اللَّيل وأنا


ها قد نشر اللَّيل رداءه على الأرض، وفي هذا الوقت تتحدّث كل الينابيع المتدفقة بصوت عالٍ... وروحي أنا أيضًا ينبوع متدفق.

ها قد جُنّ اللَّيل، وفي هذا الوقت فقط تتعالى أناشيد المحبين... وروحي أيضًا أنشودة شخص محبّ.

في نفسي ظمأ لا شيء يرويه، وهو يريد التعبير عن نفسه بصوت عالٍ.

في نفسي رغبة شرهة في الحبّ تتكلم لغة الحبّ.

أنا نور: آه! ليتني أكون ليلًا! لأن النور هو وحدتي الَّتي تحيطني بسورها.

ليتني كنت ظلًا وظلمة! إذن لرضعت ثدي النور! 

ولباركتك أيتها النجوم المتلألئة في عنان السماء كالحباحب! ولسعدت كثيرًا بهداياك النورانيّة.

ولكنني أحيا في نوري وأشرب اللهب المندلع من جسدي.

إني لا أعرف سعادة الَّذي يأخذ، ولطالما حلمت بأن السعادة الَّتي مصدرها السرقة أكبر من الَّتي مصدرها الأخذ.

فقري هو كون يدي تبذل العطايا باستمرار، وما أرغب فيه هو رؤية تلك العيون الَّتي تنتظر والليالي الَّتي تشع فيها الرغبة.

يا لشقاء الأسخياء! يا لعتمة شمسي! يا للشراهة الَّتي لا تنقضي! يا للجوع الَّذي ينهشني وأنا شبعان!

إنهم يأخذون عطاياي، ولكن هل استطعت التأثير على روحهم؟ هناك بين العطاء والأخذ هوة، والهوة الأصغر هي الَّتي يصعب علينا ملؤها.

ها هو جوع ينشأ من جمالي: أود أن أوذي الَّذين أنيرهم، وأود أن أنهب الَّذين بذلت لهم العطايا، هكذا أتعطش إلى الإيذاء.

أودّ قبض يديّ وقد امتدّت إليها الأيادي، والتردد مثل الشلال المتردّد في انحداره، هكذا أتعطش إلى الإيذاء.

هذا هو الانتقام الَّذي يتأمله سخائي، هذا هو المكر الَّذي ينبع من وحدتي.

كثرة العطاء قتلت في سعادة العطاء، وفضيلتي ملت نفسها من شدة الإسراف.

فالَّذي يعطي باستمرار مهدّد بفقد الحياء، كما يصير قلبه ويده في النهاية خشنين من فرط العطاء.

لم أعد أذرف الدمع على خجل الَّذين يأتون طلبًا للأخذ؛ ويدي، من فرط تصلبها، لم تعُد تشعر بارتعاش الأيادي الممتلئة.

فأين دموع عيني ورقة قلبي؟ يا لوحدة كل الأسخياء! ويا لصمت كل المنيرين.

كثيرة هي الشموس الَّتي تدور في الفضاء الخالي، مخاطبة بنورها كل شيء معتم، أما أنا فلا تقول لي شيئًا.

ذلك هو بغض النور لكل منير، إنه يمضي لحال سبيله غير مشفق لحال هذا المنير.

كل الشموس تدور، وقلبها ممتلئ عداوة لكل من ينير، غير عابئة بحرارة الشموس الأخرى.

أسرع من الإعصار ترسم الشموس مداراتها، فتلك هي طريقها... إنها تتبع إرادتها الصّلبة، وذاك هو جليدها.

أنت وحدك أيّتها الكائنات اللَّيليّة المعتمة من تستمدّين حرارتك من كل منير... أنت وحدك من تنهلين الحليب والطمأنينة من أثداء النور.

آه! الجليد يحيط بك، ويدي تحترق لدى لمس كل ما هو جليدي... آه! لقد ألهب ظمأك عطشي.

لقد جُنّ اللَّيل، فلماذا على أن أكون مورا؟ ومتعطشًا إلى العتمة! ومتوحدًا! 

لقد جُنّ اللَّيل، وهي ذي رغبتي تتدفق مني مثل ينبوع طالبة التعبير عن نفسها...

لقد جُنّ اللَّيل، وهي ذي فورات الينابيع الدافقة يتعالى صوتها... وروحي أيضًا ينبوع دافق.

لقد جُنّ اللَّيل، وهي ذي أناشيد المحبين تنبعث من غفوتها... وروحي أيضا أنشودة شخص محبّ.

بقلم الكاتب


Psychiatrie Psychoanalyst Philosophy of Life


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

مقال رائع
ارجو ان تقرأ مقالتي وتعطيني رأيك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

Psychiatrie Psychoanalyst Philosophy of Life