المؤثرات الثقافية في فنون شبه الجزيرة العربية

العائد الثقافي لاستقراء فنون الحضارات له دور في استيعاب المتذوق لهذه الفنون، ويعد الفن ناقلًا لبعض شواهد الحضارات مثل فنون الرسم والعمارة والنحت والكتابة والفنون التطبيقية مثل المعادن والخزف... إلخ.

إن تاريخ الفنون يعد شاهدًا على تطور الإنسان في الحضارات المتنوعة، ولفهم الفن لا بد من عده عنصرًا فاعلًا في عملية تكيف بين الإنسان والعالم الخارجي، ثم إن تاريخ الحضارة وموروثها يعد أساسًا للذاتية الثقافية والبعد الحضاري لكل شعب، ويتضمن الفن بوصفه عملًا قيمًا.

وكون التاريخ الإنساني متشعبًا فقد تشعبت طرق بحثه، فمنها دراسة الناحية التاريخية بحسب العصور، أو دراسته وفقًا للأقاليم والتقسيم الجغرافي، والموضوعات والأشكال. والاتجاه التاريخي في دراسة الحضارة له أهميته لدراسة الأثر الثقافي في فنون الحضارة. إن دراسة الفنون في شبه الجزيرة العربية من الدراسات النادرة وتتبع المنحنى التاريخي أو التوثيقي.

اقرأ أيضًا: ملخص كتاب قصة الحضارة

مصطلحات المقال

الثقافة

إن كلمة الثقافة مأخوذة من (ثقف) وجاء في معجم لسان العرب (يقال ثقف الشيء يعني سرعة التعلم) وقاموس دائرة المعارف (ثقف: فطن وحذق).

وللعالم إدوارد تايلور تعريف في كتابه الثقافة البدائية: "إن الثقافة تشمل المعرفة والمعتقدات والفنون والتقاليد والعادات والإمكانات".

ومع بدايات القرن العشرين تبلور مفهوم الثقافة وأصبح كل ما يوجد في المجتمع.

الحضارة

ظهر هذا المصطلح في عام 1757م. ويعرفها ديورانت في كتابه قصة الحضارة بأنها: "نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه أمن الإنسان من الخوف تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء".

اقرأ أيضًا: تلخيص كتاب تاريخ الحضارة الإسلامية العربية

فنون حضارة شبه الجزيرة العربية وأثر الثقافة فيها

فن الرسم والعمارة

منذ العصر الحجري القديم حتى الآن نجد أن الإنسان قد أعطى أهميته البالغة لأعماله الفنية، ولقوة التعبير التشكيلي للتأثير في الآخرين. وفي العصر القديم ربما كانت الحاجة البيولوجية هي المحرك الرئيس له حيث الرغبة في البقاء والتكيف، وكانوا يصنعون تماثيل طينية للحيوانات غير المستأنسة قبل صيدها. وقد تميزت هذه التماثيل بالتفاصيل البسيطة لغرض مقصود يعتقد أنه يكمن في رغبة الصياد في الحصول على قوة بصفتها نوعًا من المراسم قبل الصيد.

واختلفت موضوعات الرسم قديمًا كالرسوم الآدمية، حسب شكلها في موضوعات الرسم لتمثيل واقع الأحداث اليومية مثل ممارسة الشعائر والصيد والرقص، ورسمها بأوضاع مختلفة مثل شكل آدمي بذراعين ممدودتين وأصابع متفرقة وخصر نحيف وبطن مع سيقان عودية الشكل.

إن الإنسان القديم متأثر تأثرًا شديدًا بالبيئة، نتج عن ذلك رسم الحيوانات مع تصويرها بتصوير أمامي وجانبي أو يجمع بينهما مثل رسم الحيوان بوضعية جانبية في الجسم والأذنين والقرون بوضعية جانبية.

أما رسوم النباتات فكانت مستمدة من البيئة في أشكال أقرب ما تكون للنخيل، وتمتاز المنطقة بثراء النباتات حيث رجح انتشار الواحات الخضراء، ما أثر في الإنسان الفنان برسم أشكال متنوعة للنباتات سواء على هيئة أوراق الأشكال أو أغصان النبات في هيئات تخطيطية.

وجاءت أشكال الأيدي والأرجل مفرودة الأصابع وغالبًا ما تكون اليد اليسرى وقد تمثل إثبات الرسوم لأصحابها، وتعد أشكال وعلامات الوسوم من أهم العناصر التي وجدت قديمًا.

وجميع عناصر العمل الفني مرتبطة داخليًّا ومتشابكة تخلق لنا وحدة فنية مجرد مجموعة من العناصر لتحقيق وحدة جمالية وإظهار المساحات والخطوط بديناميكية متفاعلة إلى جانب الخطوط ذات الانسجام الانسيابي.

وقد انتشرت هذه الرسوم في أمكنة مختلفة تركزت في بعض الكهوف. وقد يفسر هذا الأمر وجود بعض هذه المنحوتات من غير رؤوس أو أعين أو أذان. ونجد تماثيل آلهتهم وملوك الحضارات القديم ذات أسلوب ينم عن الصرامة والعظمة.

اقرأ أيضًا: من يأتي أوّلاً الثقافة أم الحضارة؟

والنحت أدى وظيفة اجتماعية وتكيفًا مع الأوضاع السياسية والدينية، فقد صنعوا المنحوتات لأشكال الأصنام (الآلهة) وكانت على هيئتين إما:

- الشكل كما هو في هيئته الأساسية.

- المزاوجة بين الأشكال وقد يكون عائدًا إلى رغبته في حماية نفسه من القوى الخفية.

ولكون موقع جنوب الجزيرة العربية له دور في إثارة أطماع الآشوريين والبابليين في القرن الثامن والسادس قبل الميلاد، وأن هذا الغزو تأثير في هيئة بعض عناصر العمارة، ودلت الآثار على عمود له طراز يوناني بأحد مساجد صنعاء، وتعد هذه الحقبة الحضارية التاريخية لملكة سبأ في جنوب جزيرة العرب بعد غزو الإسكندر المقدوني لهذه المنطقة.

ومع دخول الرومان إلى جزيرة العرب اتجه (آليوس جالوس) إلى جنوب الجزيرة العربية في عام 24.ق.م. واحتل (تراجان) مدينة البتراء من خلال الدلائل على وجود مراكز رومانية في البصرة وتدمر وجرش.

ويلاحظ التأثير الروماني في طراز الأعمدة في هذه المنطقة، وتميزت أشكالها بزخارف حيوانية وعناقيد العنب مع تخطيط طولي. وأيضًا تميزت الآثار المعمارية بهيئة هيلينستية رومانية مثل القلاع والمعابد، ونجد هيئة الأعمدة بأحد المعابد وشكله الإيواني بقاعدة مزخرفة إغريقية. وظهرت العمارة الحجرية في أنحاء جزيرة العرب وشملت الشام وصحاري النجف.

وفي وسط الجزيرة العربية ظهرت أشكال مختلفة من العمارة ومن أمثلتها العمارة المنتشرة في جزيرة العرب والمدافن الركامية والأحواض، والمواقد والمصائد الحيوانية. ويلاحظ (مدائن صالح) وطريقة بنائها والتي تشبه مقابر الأنباط بهيئتها الرومانية في سوريا.

أما المنحوتات فمنها قطعة نحتية توضح آلهة يمنية عليها ملابس ذات طراز روماني يوناني، ونجد شواهد القبور بطراز هيلستيني. وهناك قوالب الصب الآدمية للإسكندر المقدوني وتمثال طيني محروق يشبه أسلوب النحت الهيليني، ومنحوتات صغيرة لبعض ملوك العرب.

ويلاحظ قطعة نحتية مسطحة تمثل الإله (إنكي)، وجد في البحرين، وأن اللون الأبيض مع السماوي هو الغالب عليها، وتمثل شخصية الصنم مكان الوسط يربط أسفل اللوحة يمينًا بأسفلها يسارًا جزئية منحنية ومتعرجة الحدود، ويلاحظ منطقة ارتكاز القدم على قاعدة بلون أبيض وسماوي تتخذ زخارفه شكل حراشف الأسماك.

وتختلف أنواع أشكال المجسمات مثل رأس البقرة النحاسي الموجود في البحرين وهو جزء مكمل لصندوق خشبي للموسيقى المستخدمة في احتفالات المعابد.

وكان للبيئة تأثير في الفنان في استلهام مفرداته التشكيلية مثل الحصان وتصويره في أوضاع مختلفة، وللمرحلة الهيلنيستية تأثير واضح في تمثال نصفي يشبه المعبودة (منيرفا) إلهة الحكمة عند الرومان بوضعية اليدين الممدودة والرأس المنحني.

ويوجد تمثال برونزي للطفل المجنح على رأسه تاج ممسكًا ما يسمى بقرن (الخير) بعنقود عنب ويتدلى خصل من الشعر على جانب رأس. وتظهر المنحوتات الحجرية والنقوش الآرامية في شمال جزيرة العرب وتحوي أشكالًا لأقراص شمسية مجنحة. ومن المعابد التي تشتمل على الآثار المعمارية الهيلينستية في جزيرة فيلكا الكويتية معبد ذو شكل مربع طول ضلعيه 60 مترًا ومحصن بأبراج رباعية في زواياه.

وتميز الطراز المعماري في بعض أنحاء جزيرة العرب مثل قرية (الفاو) بطراز عربي رائع يوضح تكيف الفنان مع ظروف البيئة والتأثيرات الحضارية التي عاصرت تلك الحضارة مثل ما نجده في المناطق المجاورة لشمال جزيرة العرب.

أما حضارة دلمون المنتشرة في مناطق الخليج العربية فقد تميزت بموروث ثقافي نادر، وكشفت النصوص الأثرية الآكادية والسومرية عن مكانة حضارة دلمون. وتميزت حضارة دلمون بصناعة الأختام المسطحة المستديرة برسوماتها الآدمية أو الحيوانية.

اقرأ أيضًا: مفهوم الحضارة والمدنية The concept of civilization and civilization

الفنون التطبيقية

تزامن مع بداية الكتابة في شبه الجزيرة العربية ظهور مقومات حضارية في الفنون التطبيقية مثل استخدام المعادن، والدولاب لصناعة الفخار والخزف، وأساليب معمارية والأختام.

تميزت بعض الحضارات بفنونها مثل حضارة العبيد خلال المدة (3500-5300 ق.م) نحو 1800 سنة في شرق المملكة العربية السعودية، وتعد هذه الحضارة متقدمة في مجالات التجارة والصيد والرعي، وتميزها في فنون الفخار وفي دقته وزخارفه.

تعود أصول العبيد إلى السومريين بالعراق، ووجد هذا الفخار في مواقع عدة في شرق المملكة العربية السعودية وفي دولة قطر ومملكة البحرين.

وانتقلت هذه الحضارة إلى العراق؛ لأن حضارة العبيد في العراق يرجع تاريخها إلى نحو 4000 سنة ق.م.

وقد قسم علماء الآثار فن البخار إلى 4 مجموعات لاعتبارات تاريخية، كما اكتشف مكان صنع هذه الأواني الفخارية في مدينة (أور) وهذه المدينة ذات ارتباط بنبينا إبراهيم عليه السلام.

ويلاحظ التنوع في الأواني المرمرية المكتشفة في مملكة البحرين منها الطولية والأسطوانية. واستخدم الحجر الصابوني في صناعة الأواني تميزت بزخارف تمثل مواكب ومناظر للنباتات المنطقة والحيوانات مثل الأسود.

المشغولات الفنية

يوجد تميز في المشغولات الفنية، وذلك لتنوع الحلي المستخدمة والدبابيس والتعليقات وصنعت من العقيق والعظم والصدف. إضافة إلى بعض الأدوات المصنوعة من البرونز مثل: الأسلحة، وأقراص السبائك، والمشغولات المصنوعة من الخشب والعاج، والألواح المعدنية على هيئة هيلينستية في أجزاء لتماثيل برونزية تصور (كيوبيد) ممتطيًا أسدًا، ومع كون هيئة الشعر قد تأثرت بالشكل الكلاسيكي ذي التعريجات إلا أن الملامح تأخذ شكلًا مستمدًا من البيئة المحلية.

ويتضح الاتجاه إلى التجريد والرمزية في الأشكال الزخرفية مع عدم الاهتمام بالأشكال الآدمية دقيقة التفاصيل، وقد عثر في بعض المقابر على بعض العقود والخلاخل المصنوعة من الصدف، والعقيق وبعض الخرز، وبعض الأواني، التي تختلف في ما بين القبور والتي يستدل بها على مكانة صاحب القبر، ووجود هذه الأشياء قد يكون لها مدلول على كون الإنسان يؤمن بعقيدة الحياة بعد الموت.

اقرأ أيضًا: الحضارة الغربية حضارة عرجاء.. ما هي أسس تكون الحضارات؟

المؤثرات الثقافية في فنون شبه جزيرة العرب

يمكن أن نجملها في المؤثرات الأساسية الآتية:

الثقافة الدخيلة والثقافة المجاورة

توجد علاقات تفاعلية وتأثير متبادل بين الثقافات، على اختلاف مستوى هذه المجتمعات، وهي عملية معروفة في علم الإنسان الثقافية بمسمى (التثقف من الخارج) لالتقاء ثقافتين غير متشابهتين، وفسره (كروبر) بكونه محصلة التأثير المتبادل بين الثقافات.

وقد تكون دراسة فنون هذه الحضارة وأثر الثقافة فيها من الدراسات المتشعبة، وينبغي أن تدعم أي نتيجة بشواهد عميقة ويدلل عليها بكل ما يمكن التوصل إليه لبيان أثر الثقافة في فنون جزيرة العرب.

وتسليط الضوء على حضارات جزيرة العرب قديمًا، لم يستوفِ نصيبه من البحث والدراسة.

طبيعة الأرض في جزيرة العرب لها دور في ضياع أثر الفنون المتبقية، حيث تتحول بعض الآثار إلى ذرات ما يعيق عملية البحث العميق، لكن الموقع الجغرافي لجزيرة العرب كونها همزة وصل بين أجزاء العالم، يعد شاهدًا على الاحتكاك بطريقة أو بأخرى بفنون الحضارات الرومانية والبيزنطية والساسانية وسبأ والآشورية والبابلية. وكان هناك اتصال بالحضارات الهلنستية والرومانية والنبطية في المسكوكات القديمة، والتماثيل والرسومات والنقوش.

وللتبادل التجاري أثر في الثقافة التي ظهرت في فنون المنطقة، وكان هناك اتصال بالحضارات السبئية والحميرية والكندية والمعينية. ووجود بعض الشواهد التي تشير إلى تأثير الاتصال بالثقافات الأخرى، يجب ألَّا يدفعنا إلى الاعتقاد الخاطئ إلى كون تلك الشعوب عالة في ثقافتها على تلك الحضارات، دون أن يكون لها حضارتها الأصيلة.

إن علماء المقارنة بين الحضارات عند دراسة تلك الظواهر والشواهد الفنية التاريخية يضعون في اعتبارهم احتمالين عند محاولة تحليل التشابه والاختلاف:

1- أن تكون أشكال هذه الفنون قد نشأت كل منها في بيئتها الخاصة بصفة مستقلة.

2- أن تكون ذات منشأ واحد، ومن ثم انتشرت تلك الفنون إلى الأمكنة التي وجدت فيها سواء عن طريق الأفراد في أثناء تنقلاتهم، أو عن طريق الاحتكاك بالثقافات المختلفة.

ومن المؤكد أن الفنون ذات التقنيات المطورة والمميزة بتفاصيلها وجزئياتها المعقدة، إنما نفذت في مكان واحد وشعب واحد.

تفيد بعض النصوص الآشورية في 1100-612 ق.م بوجود بعض كسر الفخاريات الآشورية المعروفة بقشرة البيض التي عثر عليها في بعض أنحاء الجزيرة العربية.

أما التي تدل على المؤثرات البابلية الحديثة 612-539 ق.م في فنون جزيرة العرب، فلم يعثر إلا على أدلة كتابية منها كسرتان من الحجر الصابوني، وختم أسطواني نقش عليه نص صلاة، وقطعة من وعاء برونزي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة