ما اللحوم المستنبتة وهل هي لحم حقيقي أم بديل مخبري؟

اللحوم المستنبَتة إحدى ثمرات الأبحاث العلمية المكثفة في مجال استزراع الخلايا الجذعية، والتي تعتمد على استزراع خلايا الحيوانات في مختبرات والوصول إلى نتائج مذهلة، وتمنحك تلك التكنولوجيا لحومًا حقيقية من أنسجة حيوانية متطابقة مع اللحم التقليدي، ويتم إنتاجها دون ذبح الحيوان.

وفي هذا المقال نشرح لك ما هي اللحوم المستنبَتة، وهل هي لحم حقيقي أم مجرد بديل مخبري، وهل تحل اللحوم المستنبَتة أزمة الغذاء في العالم، وهل سيتقبل المجتمع اللحوم المستنبَتة شرعيًّا ونفسيًّا.

ما الفرق بين اللحوم المستنبتة واللحوم الطبيعية؟

  1. على مستوى الشكل، تبدو اللحوم المستنبتة أشبه باللحوم الطبيعية إلى حد كبير، لكن الفرق يكمن في طريقة التكوين.
  2. تأتي اللحوم المستنبتة من مصادر حيوانية حيث تؤخذ من خلايا جذعية للحيوانات.
  3. تنمو اللحوم المستنبتة داخل المفاعلات الحيوية باستخدام المحاليل والمغذيات التي تتناسب مع طبيعة التجربة.
  4. تحتوي اللحوم الطبيعية على النسيج والدهون والأعصاب والأوعية الدموية، في حين تحتوي اللحوم المستنبتة على النسيج العضلي النقي الذي يخلو من الدهون حتى الآن.
  5. تحتوي اللحوم الطبيعية على هرمونات النمو وبقايا المضادات الحيوية في جسم الحيوان، أما اللحوم المستنبَتة فهي خالية من المضادات الحيوية لأنها تنمو في بيئة معقمة.
  6. على مستوى الملمس تبدو اللحوم المستنبتة ناعمة وأشبه باللحم المفروم، أما اللحوم الطبيعية فهي متنوعة بسبب وجود الألياف والغضاريف والعظام.

ما هي الخلايا المستخدمة وكيف تكتسب اللحوم شكلها في المختبر؟

تعتمد تجربة إنتاج اللحم المستنبت على بناء اللحم من الخلايا الجذعية، فيتم الجمع بين البيولوجيا في جانب الخلايا وبين الهندسة في استخدام القوالب التي تعطي اللحم شكلها النهائي، وهو ما يمكن شرحه بشكل مبسط في النقاط التالية:

نوع الخلايا المستخدمة

يتم التركيز في إنتاج اللحم المستنبت على استخدام نوعين رئيسيين من الخلايا، هما الخلايا الجذعية العضلية التي تقوم بعملية إصلاح العضلات وترميمها في جسم الحيوان، بالإضافة إلى قدرتها على التحول والانقسام إلى ألياف بروتينية وعضلية.

النوع الثاني هو الخلايا الدهنية التي يتم زراعتها بشكل منفصل في المختبر، أو يتم استخدام العضلات لكي تصبح اللحوم المستنبَتة أقرب في النكهة والطعم والملمس والرائحة من اللحوم الطبيعية.

شكل اللحوم

عندما يتم استزراع الخلايا الجذعية في المختبر، فإنها تكون ككتلة هلامية بلا شكل، أشبه بقطعة العجين الكبيرة، وبالتالي يتم إعطاؤها مظهر اللحوم الطبيعي من خلال استخدام ما يسمى بالسقالات. والسقالات هي قوالب مصنوعة من مواد قابلة للأكل، تُستخدم لإجبار الخلايا الجذعية على النمو بشكل معين يجعلها أشبه بالألياف الطبيعية.

في المرحلة الأخيرة، بعد أن تمتلئ السقالات بالخلايا الناضجة، يصبح الشكل متماسكًا ويمكن تقطيعه وتشكيله بحسب قطع اللحم المعروفة مثل الشرائح أو البرجر.

ما المكاسب والمميزات من وراء إنتاج اللحوم المستنبتة؟

يوجد عدد من المميزات والحلول التي تقدمها اللحوم المستنبَتة والتي يمكن تلخيصها في 4 نقاط أساسية كالتالي:

  • حماية البيئة والاستدامة: عن طريق إنتاج اللحوم في المختبرات والمعامل يقل استهلاك المساحات الخضراء التي تستهلكها الماشية وتقل غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن مخلفات الحيوان.
  • السلامة الغذائية: تتميز اللحوم المستنبَتة بكونها نقية وخالية من المضادات الحيوية، بالإضافة إلى الوقاية من الأوبئة التي تنقلها الحيوانات للإنسان.
  • التحكم الغذائي: على المستوى النظري، يمكن التحكم في نوع وشكل وتكوين اللحوم المستنبَتة من حيث نسبة الدهون والأوميغا 3 الصحية بحسب الرغبة.
  • كفاءة الإنتاج: توفر تكنولوجيا اللحوم المستنبَتة سرعة قياسية لإنتاج اللحوم، حيث يمكن إنتاجها في أسابيع قليلة مقابل سنوات لنمو الحيوان بشكل طبيعي.

هل يتقبل المجتمع تناول لحوم مزروعة؟

الحقيقة أن تكنولوجيا إنتاج اللحوم المستنبَتة ما زالت جديدة، وما زالت استجابة المجتمعات لها متباينة ومتأرجحة بين الرفض النفسي والفضول العلمي، وهو ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

  1. الحاجز النفسي: يوجد عائق نفسي كبير يمنع كثيرًا من الناس من قبول فكرة اللحوم المستنبتة، وهو المختبر أو المعمل الذي تُنتج فيه اللحوم، حيث يرتبط اللحم بالطبيعة والمزارع والحيوانات، وبالتالي يولد الأمر نفورًا لدى شريحة واسعة من الناس.
  2. الانقسام الجيلي: الدراسات التي أُجريت حول قابلية تناول اللحوم المستنبَتة أظهرت أن الأجيال الجديدة أكثر تقبلاً لفكرة التعامل مع اللحوم المستنبَتة، في مقابل الأجيال القديمة التي تفضل التعامل مع اللحوم التقليدية.
  3. المخاوف الصحية: توجد تساؤلات كبيرة عن مدى الشفافية في الحديث عن اللحوم المستنبَتة، وماذا غُذّيت الخلايا الجذعية لتكبر وتصبح لحومًا قابلة للاستهلاك، وما يترتب عليه من مخاوف صحية تجعل كثيرين يترددون في الإقبال على اللحوم المستنبَتة.
  4. ميزان التكلفة: بالنظر إلى ابتكارات مماثلة للحوم المستنبَتة، فإن التجربة تقول تاريخيًّا إن الناس تتقبل الجديد مع الوقت ما دام يساعدهم على التوفير، خاصة في المجتمعات الفقيرة. فإذا وصلت اللحوم المستنبَتة إلى سعر مناسب، فربما تحظى بقبول كبير.
  5. الحكم الشرعي: في المجتمعات العربية والإسلامية، يوجد تحفظ اجتماعي كبير تجاه التعامل مع اللحوم المستنبَتة حتى يصدر حولها فتوى تقول إنها حلال من قبل المجامع الفقهية الكبرى.

هل بدأ استهلاك اللحوم المستنبتة فعليًّا ومتى يتاح للجميع؟

الإجابة هي نعم، بدأ استهلاك اللحوم المستنبتة في بعض الدول، لكن الأمر لا يزال محدودًا حيث يواجه بعض العقبات التقنية والزمنية، وتعد دولة سنغافورة هي أول دولة في العالم تستهلك اللحوم المستنبتة على شكل لحوم الدجاج منذ عام 2020، وكثير من المطاعم في سنغافورة تستخدمها حاليًا.

في عام 2023، حصلت شركتان أمريكيتان على موافقة من وزارة الزراعة الأمريكية لبيع الدجاج المستنبت، وبالفعل بدأ تقديمه في بعض المطاعم في واشنطن وسان فرانسيسكو. ويتوقع الخبراء القائمون على إنتاج اللحوم المستنبَتة والمحللون الاقتصاديون أنه خلال 5 سنوات ستنتشر المطاعم التي تقدم اللحوم المستنبَتة في دول مثل بريطانيا ودول الخليج والدول المهتمة بالأمن الغذائي.

تشير التوقعات أيضًا إلى أنه خلال 10 أعوام ستكون اللحوم المستنبَتة موجودة في أسواق السوبر ماركت بأسعار تنافس اللحوم التقليدية، ولكن لا تزال التكلفة العالية للحوم المستنبتة وصعوبة بناء المصانع والمختبرات التي توفر كميات كبيرة، بالإضافة إلى التشريعات التي تفرضها الدول على المستوى الديني والقانوني، هي التحديات والعوائق الكبرى أمام انتشار اللحوم المستنبتة.

في النهاية، تمثل اللحوم المستنبتة ثورة علمية حقيقية قد تعيد تشكيل مفهومنا التقليدي عن الغذاء والإنتاج الحيواني. ورغم أنها تقدم حلولًا واعدة لأزمات البيئة والأمن الغذائي العالمي، فإن طريقها نحو المائدة العربية لا يزال محفوفًا بالتحديات؛ بدءًا من كسر الحاجز النفسي للمستهلك، وصولًا إلى حسم التوافق الفقهي والتشريعي حولها. ومع تسارع التطور التكنولوجي وانخفاض تكاليف الإنتاج، قد لا يمر وقت طويل قبل أن نجد هذه اللحوم خيارًا متاحًا للجميع في الأسواق والمطاعم.

يسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات: هل تملك الشجاعة لتجربة اللحوم المستنبتة عند توافرها؟ ولا تنسَ مشاركة المقال على منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.