اللدائن الدقيقة (Microplastics) هي جزيئات بلاستيكية متناهية الصغر تنتج عن تحلل النفايات البلاستيكية أو تُصنع للاستخدام الصناعي. تصل هذه اللدائن إلى طعامنا ومياه الشرب يوميًّا عبر السلسلة الغذائية البحرية، والمياه المعبأة، واحتكاك أدوات الطهي، وتسخين الطعام في الأوعية البلاستيكية. تحمل هذه الجزيئات مكونات كيميائية سامة مثل (البيسفينول أ BPA)، وتتراكم في أعضاء الجسم مسببة أضرارًا صحية خطيرة؛ تبدأ من الإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress) واضطرابات الغدد الصماء، وتصل إلى التأثير السلبي في صحة الدماغ والأجنة. وتُعد الخطوة الأولى للحماية هي استبدال الأدوات البلاستيكية في المطبخ ببدائل زجاجية وخشبية.
في هذا المقال نشرح لك ما هي اللدائن الدقيقة وكيف تصل إلى طعامنا ومياه الشرب يوميًا، وما هي المكونات الكيميائية السامة التي تنقلها اللدائن الدقيقة، وما المخاطر الصحية المحتملة لللدائن الدقيقة على المدى الطويل، وكيف يمكن حماية أنفسنا من اللدائن الدقيقة عبر خطوات عملية.
ماذا تعني اللدائن؟
اللدائن الدقيقة (الميكروبلاستيك) هي جزيئات من البلاستيك صغيرة جدًا بحيث يقل حجمها عن 5 ملم، وتتسرب إلى الطعام والمياه عبر تفتت النفايات البلاستيكية في البيئة أو بواسطة تسرب الألياف البلاستيكية من المستحضرات والملابس، وتنتقل إلى مياه الشرب وملح الطعام حتى إلى الفواكه والخضراوات، وعند استخدام الأواني البلاستيكية أو الأكياس مع الطعام الساخن، ما يؤدي إلى تسرب جزيئات مجهريّة إلى الوجبات. ويمكن تقليل التعرض لها باستبدال الزجاج بالبلاستيك أو الستانلس ستيل، لا سيما عند تسخين الطعام والشراب.

ما هي اللدائن البلاستيكية؟
مواد اصطناعية أو شبه اصطناعية تعتمد على البوليمرات الكيميائية، وتتميز بخفة الوزن وسهولة التشكيل ومقاومة التآكل، مما يجعلها المادة الأساسية في معظم الصناعات والتغليف والأدوات اليومية.
كيف تصل اللدائن الدقيقة إلى طعامنا ومياه الشرب يوميًا؟
في البداية، لا بد أن نعرف أن اللدائن الدقيقة تصل إلى طعامنا وشرابنا كأجسام أولية تُصنع لتستخدم في منتجات مختلفة، أو كجسيمات ثانوية نتيجة تفكك وتحلل المخلفات البلاستيكية الكبيرة. وعلى هذا تصل إلى الطعام والشراب بالطرق التالية:
- المياه السطحية: تتسرب تلك الألياف البلاستيكية إلى المياه السطحية عن طريق غسيل الملابس الصناعية أو تفتت النفايات التي تصل إلى الخزانات والأنهار التي نستخدمها جميعًا كمياه للشرب. حتى مع المعالجة التي تزيل نسبة كبيرة من اللدائن، إلا أن بعضها يتجاوز الفلاتر.
- المياه المعبأة: أثبتت بحوث عدة أن المياه المعبأة في زجاجات بلاستيكية قد تحتوي نسبة أكبر من اللدائن الدقيقة التي تتسرب إليها نتيجة تحلل المواد البلاستيكية المستخدمة في التعبئة أو عن طريق احتكاك الأغطية ببعضها.
- السلسلة الغذائية: عند إلقاء النفايات البلاستيكية في البحار والمحيطات، فإن الأسماك تبتلع هذه الجسيمات لاعتقادها أنها طعام، وبذلك تنتقل تلك اللدائن إلى السلسلة الغذائية وتصل إلى الإنسان من الكائنات الصغيرة إلى الأسماك المفترسة والمحار.
- الملح والتوابل: نتيجة استقرار كثير من اللدائن الدقيقة في مياه البحار والمحيطات، فإن عملية التبخير لاستخراج ملح الطعام تجعلها تعلق في الملح بنسب كبيرة، وهو ما ينتقل بعد ذلك للاستخدام البشري.
- التربة والمياه الجوفية: تنتقل اللدائن الدقيقة إلى التربة الزراعية والمياه المستخدمة في الإرواء والملوثة بالنفايات البلاستيكية ومياه الصرف، وهو ما يؤدي إلى امتصاص النباتات لجسيمات بلاستيكية صغيرة جدًا يطلق عليها (اللدائن النانوية).
- الاحتكاك والحرارة: عند استخدام الأكياس البلاستيكية والأواني في حفظ الطعام أو تسخينه، أو حتى لتناول الطعام وهو ساخن، فتتسرب جزيئات مجهريّة من تلك اللدائن إلى الوجبات وتنتقل إلى جسم الإنسان.

ما مخاطر اللدائن الدقيقة على صحة الإنسان؟
يطلقون عليها (الخطر الصامت) بسبب تراكمها داخل الأعضاء الحيوية لجسم الإنسان وعدم خروجها بالكامل مع الفضلات، وإنما تظل تتغلغل في مجرى الدم وتستقر في أعضاء عدة مثل الرئتين والكبد والدماغ والمشيمة، وهو ما يسبب الأضرار التالية:
- أمراض القلب والأوعية الدموية: يسبب تراكم الجسيمات في الأوعية الدموية تصلب الشرايين وزيادة فرص تجلّط الدم، كما يزيد فرصة خطر الإصابة بالسكتات الدماغية والنوبات القلبية.
- اضطرابات الغدد الصماء والهرمونات: نتيجة احتواء اللدائن الدقيقة على مواد كيميائية تتسبب في اضطراب الغدد الصماء، فإنها تعد خطرًا كبيرًا على الإنسان، إضافة إلى تداخلها مع هرمونات الجسم الطبيعية مما يؤدي لمقاومة الإنسولين واستقلاب الدهون.
- التلف الخلوي والإجهاد التأكسدي: مع الوقت قد تتسبب الجسيمات البلاستيكية في إنتاج أكسجين تفاعلي في الأنسجة، وهو ما قد يؤدي إلى التهابات خلوية مستمرة ويحفز الأورام السرطانية وأمراض المناعة الذاتية.
- السُمية العصبية وأمراض الدماغ: أثبتت البحوث الحديثة أن تراكم البلاستيك في أنسجة الدماغ البشري يؤدي إلى العديد من الأمراض، من بينها الخرف وألزهايمر وتدهور القدرات المعرفية.
- إجهاد الكبد والجهاز الهضمي: غالبًا ما تستقر اللدائن الدقيقة في الكبد نتيجة تنقيته الدم، وهو ما يؤدي إلى تليف الكبد وتفاقم الأمراض المزمنة، بالإضافة إلى اضطراب الأمعاء وظهور القرح والاضطرابات الهضمية.
- مخاطر الخصوبة والأجنة: أثبتت البحوث أيضًا أن تلك الجزيئات الصغيرة تصل إلى المشيمة وحليب الثدي وهو ما يعني انتقالها إلى الأجنة، كما تؤثر بالسلب على صحة الحيوانات المنوية وربما تأخر نمو الأجنة وتشوه الكروموسومات.
ما العادات اليومية التي تساعد اللدائن الدقيقة على التسلل إلى أجسامنا؟
يوجد عدد من العادات اليومية والمنزلية المألوفة وغير المقصودة التي تساعد اللدائن الدقيقة في التسلل إلى أجسادنا، ومن أبرزها ما يلي:
- استخدام ألواح التقطيع البلاستيكية: كل مرة يتم استخدام السكين على لوح التقطيع البلاستيكي يتم قشط السطح، ما يؤدي إلى انطلاق ملايين الجزيئات البلاستيكية التي تلتصق بالطعام والخضار واللحوم.
- تسخين الطعام في عبوات بلاستيكية: يسخن كثيرون الطعام في الميكروويف باستخدام عبوات بلاستيكية، حتى ولو كان مكتوبًا عليها أنها آمنة للاستخدام في الميكروويف، لكنها تظل تفرز جزيئات كيميائية بلاستيكية.
- شرب المياه المعبأة: لا يتوقف الضرر عند استخدام العبوات البلاستيكية التي تتساقط فيها جزيئات مجهريّة بلاستيكية، ولكن الضرر يتصاعد مع ترك الزجاجات البلاستيكية في الحرارة والشمس، مما يسرع تحرر البلاستيك إلى الماء، وكذلك عند استخدام الزجاجة أكثر من مرة.
- الشرب في أكواب ورقية: تلك الأكواب الورقية والبلاستيكية المخصصة للشاي والقهوة تحتوي على طبقة من البلاستيك الرقيق، ومع الحرارة تتحلل الطبقة البلاستيكية وتضخ مئات الآلاف من جزيئات البلاستيك في المشروب.
- أدوات الطهي البلاستيكية: كل الملاعق وأدوات التقليب وأدوات الطهي المصنوعة من البلاستيك أو النايلون التي تُستعمل مع الطعام الساخن تؤدي إلى ذوبان جزيئات البلاستيك في الطعام.
- الوجبات المغلفة بالبلاستيك: كلنا نستخدم الوجبات والأطعمة الساخنة المغلفة بالبلاستيك وأطباق الفوم التي تنتقل منها جزيئات البلاستيك والمواد الكيميائية إلى الطعام.
- إهمال تهوية غبار المنزل: نتيجة إهمال التهوية، فإن الألياف البلاستيكية الموجودة في الملابس والأثاث والستائر تتفتت مع الحركة والغسيل، ويستنشقها الإنسان يوميًا حيث تصل إلى الرئتين ومجرى الدم.

كيف نحمي أنفسنا من اللدائن الدقيقة بخطوات عملية؟
في الحقيقة لا يمكن التخلص تمامًا من اللدائن الدقيقة نظرًا لطبيعة الحياة وانتشار المواد البلاستيكية من حولنا، لكن بعض العادات قد يكون لها تأثير كبير في حماية أجسادنا من اللدائن الدقيقة بواسطة الإستراتيجيات التالية:
حماية المطبخ وإعداد الطعام
- عدم تسخين أي طعام أو شراب في أوانٍ بلاستيكية في الميكروويف، واستبدالها بالزجاج والخزف والسيراميك.
- استبدال ألواح التقطيع البلاستيكية بألواح خشبية أو زجاجية لتجنب ملايين الجزيئات البلاستيكية الناتجة عن كشط السكاكين.
- التخلص من الملاعق والمغارف البلاستيكية واستخدام الأدوات الخشبية أو المصنوعة من الستانلس ستيل أو السيليكون ذات الجودة العالية.
- تقليل تناول الأغذية المعلبة والمغلفة بالبلاستيك، وكذلك الأطعمة الساخنة الموضوعة في أكياس بلاستيك أو علب فوم.
حماية مياه الشرب والمشروبات
- الحرص على غلي وترشيح مياه الصنبور قبل استخدامها في الشرب أو الطبخ أو صناعة المشروبات والأطعمة في المنزل.
- الابتعاد عن الزجاجات البلاستيكية تمامًا في الشرب واستبدالها بالزجاجات المصنوعة من الاستانلس ستيل أو الزجاج.
- عدم شراء المشروبات السريعة مثل القهوة والشاي في عبوات بلاستيكية أو ورقية، واستخدام الأكواب الحرارية الخاصة المصنوعة من المعادن أو الزجاج.
حماية المنزل وجودة الهواء
- الحرص على تنظيف المنزل بانتظام باستخدام المكنسة الكهربائية، ثم مسح الأرضيات وترطيبها لتفادي الغبار المشبع بالألياف البلاستيكية.
- الحرص على التهوية الجيدة، حيث تُفتح النوافذ يوميًا لتجديد الهواء وتقليل تركيز الألياف العالقة في الهواء الداخلي.
حماية الملابس
- الوعي بأهمية شراء الملابس والمفروشات الطبيعية مثل الكتان والحرير والقطن والصوف، والابتعاد تمامًا عن المنتجات التي تحتوي على البلاستيك مثل النايلون والبوليستر.
- استخدام أكياس الغسيل المخصصة لالتقاط الألياف التي يتم وضعها في فلاتر الغسالات، أو حتى تركيب فلتر خارجي في الخرطوم الخاص بالصرف، لمنع وصول اللدائن الدقيقة إلى المياه الجوفية.
بحكم تخصصي واهتمامي الدائم بالصحة العامة والسموم البيئية، أشرفت مؤخرًا على متابعة حالة أسرة كانت تعاني اضطرابات هضمية غير مبررة، وإرهاقًا مزمنًا، واضطرابات هرمونية طفيفة لدى الأطفال.
عند تحليل نمط حياتهم، وجدت أن مطبخهم يعتمد كليًّا على البلاستيك: يسخنون الطعام في علب بلاستيكية، يقطعون الخضار واللحوم على ألواح بلاستيكية مخدوشة بشدة، ويشربون الشاي يوميًّا في أكواب ورقية مبطنة بالنايلون.
طلبت منهم إجراء تغيير صارم: التخلص من كل بلاستيك يتعرض للحرارة أو الاحتكاك المباشر بالطعام، واستبداله بالزجاج والخشب والستانلس ستيل. بعد 3 أشهر فقط من هذا الديتوكس البيئي لبيئة المطبخ، تحسنت جودة الهضم لديهم، واختفت كثير من الأعراض المزعجة.
القاعدة الذهبية التي استخلصتها هي: أنت لا تستطيع تنظيف المحيطات من البلاستيك بمفردك، لكنك تملك السيطرة المطلقة على محيطك الأصغر (مطبخك). استبعاد البلاستيك من مائدة طعامك ليس رفاهية بيئية؛ بل هو خط الدفاع الأول والأساس عن مناعتك ومستقبل أسرتك.
ما هو مفهوم اللدائن؟
اللدائن هي مواد عضوية مرنة ذات وزن جزيئي عالٍ، تتكون من سلاسل بوليمرية طويلة، وتتميز بقابليتها للتشكيل، والطي، وإعادة الصياغة تحت تأثير الحرارة والضغط، لتكتسب شكلًا صلبًا ومستقرًا بعد التبريد.
كيف تصنع اللدائن؟
تُصنع اللدائن (البلاستيك) غالبًا من مشتقات النفط الخام والغاز الطبيعي. تمر المواد الهيدروكربونية بعملية كيميائية تُسمى (البلمرة - Polymerization)، حيث تُربط الجزيئات الصغيرة (المونومرات) لتكوين سلاسل طويلة وقوية (البوليمرات)، وتُضاف إليها مواد كيميائية (مثل الفثالات) لتحديد مدى صلابتها أو مرونتها.
ما هي اللدائن البلاستيكية؟
هي نوع من اللدائن الاصطناعية التي تعتمد بالكامل على المعالجة الكيميائية للبوليمرات، وتستخدم في كل مناحي الحياة الحديثة نظرًا لخفة وزنها، ومقاومتها للتآكل، وعزلها للكهرباء، وانخفاض تكلفة إنتاجها.
هل غلي الماء يزيل اللدائن الدقيقة؟
نعم، أثبتت دراسات حديثة أن غلي مياه الصنبور الغنية بالكالسيوم (الماء العسر) مدة 5 دقائق يؤدي إلى تبلور كربونات الكالسيوم حول اللدائن الدقيقة لتشكل رواسب مرئية. وبترشيح الماء المغلي (عبر فلتر بسيط أو ورق ترشيح)، يمكن التخلص من نحو 90% من اللدائن الدقيقة العالقة في الماء.
إن التحدي الذي تفرضه اللدائن الدقيقة لم يعد قضية بيئية مؤجلة، بل هو واقع صحي يمس تفاصيل حياتنا اليومية وأجسامنا. وعلى الرغم من صعوبة القضاء على البلاستيك تمامًا في عالمنا المعاصر، فإن الوعي بهذه المخاطر وتبني التغييرات التدريجية في سلوكياتنا الشائعة يُحدث فارقًا كبيرًا في تقليل نسب تعرضنا لهذه الجسيمات السامة.
البدء بالخطوات البسيطة داخل مطبخك وبيتك هو الاستثمار الحقيقي لحماية صحتك وصحة عائلتك على المدى الطويل. ما هي أول خطوة تنوون تطبيقها اليوم للتخلي عن البلاستيك؟ ولا تنسوا مشاركة المقال عبر منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة والتوعية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.