اللص والكلاب بين الواقع و الخيال

 الأديب العالمي الذي عبر بقلمه عن مصر  وإستمد شخوص رواياته من الأماكن التي عاش فيها وحصل على جائزة نوبل في الأدب عن إحدى رواياته المغرقة في المحلية، وهي رواية أولاد حارتنا. هذا الأديب هو نجيب محفوظ الذي سطر برواياته وكتاباته تاريخاً مصرياً خالصاً من الإبداع وصنع عالماً كاملاً له مفرداته وأحداثه وشخوصه التي عاشت بيننا وتجسدت على شاشة السينما في الأعمال التي تحولت إلى أفلام سينمائية، وتأثر بكل ما مرت به مصر من أحداث منذ مولده عام 1911م، وإعتبره النقاد من رواد الواقعية في الأدب المصري، تأثر بنشأته في حي شعبي ولذا دارت أحداث معظم راوياته في الحارة المصرية وبعد سنوات من مولده قامت ثورة 919م التي جسد أحداثها في ثلاثيته الشهيرة، كما جسد الحارة المصرية بصورة أخرى في روايته زقاق المدق، وتوالت رواياته التي كان بطلها الأساسي الشعب المصري بمختلف طوائفه.                                                                              

استوحى محفوظ أحداث روايته اللص والكلاب من حاددثة حقيقية وقعت في تلك الفترة التي كتب فيها الرواية، حيث طرح من خلالها عدة تساؤلات مهمة حول مفهوم الشرف ومن هو اللص الحقيقي، وكيف يتعامل معه المجتمع والقانون، وهذا الحادث الذي جعل منه نجيب محفوظ موضوع روايته اللص والكلاب هو مقتل لص وسفاح كان حديث الصحف في تلك الفترة وحولته العقلية المصرية الشعبية إلى بطل، واهتمت بمتابعة أخباره حتى مصرعه عندما حاصرته الشرطة، حيث يختبىء وإنتهى الحصار بإطلاقه النار على نفسه ويقول نجيب محفوظ عن رواية اللص والكلاب: كثير من الحوادث قرأتها في الصحف ولم أتأثر بها حتى قرأت حادثة محمود أمين سليمان في الصحف ومن هنا جاءت فكرة اللص والكلاب، لقد حدثت لي هوسة وأحسست أن هذا الرجل يمثل فرصة تتجسد عبرها الإنفعالات والأفكار التي كنت أفكر فيها دون أن أعرف طرق التعبير عنها، العلاقة بين الإنسان والسلطة ومجتمعه.       

فيلم اللص والكلاب إنتاج عام 1962م وتدور أحداثه حول شخصية سعيد مهران الذى يسجن بعد وشاية من شخص كان يعتقد أنه صديقه وبعد خروجه من السجن يفاجأ بتنكر ابنته الصغيرة له لأنها لا تعرفه، فيذهب لصديقه الصحفي القديم رؤوف علوان الذي أصبح صحفياً كبيراً وتغيرت كل قناعاته، فيقرر الإنتقام ممن خانوه ولكنه يفشل ويخذله الجميع، وأثناء محاولته الإنتقام ممن كان سبباً فى دخوله السجن يقتل شخصاً بريئاً وعندما يحاول التخلص من رؤوف الذي غرس في سعيد أفكار المدينة الفاضلة، ويزيف وعي المجتمع بكتاباته المضللة، يقتل بريئاً آخر ويفر وقد فشل فى الإنتقام ممن كانوا سبباً فى تحطيم حياته، وتبحث عنه الشرطة وتطالب الصحافة والرأي العام بالقضاء عليه، ولكن فتاة الليل نور هي الوحيدة التي تقف بجواره وتساعده وتقوم بإيوائه في بيتها عند مطاردة الشرطة له بعد أن أسهب رؤوف في وصف جرائمه وقلب الرأي العام ضده مما جعل الشرطة تطارده للقبض عليه.   

أما في الفيلم الذي أخرجه كمال الشيخ فتبدأ القصة بالخيانة التي تعرض لها سعيد مهران من زوجته وصديقه، حيث يجسد تلك اللحظة من خلال مشهدين، الأول بعد صدور الحكم بالسجن على سعيد مهران، والثنيي في مكتبة السجن عندما يقرأ مقالاً لرؤوف علوان الذي لقنه مبادىء العدل والمساواة و تنكر لتلك المبادىء وأولاها ظهره حتى وصل إلى أعلى المناصب، وهكذا يخونه الشرفاء ظاهرياً بينما تخلص له من يعتبرها المجتمع كله خائنة لقيم المجتمع وتقاليده، وقرب نهاية الفيلم يلخص كمال الشيخ أزمة سعيد مهران الحقيقية في لقطة واحدة معبرة حيث يفر هارباً بعد حوار قصير مع الشيخ إلى منطقة صحراوية لتلحق به الشرطة بصحبة رؤوف علوان وينتهي الفيلم بمقتل سعيد برصاص الشرطة بعد محاولته الأخيرة للهروب، وقد نجح كمال الشيخ في المشهد الأخير بلقطات متتابعة عبر عنها المونتاج السريع عن حجم صدمة نور لمقتل سعيد، حيث تتوالى اللقطات لسعيد بعد مقتله والإسعاف تحمل جثمانه ونور على وجهها تعبير صدمة بالغة، ثم لقطة لرؤوف يغادر المكان بسيارته وتبقى نور بمفردها في عمق المشهد في لقطة عامة والمكان خاوِ تماماً، وتتابع اللقطات الصامتة في نهاية فيلم اللص والكلاب بهذه الصورة يعطي بعداً عميقاً لمأساة نور التي تتجسد في عودتها وحيدة من جديد بعد أن وجدت من ينظر إليها من الداخل ويدرك مدى عذابها.                                                                                                                                                                           أدى الممثلون أدوارهم ببراعة تحسب لهم حتى الأدوار الثانوية لنبوية زوجة سعيد والتي قامت بها سلوى محمود وشخصية عليش التي لعبها بإقتدار زين العشماوي في واحد من أهم أدواره السينمائية، أيضاً عدلي كاسب في دور المخبر، وفاخر فاخر في دور الشيخ، رغم قصر مساحة دوريهما. أما الشخصيات الرئيسية فقد نجح كمال الشناوي في تقمص شخصية الصحفي الإنتهازي الذي يغير مبادئه وقناعاته لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الشخصية، حتى لو أنقاض المجتمع وعلى حساب أشخاص أبرياء صدقوا ما يقوله، ونجح فى خداعهم كذلك صلاح جاهين في دور المعلم، أما شكري سرحان في دور سعيد مهران، وشادية في دور نور فقد أديا دوريهما ببراعة وإقتدار تحسب لهما خاصة في المشاهد الأخيرة للفيلم.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب

كبير مخرجين بقناة النيل الدولية - الهيئة الوطنية للإعلام