اللغة العربية واقع وتحديات وآفاق

اللغات هي وعاء الفكر الإنساني والتجارب والأحلام والطموحات الإنسانية عبر التاريخ، وقد سجّلت هموم الإنسان وتطلّعاته في رحلة وجوده على هذا الكوكب من بدايتها إلى نهايتها. اللغة كيان الأمّة الذي تحيا به وتتنفّس، وروحها التي تنبض داخل كلّ فرد من تلك الأمة، اللغة هي القلب النابض الذي لم ولن يتوقّف خفقانه، هي الخلود والأبدية التي لا تضمحل ولا تتلاشى مهما تعاقبت السنون والأجيال. اللغة هي صمام أمان الأمة والحافظ لوجودها وذاكرتها وهويتها، فهي مخزن العلوم والتعاليم والقيم والمعتقدات، فمصير الشعوب والمجتمعات مرهون بلغتها وقدرة هذه الأخيرة على الصمود والثبات ورفع التحدّي.

سطّرت اللغة العربية عبر تاريخها الحافل الطويل ملاحم علمية وفكرية وأدبية وغيرها من مختلف النشاطات والعلوم، وكانت الوسيلة المثلى للإبداع والابتكار وترجمة الأفكار في شتى الميادين، ولا يعدم الباحث أو حتى المشكّك أمثلة ساطعة عن التاريخ المشرق للغتنا العربية، سواء كان ذلك في الشرق العربي حيث ازدهرت حركة التأليف والكتابة والتدوين، أو في الغرب وبلاد الأندلس حيث أقيمت المدارس والجامعات والجوامع ونشطت حركة البحوث والمخترعات، واستطاعت لغتنا العربية الجميلة أن تثرى باندماجها مع اللغات والحضارات المجاورة، فكانت هي لغة الدولة والعلم والعمل وحتى لغة الشعب، حيث كان لزاما على كلّ من أراد التبحّر في علم من العلوم أو تأليف أيّ مؤلّف أن يتقن اللغة العربية، فكانت لغة الإبداع والاختراع وتسيير الشؤون العامة والخاصة،لغة المعاملات والتبادل التجاري، باختصار كانت لغة الحضارة.

اللغة كما هو معروف كالجسد عليك دائما أن تمرّنه وتحرّكه حتى لا يمرض ويعتلّ، وهذا ـ للأسف ـ هو ما حدث للغتنا العربية حيث انهارت كلّ تلك الأمجاد والإنجازات حين قلّ الاهتمام بها، حيث انهارت تلك الحضارة العظيمة وأصاب الركود سائر القطاعات بعد أن كانت تعجّ بالحركة والنشاط. وشيئا فشيئا بدأت لغتنا العربية تبتعد عن الحياة العلمية والعملية ودخلتها بعض الشوائب في معانيها ومبانيها.

ومع مطلع العصر الحديث وجدت اللغة نفسها في معزل تام عن كل مظاهر الحياة والزخم العلمي والمعرفي، فبدأت ثقة الإنسان العربي بنفسه ولغته تهتزّ وتتأرجح، حيث أصبحت لغته غير قادرة على مواجهة ثقافة الغرب وعلومه ومخترعاته، وازداد الأمر سوءا مع عدم قدرة اللغة العربية على ترجمة بعض المصطلحات الغربية التي بدأت في الظهور على صفحات الكتب، فبدأت تظهر بعض الأصوات التي دعت إلى هجر اللغة الفصحى واستبدال العامية المحكية بها، أو مزجها بالعاميات بدعوى التسهيل والتيسير، أو الاعتماد على اللغات الأجنبية بديلا عنها. مع ما فيه من التحامل والإجحاف والتجنّي على لغتنا العربية الخالدة.

لذلك وجب علينا ـ كأهلها الفخورين بها ـ أن  نرفع التحدّي ونحاول كلّ في مجاله للرفع من شأنها وإعادتها إلى حيث مكانها الأصلي الذي لا يليق إلا بها، ليس بالكلام والتغنّي والاحتفال بيوم يمرّ أو سيأتي، بل أن نعطيها الأولوية في التعليم وأن نجعلها لغة العلم والحضارة، أن ننشئ المجلات والمطابع والمكتبات التي تنشر البحوث العلمية والدراسات الفكرية والاجتماعية والثقافية ...إلخ.

ونحن معشر العرب والمسلمين من أشد الأمم تعلقا بلغتنا الشريفة والمقدسة، إلا أننا دائما نكتفي بالتغنّي والتمجيد وبدل ذلك يجب علينا أن نقدّم لها الدعم الواقعي العملي والعلمي في مختلف المجالات والأنشطة والعلوم، وخاصة ما تعلّق بالناحية الإعلامية والتي أرى أنها أهم عامل في النهوض بلغتنا الجميلة، التي ـ وللأسف الشديد ـ ما زالت حبيسة الكتب والقصص الورقية، فهي بعيدة منغلقة على نفسها، واللّوم كلّه يقع على أبنائها بطبيعة الحال فهم الأولى بمحاولة النهوض بها وإعلاء شأنها.  

هذا هو واقع الأمر، وإذا كان هذا هو حال لغتنا الجميلة اليوم في كفاحها المرير، فإن المستقبل ينبئ عن تحدّ كبير وصمود عظيم، لأن تاريخ اللغة العربية حافل بالمواجهات والمطبّات وكذلك الانتصارات، وكانت دائما تخرج من معاركها أغنى وأثرى وأكثر نضجا وقدرة على احتواء الصّدمات واستيعاب المتغيّرات. والسبيل الأوحد لذلك هو تمسّك الأمة العربية بلغتها الضامنة لوجودها واستمرارها .

بقلم الكاتب


باحث عن الحقيقة والجمال


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

باحث عن الحقيقة والجمال