هل تأملت يومًا كيف تتحول اللغة من أصوات وحروف إلى دهشة؟ هل خطر ببالك أن الكلمة المكتوبة قد تحمل في طياتها عالمًا آخر، وأن الكاتب لا يكتفي بنقل المعنى، بل ينقله مشبعًا بإحساسه ورؤيته وزوايا نظره؟
اللغة ليست قناة تمر عبرها الأفكار من عقل الكاتب إلى عقل القارئ، بل هي الحامل الحقيقي للمشهد والموقف والمزاج والمعنى العميق الذي لا يقال صراحة، وحين تحسن اللغة أداء دورها، فإنها لا تنقل فقط، بل تبدع وتدهش وتربك أحيانًا.
يقول بعض النقاد: إن اللغة هي التي تقنعنا بالحزن أو الفرح أو التوقف للتفكير، وهي بهذا ليست أداة فحسب بل طرف فعال في اللعبة الإبداعية، إنها الحضور الأكثر اختفاءً لكنها في الوقت نفسه الأكثر تأثيرًا، لكن لماذا ننجذب أحيانًا إلى نصوص دون غيرها؟ هل هو الموضوع أم الأسلوب؟ ربما الاثنان، لكن الذي يحدث الفارق الحقيقي هو اللغة ذاتها، بما تملكه من طاقات تعبيرية وقدرات على الإيحاء والتشكيل.
فاللغة في النص الإبداعي ليست فقط وسيلة للفهم بل مجال للانفعال وميدان للصراع بين الفكرة ومضمونها، وبين ما يقال وما يحس، وبين ما يكتب وما يفهم، وما يميز الكاتب الحقيقي، ليس فقط وعيه بقضايا مجتمعه أو عمق أفكاره، بل مدى سيطرته على اللغة، ومدى إدراكه لأسرارها، ووعيه بسياقاتها، وتوظيفه لتراكيبها، وقدرته على جعل اللغة نفسها موضوعًا للدهشة.
وقد رأينا هذا في بعض التجارب السردية التي تتعامل مع اللغة بوصفها كيانًا حيًّا، قادرًا على أن يطوع كل الأشكال الخطابية، فتتعدد مستويات الخطاب داخل العمل، وتتسع دوائر القراءة، فيشعر القارئ أن النص لا يخاطبه من مكان واحد، بل من زوايا متعددة تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة، وهي أن اللغة أفق لا نهاية له.
وحين توظف اللغة الحديثة القريبة من روح العصر، بتنوعها ما بين الشعري والتقريري، وبانفتاحها أحيانًا على اللهجات المحلية، فإنها لا تفقد نقاءها، بل تظهر قدرتها على التأقلم وتحويل كل خطاب إلى جزء حي في بناء سردي أكثر حيوية.
آليات التجريب على مستوى اللغة عند محمد جعفر
ولنأخذ الكاتب محمد جعفر مثالًا للكتاب الذين برعوا في استخدام آليات التجريب في مجموعتهم القصصية.
اللغة الفصحى والدارجة
تأمل معي هذا المشهد.. كاتب يسرد ويصف ويوجه الحوار، وإذا بلغ نقطة الانفعال انزلقت مفردة عامية أو عبارة إنجليزية عابرة فتشوش السياق وتضيء في وقت واحد، هل كان هذا خطأً أم هو خيار فني منه؟ في الحقيقة نحن أمام لحظة لغوية تستدعي التأمل لا التبرير.
فحين ننظر في مجموعة قصصية لـ(محمد جعفر) نراه جعل الفصحى لسان النص الرئيس له، فجاء السرد والتوصيف والحوار عنده غالبًا في ثوب فصيح، لكنه لم يمنع نفسه من أن يفتح للنص نوافذ جانبية، يدخل منها ما يناسب اللحظة من كلمات دارجة أو أجنبية لا للزينة، بل لأن الشخصية تطلبها والمشهد يحتملها.

فقد قال في إحدى القصص: (درتها بيدي) أو (جو سوسي مدسان)، لم يكن يضعف الفصحى، بل كان يضيء جانبًا من الشخصية، يظهر تعدد لسانها ويفتح النص على فضاء حواري يظهر بيئة معاصرة، لا تعيش داخل القاموس فقط، بل تتنفس خارجه أيضًا، والتعدد اللغوي هنا لا ينفي الهوية، بل يعيد رسمها بطريقة مرنة، فالفصحى هي الإطار الحامل، أما الكلمات الأخرى، فهي ارتدادات الواقع داخل هذا الإطار.
الحوار الداخلي
لا تظن أن الحوار دائمًا ما يكون متبادلًا بين شخصيتين، فأحيانًا يكون أعنف وأصدق حين يجري في أعماق النفس، فقد جعل الكاتب نفسه (محمد جعفر) الحوار الداخلي بعدًا سرديًا ثابتًا في مجموعته، لا زخرفًا نفسيًا، بل وسيلة لكشف المشاعر المختلفة مثل الخوف والرغبة والتردد، والهواجس.

والمتأمل في مجموعته القصصية يجد أن شخصياته لا تتكلم مع الآخرين فقط، بل تقف أمام ذاتها وتسائلها وتوبخها وتشفق عليها أحيانًا، ففي قصة (جديرة بأن تروى) نرى فيها البطل يحاور نفسه ليهرب من الشك ليكتب، لأن لا ملجأ له غير الكتابة، فكل جملة داخله تظهر صراعًا حادًّا لا مع العالم فقط، بل مع الذات التي لم تعد مطمئنة لشيء.
وفي تلك اللحظات يبدو الكاتب وكأنه يمسك بالمونولوج، لا كأداة شكلية، بل عدسة دقيقة تكبر لنا تفاصيل الاضطراب الإنساني، وتمنح القارئ فرصة نادرة للاقتراب من الزمن النفسي للشخصيات.
تناول الجنس
كذلك نراه يتحدث عن الجسد، لا بوصفه موضوعًا غريزيًّا، بل بوصفه ساحة للمنع أوللانتهاك أوللرغبة المكبوتة، وقد دخل هذا الحقل لا بتسرع، بل بمغامرة محسوبة، جعل فيها الجسد مفتاحًا لقراءة الانفعال الإنساني في لحظاته القصوى.
ومن ثم فإن تناول الجنس في مجموعته القصصية لم يكن اختراقًا عشوائيًا للأعراف، بل جاء تجسيدًا لمفهوم التجريب نفسه، حيث تعاد صياغة المحرمات ضمن رؤية أدبية تسعى إلى كسر المألوف وإعادة تقديمه من زاوية جديدة.
في النهاية نجد أنفسنا أمام تجربة تجريبية لا تعلن ثورتها بالصوت العالي، بل استكشفناها بالتفاصيل من اختيار اللغة إلى رسم الحوار إلى التورط في أكثر الموضوعات حساسية، والآن هل يمكننا أن نحدد ما هو التجريب في هذه الكتابات؟ ربما لا.
لكن ما يمكننا تأكيده هو أن التجريب هنا ليس خيارًا شكليًّا، بل هو موقف من الكتابة نفسها، موقف يرى في الأدب فضاء للبحث المتجدد، الذي لا يعترف بنهاية ولا يهاب المجهول.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.