الله لي.. صرخة امرأة وحكاية عن الرحمة

كان ذلك في أغوار الزمن البعيد فإنه لا يزال محفورًا، ليس في الذاكرة فحسب، إنما صارت تلك الصرخة وهي تشق السماوات في تلك المحطة البعيدة معلمًا من معالم اتكاءاتنا عليها وانغماسنا ونحن نخوض في معانيها، لنستجلي الرحمة وهي تتنزل في أقاصي الأرض أو أدناها، ونتفيأ ظلال اسمه الرحيم.

كنا بعد صغارًا في تلك المحطة الصغيرة، محطة للسكة الحديد، بيوتات معدودة وأطفالها محدودون، ليس لنا من أدوات اللهو إلا الطين وإلا التراب الذي منه خلقنا، لكننا كنا سعيدين، وربما طاردنا فراشة على شجرة برية أو عصفور، هذا كل ما هناك، كان ذلك يمنحنا السعادة، فليتنا لم نكبر ولم تكبر البهم.

شدنا صوت صرخة لامرأة، صرخة مدوية الله لي الله لي، فتركنا ما بيدنا من طين وجرينا ونحن نلهث تجاه البيت في ناصية المحطة لنستجلي الأمر، فتسورنا الباب الخارجي ونظرنا من (النملية) -وهي رقاقة منسوجة من أسلاك تمنع دخول الذباب والحشرات، كانت عند كل بيوت السكة الحديد في تلك الفجاج، فهي الوسيلة الوحيدة للحماية من الملاريا التي كانت تفتك بالناس هناك-.

كانت عيوننا الصغيرة تبحلق في النملية، فرأينا نسوة يتحلقن حول هذه المرأة في شكل دائري وهي لا تزال تصرخ، الله لي الله لي، كانت أمي تهرول مسرعة وهي تتصبب عرقًا وتمسك رأس المرأة جارتها، وتقرأ عليها بعض ما تحفظ من آيات القرآن، وهي لا تزال تصرخ بذات النداء الله لي، انتبهت النسوة لوجودنا فانتهرننا وخرجنا لا نلوي على شيء، لنواصل اللعب بالطين ونحن نتصايح في لهو بريء الله لي، ثم نردد في إيقاع لي لي لللللللي.

لم نكن ندرك أن تلك المرأة إنما كانت تعاني آلام المخاض، كانت في حالة ولادة، ولكن أين الطبيب؟ أين المستشفى؟ حتى ولو كان بعيدًا أين العربة التي ستقلها؟ من يعطيها مسكنات لما تحس به من ألم؟ أين أهلها والعشيرة؟ ليس هنالك أي شي من هذا، مسكينة وحيدة فقيرة في ديار بعيدة من أهلها، حولها بعض نسوة من بينهن أمي، لا حول لهن ولا قوة، لا شيء لا شيء، فشق صوتها الآفاق وجلجل في تلك الوهاد، الله لي.

لقد سمعها الله، فتنزلت رحماته عليها وعلى من معها، فهدأت صرخاتها وعلت صرخات مولود جديد، طفل كالقمر، وأبدلها الله ابتسامة، لما رجعنا وجدناها تبتسم كأن لم يكن بها وجع، والنساء حولها يتضاحكن بعد أن زالت عنهن الهواجس وأنزل الله عليهن السكينة، أوليس هو الرحمن الرحيم؟

وزعوا لنا قطعًا من الحلوى، وهرعت أمي إلى بيتنا الملاصق وأتت بالبلح، كان عندنا بلح أرسلوه لها من البلد. وفي الصباح كان شاي اللبن بالزلابية تحت السماء المشرقة، ونحن نتقافز هنا وهناك ونصيح لي لي لي بإيقاع موسيقي، كنا نلهو ونلعب لم نقلها كما قالت، ولم نحس بما اعتراها من ألم، ولن يعرف ذلك الطفل كما لم نعرف تلك اللحظات المهولة التي عانتها أمهاتنا ونحن نخرج للوجود ونمارس بعدها العقوق.

لم نعرف معنى ولا تنهرهما، ولا تقل لهما أف، لم نعرف الألم الذي عشنه ولا المعاناة ولا السهر ولا الوجع منذ لحظة الميلاد إلى الشفقة والقلق وشظف الحياة في الدرب الطويل، لكن الله يعرف لذلك قال: (ولا تنهرهما)، حتى (ولا تقل لهما أف)، تركنا وصية مباشرة من المولى عز وجل -(ووصينا الإنسان بوالديه)- وراء ظهورنا، فكان الجزاء ما نعيشه من محن وإحن وابتلاءات.

ترى أين هي الآن؟ غاب عني اسمها وملامحها لكن صوتها لا يزال يتردد صداه في مسمعي: الله لي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.