تنطوي على عنصر أجنبي أو خارجي».

أيضًا يوجد من أخذ بهذا المنهج الموسع للقانون الدولي الخاص، وتوسع فيه مضيفًا إليه موضوعًا آخر بعدِّه من موضوعات القانون الدولي الخاص، ألا وهو تنازع السلطات الإدارية.
وعُرف أيضًا بأنه فرع من فروع القانون الداخلي، ذو طبيعة مختلطة، يجمع بين قواعد القانون الخاص والقانون العام، ما ينظم الجنسية والموطن ومركز الأجانب، وما يضع الحلول في مسائل تنازع القوانين، وتنازع الاختصاص القضائي، وتنازع السلطات.
وسيكون نهج هذا البحث هو التعريف الموسع للقانون الدولي الخاص. ويمكن تعريفه بأنه: «مجموعة القواعد القانونية التي تحكم مسائل الجنسية والموطن ومركز الأجانب، والقواعد الفنية التي تبين الحلول واجبة الاتباع في مسائل تنازع القوانين والاختصاص القضائي الدولي، فتحدد القانون الواجب التطبيق على المراكز القانونية الخاصة ذات العنصر الأجنبي من الناحية الموضوعية».
المطلب الثاني: موضوع القانون الدولي الخاص
من المعروف قانونًا أن موضوع أو نطاق أي قانون يُقصد به المسائل التي ينظمها القانون، فالقانون الدولي الخاص بصورة مبدئية يُعد نطاقه العلاقات الخاصة الدولية -أي العلاقات ذات العنصر الأجنبي- ويعرف على أنه «مجموعة القواعد التي تحكم العلاقات الخاصة الدولية».
وتتناول قواعد القانون الدولي الخاص هذه العلاقات والروابط بالتنظيم وذلك من نواحٍ ثلاث:
الأولى: تنظيم التمتع بالحقوق والمراكز القانونية التي تتولد أو تنشأ عن العلاقات والروابط الخاصة الدولية، وذلك بتحديد من يتمتع بها، وتتكفل بذلك القواعد المنظمة لمادة الجنسية، والمركز القانوني للأجانب.
الثانية: تنظيم ممارسة الحقوق والمراكز القانونية السابقة، أي تنظيم الحماية القانونية لتلك الممارسة، وهذا يتم عن طريق التعرف على القانون الذي يحكم نشأة تلك الحقوق والمراكز القانونية، أو انقضائها. وهو ما نعني به نظرية التنازع الدولي للقوانين.
الثالثة: وهي تتعلق بالحماية القضائية لتلك الحقوق والمراكز القانونية، وتتحقق عندما يقع اعتداء عليها، ويثور النزاع حولها، ويُحرم المدعي من ممارستها، فيقدم طلبًا إلى القضاء لمنح الحماية، بتطبيق الجزاء الذي تتضمنه القاعدة القانونية حتى يتمكن من ممارسة تلك الحقوق والمراكز القانونية، والاحتجاج بها قِبل الغير. كل ذلك تعالجه القواعد التي يشملها القانون الدولي الخاص والمتعلقة بالمرافعات المدنية الدولية. ومن المستقر عليه في الفقه القانوني أن القانون الدولي الخاص الوضعي قد واجه منذ زمن بعيد مختلف تلك المسائل بقواعد قانونية مناسبة.
توجد أربعة موضوعات رئيسة يمكن أن تمثل إطار القانون الدولي الخاص، هي: الجنسية - مركز الأجانب - تنازع الاختصاص القانوني - تنازع الاختصاص القضائي. غير أن الاتجاهات الفقهية قد اختلفت بين التضييق والاتساع في الاحتفاظ بهذه الموضوعات جميعها أو بعضها في فلك القانون الدولي الخاص.
وموضوع القانون الدولي الخاص يتنازعه مفهومان هما:
المفهوم المضيق: وتقتصر فيه دراسة القانون الدولي الخاص على دراسة موضوع تنازع القوانين فقط باعتبارها موضوعه الأوحد والأصيل.
أما المفهوم الثاني فهو المفهوم الموسع للقانون الدولي الخاص، ووفقًا لهذا المفهوم تشتمل دراسة القانون الدولي الخاص إضافة لمبحث تنازع القوانين على مباحث أخرى هي تنازع الاختصاص القضائي الدولي، والجنسية والموطن، ومركز الأجنبي، وجانب من فقهاء القانون الدولي الخاص أضاف إليها مبحث تنازع الاختصاص الإداري.
ومن هنا فإن مدار قواعد القانون الدولي الخاص هو العلاقات والأوضاع الخاصة بأفراد الدول المختلفة من حيث تحديد جنسيتهم، وبيان كيفية اكتساب جنسية معينة، وكيفية فقدها، وبيان القانون الواجب التطبيق، والقضاء المختص في الدعاوى، والمنازعات التي يكون أطرافها من جنسيات مختلفة، كما لو تنازع سوداني وفرنسي على تفسير أو تنفيذ عقد حُرر بينهما في إنجلترا مثلًا، فأي المحاكم تختص بالفصل في النزاع؟ وأي قانون يطبق؟
تلك هي بعض المسائل التي تدخل في نطاق بحث القانون الدولي الخاص. ويظهر أنها ذات صلة كبيرة بالتشريعات الوطنية بالنسبة للقواعد المنظمة للعلاقات الدولية، ما جعل كثيرًا من فقهاء القانون يعدُّون القانون الدولي الخاص فرعًا من فروع القانون الداخلي مستقلًا عن القانون الدولي العام.
ويتبع الباحث منهج المفهوم الموسع لموضوعات القانون الدولي الخاص في هذا البحث، ولا يعني ذلك شمول الدراسة على تنازع الاختصاص الإداري الذي يدخل في نطاق القانون الدولي الخاص وفقًا لهذا المفهوم، حيث إنه يخرج من إطار هذه الدراسة.
المطلب الثالث: مصادر القانون الدولي الخاص
على غير ما توحي به عبارة «قانون دولي» فإن قواعد القانون الدولي الخاص مصدرها النظام الداخلي لكل دولة، إضافة إلى الاتفاقات والمعاهدات الدولية والإقليمية التي تكون الدولة طرفًا فيها. وتتعدد وجهات النظر في حصر مصادر القانون الدولي الخاص، وقد تنوعت آراء الفقهاء في تقسيم المصادر، ولكن الغالب هو تقسيمها إلى مصادر (رسمية) وأخرى (غير رسمية) على التفصيل التالي:
أولًا: المصادر الرسمية
المصادر الرسمية هي التي تصدر عنها القاعدة القانونية بصورة مباشرة وملزمة. ولقد تم حصرها في التشريع، والعرف، والمعاهدات الدولية، ومبادئ القانون الدولي الخاص.
التشريع
ويُقصد به القانون المكتوب الذي يُصدره المشرع الوطني لتنظيم المسائل التي تدخل في نطاق القانون الدولي الخاص.
ويُعد التشريع هو المصدر الأول للقانون بصفة عامة، وللقانون الدولي الخاص بصفة خاصة، فالجنسية ولكونها أداة تحديد ركن الشعب في الدولة، يورد المشرع أحكامها في الدستور والتشريع فيضبط أحكامها لأهميتها.
أما الموطن في العلاقات الدولية فعادة ما يورد المشرع أحكامه في القانون، وقد نصَّ القانون السوداني على الموطن في قانون المعاملات المدنية السوداني، وبذلك يبدو التشريع مصدرًا لأحكام الموطن، وكذلك بالنسبة لأحكام مركز الأجانب فقد خصها المشرِّع بعدد من القواعد في قانون الإجراءات المدنية، هذا إضافة إلى جانب من هذه الأحكام يضمها القانون الدولي العام.
العرف
العرف هو مجموعة القواعد القانونية الناتجة عن السلوك المضطرد في مسألة معينة على نحو معين اضطرادًا مصحوبًا بالاعتقاد بأن هذا السلوك يحمل صفة الإلزام.
إن العرف في مجال تنازع القوانين هو مصدر له أهمية كبرى. فتوجد كثير من القواعد التي تتميز بالنشأة العرفية كقاعدة إخضاع شكل التصرف لقانون محل إبرامه. والعرف في مجال القانون الدولي الخاص لا يأخذ إلزاميته إلا بعد أن يُطبق من قبل القاضي الوطني، فهو يكشف عن القاعدة العرفية ويحاول ضبطها ويحدد مدلولها ومجالها القانوني، كقاعدة خضوع نظام الأموال لقانون الموقع، وقاعدة ضرورة توافر رابطة أصلية بين الدولة والفرد لمنح الجنسية.
المعاهدات الدولية
تلجأ الدول أحيانًا إلى إبرام معاهدات فيما بينها على شكل اتفاقية ثنائية أو جماعية لتنظيم المصالح المشتركة للدول، كتنظيم الجنسية أو الأجانب، وتنفيذ الأحكام الأجنبية.
وتلجأ الدول أحيانًا إلى أسلوب المعاهدات لإيجاد نوع من التقارب في المعاملة التي يتلقاها رعاياها في أقاليم الدول الموقعة على المعاهدة، ومحاولة إيجاد نوع من التماثل بينهم وبين الوطنيين. هذا ويأخذ عدد من التشريعات الحديثة بفكرة سمو المعاهدة على التشريع الداخلي عند تحقيق التعارض بينهما.
وقد نص قانون المعاملات المدنية السوداني 1984م في المادة 12 على أنه «لا تسري أحكام المادة 11 إذا وُجد نص في قانون خاص أو معاهدة دولية نافذة في السودان يتعارض معها».
مبادئ القانون الدولي الخاص
ويُقصد بها مجموعة المبادئ العامة التي أصبحت أكثر شيوعًا بين الدول. وتُعد مبادئ القانون الدولي الخاص مصدرًا من مصادر القانون الدولي الخاص، وهذه المبادئ نجدها تُستقى من مصادر ثلاثة هي: مجموعة القواعد المشتركة بين النظم القانونية المختلفة، والمبادئ التي يُقرها القضاء الداخلي أو الدولي، وأخيرًا المبادئ الفقهية.
هذه هي القواعد التي تشكل في مجموعها القانون الدولي الخاص، ما بين ما هو إجرائي وما هو متعلق بالقانون الموضوعي. لذلك فإن النصوص التي تحكم هذه القواعد مبثوثة بعدد من التشريعات الداخلية الخاصة بكل دولة. إذ لا يوجد تشريع وطني موحد يضم كل القواعد والنصوص المنظمة للقانون الدولي الخاص.
وقد نصَّ قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م في المادة 13 على: «تُتبع مبادئ القانون الدولي الخاص فيما لم يرد في شأنه نص في المواد السابقة من أحوال تنازع القوانين بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية».
ومفاد النص أن المشرع السوداني لم يجعل مبادئ القانون الدولي الخاص مصدرًا من مصادر هذا القانون إلا في مادة تنازع القوانين فحسب، وهذا يعني أن ما عداها لا يشمله النص، وعلة ذلك أن مادة تنازع القوانين لا تتصل مباشرة بسيادة الدولة.
ثانيًا: المصادر غير الرسمية
هي المصادر التي لا تصدر عنها القاعدة القانونية بصورة ملزمة ومباشرة، وتتمثل في مصدري الفقه والقضاء.
القضاء
فالقاضي يفسر التشريع ويطبقه، ويفسر المعاهدات الدولية أيضًا، إضافة إلى ضبط العرف وتفسيره. والقضاء يُعد مصدرًا رسميًا للقانون في البلاد التي تجعل للسابقة القضائية قوة القانون كانجلترا. أما في غير هذه البلاد فمن رجال الفقه من يعد القضاء مصدرًا رسميًا، غير أن الغالب يعدُّه مجرد تفسير من الوجهة القانونية؛ لذا يعد القضاء مصدرًا للقانون الدولي الخاص، ويستوي هنا القضاء الداخلي والدولي.
الفقه
يراد بالفقه فكر رجال القانون المشتغلين بالقانون الدولي الخاص، والفقه مصدر تفسيري للقانون الدولي الخاص سواء في ذلك الفقه الوطني أو الفقه الأجنبي.
ويُعد الفقه بشقيه الداخلي والدولي مصدرًا لإرساء بعض مبادئ القانون الدولي الخاص؛ ويرجع ذلك لسبب النشأة الفقهية لهذا القانون، لكنه أحيل إلى مصدر تفسيري بعد أن امتدت يد المشرع لهذا القانون.
ويرى الباحث في خلاصة الأمر أن هذه المصادر جميعها لا غنى عنها، سواء كانت منشأة للقواعد القانونية أو مفسرة لها، فالتشريع هو الأساس، وعندما يغيب التشريع يأتي دور العرف، فالقاضي لا ينحصر دوره في تطبيق التشريع فحسب، وإنما ينطلق دوره ليصل لدرجة القيام بالتعرف على العرف وضبطه وحفظه؛ ما يكسبه القوة التي تجعله يتفق مع النظم الداخلية للدولة، وبذلك تكون أحكام المحاكم التي صدرت بناء على العرف مصدرًا يُلتجأ إليه للتعرف على العرف.
أما المعاهدة فإن كثيرًا من التشريعات جعلتها تسمو على القانون الوطني؛ وذلك لأهميتها بتوحيد القواعد الموضوعية للقانون الدولي الخاص وتلافي الاختلاف وتباين الحلول، وتجميع قواعد تنازع القوانين وتقنينها وإزالة الغموض الذي يكتنفها بسبب اختلاف مصدرها الفقهي والعرفي؛ ما يساعد في التوجه نحو الصياغة الدولية، والحد من روح الوطنية في صياغة قواعد التنازع في التشريع الداخلي.
أما القضاء وإن كان مصدرًا تفسيريًا ومطبقًا للقانون، فإنه بالتطبيق يتبين أهمية الأخذ بالسوابق القضائية في أي تعديل أو تشريع لاحق، والفقه يتجلى دوره بتبصير المشرع بمواطن الخلل التشريعي.
..
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.