المواد الكيميائية الأبدية هي آلاف المركبات الكيميائية الصناعية التي تتميز بروابط (كربون-فلور) شديدة الصلابة، ما يجعلها مقاومة للتحلل الطبيعي أو البيولوجي. وتتراكم هذه السموم تدريجيًّا في التربة والمياه وأجسام الكائنات الحية بمرور الوقت دون أن تتكسر، وتُستخدم بكثافة في المنتجات المقاومة للماء والحرارة، ما يمثل تهديدًا خطرًا للأمن الغذائي والصحة العامة.
يقدم هذا المقال تحليلًا شاملًا لطبيعة هذه المركبات المعقدة، ويسلط الضوء على إستراتيجية بيئية حيوية مبتكرة تجمع بين الهندسة الزراعية والطبيعة؛ لمعالجة التربة الملوثة بتكلفة اقتصادية منخفضة، ما يفتح باب الأمل واسعًا أمام استعادة خصوبة الأرض ومكافحة الجوع وتغير المناخ معًا.
تُمثل الملوثات الصناعية، وعلى رأسها المواد الكيميائية الأبدية أحد أخطر التحديات التي تهدد صحة الإنسان واستدامة البيئة في العصر الحديث، فبعد عقود من الاستخدام العشوائي للمخلفات الصناعية في الزراعة، تراكمت هذه السموم الصامتة في أراضينا، متسببة في تقويض الإنتاجية وتهديد الأمن الغذائي العالمي.
وللتخلص من المواد الكيميائية الأبدية (PFAS) في التربة الزراعية بتكلفة اقتصادية، ابتكر العلماء إستراتيجية من 3 مراحل: إضافة الصخور القلوية لزيادة حركة السموم، وزراعة نباتات ممتصة للملوثات كالقنب الصناعي، ثم حصدها وتحويلها حراريًّا إلى فحم حيوي يُعاد دمجه في التربة. وتضمن هذه الطريقة تدمير السموم، وتثبيت بقاياها، واستعادة خصوبة الأراضي لإنقاذ الأمن الغذائي.
في عام 2020، وبعد أن اشترى وينسلو ولورا روبنسون مزرعة في ولاية مين الأمريكية، فوجئا بخبرٍ غريب: مياه الصرف الصحي كانت تُستخدم سمادًا في تلك الأرض قبل عقود، تاركةً وراءها مواد كيميائية لا تموت، يُطلق عليها العلماء اسم «المواد الكيميائية الأبدية» (Forever Chemicals).
لم يكونا يعلمان أن أرضهما التي كانا يحلمان بزراعتها، تحمل في طياتها سمًا صامتًا، قادرًا على البقاء في التربة لآلاف السنين، والانتقال إلى المحاصيل، ثم إلى أجساد من يأكلونها. هذه القصة التي تتكرر في آلاف المزارع في العالم، هي وجه آخر للتلوث الصناعي.
ما هي أنواع المواد الكيميائية؟
تُصنف المواد الكيميائية إلى عضوية تحتوي على الكربون وغير عضوية، طبيعية ومُصنعة. ولتقريب الصورة أكثر نذكر 10 مركبات كيميائية شائعة ومعروفة في حياتنا، هي: الماء (H2O)، ثاني أكسيد الكربون (CO2)، ملح الطعام (NaCl)، الأمونيا (NH3)، حمض الكبريتيك (H2SO4)، الميثان (CH4)، الإيثانول (C2H5OH)، بيكربونات الصوديوم (NaHCO3)، حمض الهيدروكلوريك (HCl)، وأكسيد النيتريك (NO). من بين هذه الأنواع، تبرز المواد الصناعية كأحد أكبر التحديات البيئية.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تم تسويق المخلفات الناتجة عن معالجة مياه الصرف الصحي التي تُعرف بـ «المواد الصلبة الحيوية» (Biosolids)، كسماد طبيعي للمزارعين، في محاولة لإعادة تدوير النفايات وتحويلها إلى مورد. لكن ما لم يكن معروفًا هو أن هذه المخلفات كانت تحمل في طياتها مركبات PFAS، تلك الجزيئات التي تتميز برابطة كربون-فلور، وهي من أقوى الروابط الكيميائية المعروفة، ما يجعل تحللها الطبيعي شبه مستحيل.
ما هي أخطر مواد كيميائية؟
تاريخيًا، عُرفت بعض المواد بسميتها الحادة وسرعتها في القتل مثل غاز السارين، السيانيد، الزرنيخ، والمعادن الثقيلة كالرصاص والزئبق. ولكن، على عكس هذه السموم سريعة المفعول، تُصنف مركبات PFAS كـ «سموم بطيئة» وقاتلة بصمت، تتراكم بمرور الوقت لتسبب أمراضًا مميتة.
واليوم، وبعد عقود من الاستخدام، أصبحت هذه المواد منتشرة في التربة الزراعية والمياه الجوفية، ودخلت في السلسلة الغذائية. لكن العلماء، وفي تطور علمي مهم، كشفوا عن طريقة ذكية تجمع بين الهندسة البيئية والزراعة الذكية، قد تكون المفتاح لإنقاذ أراضينا من هذا السم الأبدي.
هذه المقالة هي رحلة في عالم PFAS، لفهم كيف يمكن للصخور والنباتات والفحم الحيوي أن يتحدوا لقتل ما كان يعتقد أنه لا يموت.
ما هي الكيماويات الأبدية؟ ولماذا تخيف العلماء؟
مركبات PFAS، أو المواد الكيميائية الأبدية، ليست مادة واحدة، بل هي عائلة تضم آلاف المركبات الصناعية التي تحتوي على روابط كيميائية قوية تجعلها مقاومة للتحلل الطبيعي.
ما هو مصطلح Pfas في الكيمياء؟
يُشير مصطلح Pfas إلى «المواد الألكيلية البيرفلورية والبولي فلورية» (Per- and polyfluoroalkyl substances)، وهي مجموعة ضخمة من الجزيئات التي تتكون من سلسلة من ذرات الكربون المرتبطة تساهميًا بذرات الفلور.
وقد استخدمت هذه المواد لعقود في تصنيع المنتجات المقاومة للماء والزيوت والحرارة، من أواني الطهي غير اللاصقة إلى الملابس المقاومة للمياه، ومن مواد إطفاء الحرائق إلى عبوات البيتزا.
ما هي مركبات PFAS ولماذا هي ضارة؟
تكمن خطورة هذه المركبات في ثباتها الكيميائي الاستثنائي؛ فهي لا تتحلل بيولوجيًا، وبمجرد دخولها إلى الكائنات الحية، فإنها تستمر في التراكم الحيوي بداخلها، ما يعطل الوظائف الخلوية ويسبب سمية مزمنة.
لكن المشكلة أن هذه المواد لا تختفي بعد استخدامها. فهي تنتقل عبر المياه الجوفية، وتتراكم في التربة، وتمتصها النباتات، وتدخل إلى أجسام الحيوانات والبشر عبر السلسلة الغذائية. وقد ربطت الدراسات بين التعرض لهذه المركبات وبين السرطان، وأمراض الكبد، واضطرابات المناعة، ومشكلات الخصوبة.

ما هي أعراض التعرض للمواد الكيميائية؟
تختلف الأعراض باختلاف نوع المادة ومدة التعرض لها؛ فقد تشمل أعراضًا حادة مثل تهيج الجلد والجهاز التنفسي والغثيان. أما في حالة التعرض المزمن للمواد الكيميائية الأبدية (PFAS)، فتظهر الأعراض على هيئة تعب مزمن، اختلالات هرمونية، ضعف في جهاز المناعة، ومشكلات في النمو لدى الأطفال. والأكثر إثارة للقلق، أن جميع البشر تقريبًا لديهم الآن مستويات يمكن اكتشافها من PFAS في دمائهم.
وفي الولايات المتحدة وحدها، تشير التقديرات إلى أن 1.2 مليون هكتار من الأراضي الزراعية قد تكون ملوثة بشكل كبير بهذه المواد. وتقدر وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) أن ما بين 2,749 إلى 3,450 كيلوغرامًا من PFAS موجودة في المواد الصلبة الحيوية المنتجة سنويًا، نصفها يُستخدم في الأراضي الزراعية. والطرق التقليدية لتنظيف هذه الأراضي، مثل حفر التربة وحرقها، مكلفة للغاية، وقد تصل تكلفتها إلى مليون دولار للفدان الواحد.
من الصخور إلى النباتات: خطة الثلاث مراحل لقتل ما لا يموت
في يوليو 2026، نشر فريق بحثي بقيادة العالم البيئي جيك تومسون (Jake Thompson) من جامعة ييل، وبالتعاون مع البروفيسور نوح بلانافسكي (Noah Planavsky)، دراسة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)، اقترحوا فيها استراتيجية مبتكرة لمعالجة تلوث PFAS بتكلفة أقل بكثير من الطرق التقليدية. وتعتمد هذه الإستراتيجية التي أطلقوا عليها اسم «المعالجة المتكاملة بالحرارة والنباتات» (Integrated Thermal and Phytoremediation)، على ثلاث مراحل متكاملة.
- المرحلة الأولى: تعديل التربة بالصخور القلوية. يقوم الباحثون بإضافة صخور قلوية مطحونة، مثل البازلت أو الحجر الجيري، إلى التربة الملوثة. هذه الصخور ترفع درجة حموضة التربة، ما يزيد حركة مركبات PFAS داخل التربة ويجعلها أكثر قدرة على الانتقال إلى جذور النباتات. وقد وجد الباحثون أن هذه الخطوة وحدها يمكن أن تسرع عملية إزالة PFOS (أحد أكثر أنواع PFAS انتشارًا) من التربة بنسبة تتراوح بين 20% و40%.
- المرحلة الثانية: استخدام نباتات تمتص السموم. بعد تعديل التربة، يتم زراعة نباتات معروفة بقدرتها العالية على امتصاص مركبات PFAS، مثل القنب الصناعي (Hemp) وبعض الأعشاب المعمرة. وقد أظهرت البحوث أن القنب الصناعي يمكنه تركيز PFAS في أنسجته، ما يجعله «مرشحًا حيويًا» فعالًا. وكما قال جيك تومسون: «نحن نحدد مسارًا يسمح للمزارعين بمواصلة العمل على أراضيهم مع استعادة صحة التربة».
- المرحلة الثالثة: تحويل النباتات الملوثة إلى فحم حيوي. بعد أن تمتص النباتات الملوثات، يتم حصادها وتحويلها إلى الفحم الحيوي (Biochar) بواسطة عملية التحلل الحراري (البيروليز).
هذه العملية، التي تتم في درجات حرارة عالية، تدمر مركبات PFAS تدميرًا فعالًا. ثم يُعاد الفحم الحيوي الناتج إلى التربة، فيساعد على تثبيت بقايا PFAS ومنع تسربها إلى المياه الجوفية. وقد أظهرت النماذج أن إعادة الفحم الحيوي إلى التربة يمكن أن يقلل من جريان PFAS بنسبة تصل إلى 95%.
عندما يصبح التنظيف استثمارًا في المناخ
ما يميز هذه الطريقة ليس فقط فعاليتها، بل فوائدها البيئية المتعددة. فإضافة الصخور القلوية إلى التربة لا يساعد فقط في إزالة PFAS، بل يعزز أيضًا عملية «التجوية المحسنة» (Enhanced Weathering)، وهي عملية طبيعية تسحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي وتحوله إلى بيكربونات مستقرة.
وقد قدر الباحثون أن تطبيق هذه الاستراتيجية على نطاق واسع في الأراضي الزراعية الأمريكية يمكن أن يؤدي إلى إزالة ما بين 10.5 و11 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهو ما يعادل 4% إلى 6% من هدف الولايات المتحدة لإزالة الكربون بحلول عام 2050. ثم إن تكلفة هذه الطريقة أقل بكثير من الطرق التقليدية.
وفقًا للدراسة، تبلغ التكلفة التقديرية للمعالجة 1,460 دولارًا للهكتار سنويًا، وهو ما يقل عن الطرق التقليدية بأكثر من عشرة أضعاف. ومع الأخذ في الاعتبار عائدات إزالة الكربون، قد تصبح التكلفة أقل.

التحديات التي تنتظر الحل
على الرغم من النتائج الواعدة، يؤكد العلماء أن الطريقة الجديدة ليست حلًا سحريًا فوريًا. فهناك أسئلة علمية تحتاج إلى إجابات، خاصة حول مصير مركبات PFAS في أثناء عملية التحلل الحراري، ودرجة الحرارة المثلى لضمان تدميرها بشكل آمن. ثم إن بعض الدراسات أشارت إلى أن درجات حرارة مرتفعة جدًا قد تكون ضرورية لتقليل هذه المركبات بصورة كافية.
لكن الفريق البحثي، الذي يتعاون مع مزارعين في ولاية مين، يعمل على تطوير هذه التقنية وتحسينها، على أمل أن تصبح أداة قابلة للتطبيق عالميًا. وكما قال نوح بلانافسكي: «هناك حاجة واضحة إلى أدوات جديدة لمساعدة المزارعين المتضررين من تلوث المواد الكيميائية الأبدية».
السموم التي رفضت الموت والحل الذي بدأ ينبت
في مزارع ولاية مين، حيث ظلت المواد الكيميائية الأبدية عالقة في التربة عقودًا، بدأ الأمل ينبت من جديد. فبفضل ابتكار فريق جامعة ييل الذي يجمع بين الصخور والنباتات والفحم الحيوي، أصبحت إزالة هذه السموم ممكنًا بتكلفة أقل، وأثر بيئي أفضل. فبدلًا من حفر التربة وحرقها، يمكن الآن زراعة القنب الصناعي لامتصاص الملوثات، وتحويله إلى فحم حيوي يعيد تثبيت ما تبقى منها، مع سحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي في الوقت نفسه.
هذه الطريقة ليست حلًّا تقني، بل هي تحول في الفلسفة البيئية: استخدام الطبيعة نفسها أداة للعلاج، بدلًا من محاربتها. وكما قال جيك تومسون: «نحن نحدد مسارًا يسمح للمزارعين بمواصلة العمل على أراضيهم مع استعادة صحة التربة». وفي عالم تتصاعد فيه التحديات البيئية، قد يكون هذا المسار هو المفتاح لاستعادة ما فقدناه من أرضٍ نقية، وماءٍ صافٍ، وغذاءٍ آمن.
في المرة القادمة التي تسمع فيها عن «المواد الكيميائية الأبدية»، تذكر أن هناك حلولًا تنبت من الأرض نفسها. تذكر أن الصخور والنباتات والفحم الحيوي، بتكاتفها، قد تكون أقوى من أقوى الروابط الكيميائية. وتذكر أن المستقبل، كما يبدو، سيكون أكثر خضرة، وأقل تلوثًا، وأكثر استدامة.
الجدوى الاقتصادية: عندما يصبح التنظيف استثمارًا لا خسارة
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كم تكلف هذه الطريقة؟ وهل هي مجدية اقتصاديًا حقًا؟ الإجابة، وفقًا للأرقام التي نشرها فريق جامعة ييل في دورية PNAS، هي نعم مدوية. فالتكلفة التقديرية للمعالجة تبلغ 1,460 دولارًا للهكتار سنويًا، وهو مبلغ قد يبدو كبيرًا للوهلة الأولى، لكنه يصبح زهيدًا عندما نقارنه بالطرق التقليدية التي تتراوح تكلفتها بين 800 ألف ومليون و600 ألف دولار للهكتار الواحد.
وبحساب صغير، نجد أن التكلفة الإجمالية لمعالجة الهكتار الواحد باستخدام الطريقة الجديدة على مدى 20 عامًا (وهي المدة المقدرة للمعالجة الكاملة) تبلغ نحو 29,200 دولار، أي أقل من الطرق التقليدية بأكثر من عشرة أضعاف، بنسبة توفير هائلة تصل إلى 97%.
وهذا التوفير، الذي يتجاوز 95% من التكلفة التقليدية، ليس رقمًا في جدول، بل هو فرصة حقيقية لإنقاذ ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية الملوثة في الولايات المتحدة وحدها التي تقدر بنحو 1.2 مليون هكتار. فبدلًا من ترك هذه الأراضي بورًا أو تدميرها، يمكن الآن معالجتها بتكلفة معقولة، مع بقائها في الإنتاج الزراعي خلال مدة المعالجة، وهو ما يجعل الطريقة الجديدة ليست مجرد خيار بيئي، بل خيارًا اقتصاديًا بامتياز.
لكن الجدوى الاقتصادية لا تقتصر على خفض التكلفة، فيوجد جانب آخر أكثر إثارة: عزل الكربون. فإضافة الصخور القلوية إلى التربة لا يساعد فقط في إزالة PFAS، بل يعزز أيضًا عملية «التجوية المحسنة» (Enhanced Weathering)، وهي عملية طبيعية تسحب ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي وتحوله إلى بيكربونات مستقرة.
وقد قدر الباحثون أن تطبيق هذه الاستراتيجية على نطاق واسع في الأراضي الزراعية الأميركية يمكن أن يؤدي إلى إزالة ما بين 10.5 و12 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهو ما يعادل 4% إلى 6% من هدف الولايات المتحدة لإزالة الكربون بحلول عام 2050.
وهذا يعني أن المزارعين الذين يطبقون هذه الطريقة لا يقومون فقط بتنظيف أراضيهم، بل يسهمون أيضًا في مكافحة التغير المناخي، ويمكنهم الاستفادة من عائدات إزالة الكربون لتقليل التكلفة الصافية للمعالجة.
ثم إن الطريقة الجديدة تعمل على تحسين صحة التربة بدلًا من تدميرها، على عكس الطرق التقليدية التي تفسد بنية التربة وتفقدها خصوبتها. فإضافة الفحم الحيوي (Biochar) الناتج عن تحلل النباتات الملوثة إلى التربة، لا يساعد فقط في تثبيت بقايا PFAS ومنع تسربها إلى المياه الجوفية بنسبة تزيد على 95%، بل يعزز أيضًا خصوبة التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالماء والنشاط الميكروبي، ويعمل كـ«إسفنجة» تمتص العناصر الغذائية وتطلقها ببطء للنباتات، ما يقلل الحاجة إلى الأسمدة الكيماوية. وبمرور الوقت، تصبح التربة المعالجة بهذه الطريقة أكثر صحة وإنتاجية مما كانت عليه قبل التلوث، ما يعود على المزارعين بعوائد اقتصادية أكبر في المستقبل.
وخلاصة القول، فإن ما تقدمه هذه الطريقة ليس مجرد حل تقني، بل هو نموذج اقتصادي متكامل يجمع بين التنظيف البيئي، وتحسين صحة التربة، وعزل الكربون، وتوفير التكاليف. فبدلًا من إنفاق مئات الآلاف من الدولارات لتدمير أرضٍ زراعية ثمينة، يمكن الآن إنفاق أقل من 30 ألف دولار على مدى 20 عامًا لاستعادة تلك الأرض، وتحويلها إلى أرضٍ أكثر خصوبة، والإسهام في الوقت نفسه في مكافحة التغير المناخي.
وكما قال البروفيسور نوح بلانافسكي (Noah Planavsky) من جامعة ييل: «نحن نحدد مسارًا يسمح للمزارعين بمواصلة العمل على أراضيهم مع استعادة صحة التربة». وهذا المسار، كما تُظهر الأرقام، ليس فقط ممكنًا، بل هو مُجدٍ اقتصاديًا، ومستدام بيئيًا، ومربح للمزارعين والمجتمع على حد سواء.
في المرة القادمة التي تسمع فيها عن «المواد الكيميائية الأبدية»، تذكر أن هناك حلًا ينبت من الأرض نفسها. تذكر أن الصخور والنباتات والفحم الحيوي، بتكاتفها، لا تقتل السموم فحسب، بل تبني تربةً جديدة، وأملًا جديدًا، واقتصادًا أكثر استدامة.
أثر هذه الطريقة على مقاومة الجوع: حين تصبح التربة النظيفة سلاحًا في معركة الغذاء
في حقول ملوثة، حيث يموت الأمل قبل الحصاد. في مزرعة بولاية مين، حيث ظلت «المواد الكيميائية الأبدية» عالقة في التربة لعقود، لم يكن المزارعون يعلمون أن أرضهم تحمل سمًا صامتًا. لكنهم عرفوا شيئًا آخر: المحاصيل كانت تذبل، والإنتاجية تنهار، والأسواق تغلق أبوابها أمام منتجاتهم الملوثة. لم يكونوا يعلمون أنهم جزء من مشكلة عالمية، حيث يهدد تلوث PFAS الأمن الغذائي لمليارات البشر، ويقوض قدرة الكوكب على إطعام سكانه المتزايدين.
ففي عالم يعاني فيه 140 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفي وقت يتطلب فيه إطعام 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050 مضاعفة الإنتاج الغذائي، يصبح كل فدان من الأراضي الزراعية ثمينًا. لكن PFAS، بتلك الروابط الكيميائية التي لا تموت، تحول ملايين الهكتارات من الأراضي الخصبة إلى أراضٍ بور، وتقلل الغلة، وتلوث المحاصيل، وتهدد سلامة الغذاء. وحينئذ يأتي دور الطريقة الجديدة التي قد تكون المفتاح لإنقاذ هذه الأراضي، واستعادة إنتاجيتها، والإسهام في معركة البشرية ضد الجوع.
التهديد الصامت: كيف تقوض PFAS الأمن الغذائي؟
لفهم أثر الطريقة الجديدة على مقاومة الجوع، علينا أولًا أن نفهم كيف تهدد PFAS الأمن الغذائي في المقام الأول. فوفقًا لدراسة نشرت في دورية Food Control عام 2025، فإن تلوث PFAS يمثل تهديدًا خطرًا للأمن الغذائي، لأنه يقلل غلة المحاصيل، ويعرض صحة الماشية للخطر، ويلوث الإمدادات الغذائية. بل إن التلوث المستمر قد يؤدي إلى جعل الأراضي الزراعية غير صالحة لإنتاج الغذاء بشكل دائم، ما يمثل تحديًا كبيرًا للأمن الغذائي والاقتصادات المحلية.
وتنتقل PFAS إلى المحصولات عبر مسارات عدة: باستخدام المواد الصلبة الحيوية (Biosolids) كسماد، وري المحاصيل بالمياه الملوثة، والانبعاثات الصناعية. وبدخولها إلى التربة، تمتصها النباتات وتتراكم في أنسجتها.
وقد أظهرت الدراسات أن التعرض لـ PFAS يغير مورفولوجيا النبات ويسبب إجهادًا تأكسديًا يعيق النمو، بل ويتداخل مع أنظمة نقل العناصر الغذائية في النبات.
وفي مناطق مثل إفريقيا، حيث يعاني المزارعون أصلًا من نقص الفوسفور والنيتروجين، قد يؤدي إجهاد PFAS إلى مزيد من تراجع الإنتاجية الزراعية.
وقد وجدت دراسة حديثة أن تركيزات PFOS في التربة الإفريقية وصلت إلى 275.3 نانوغرامًا لكل غرام في غانا، و248.14 نانوغرامًا لكل غرام في جنوب إفريقيا، وهي مستويات تتجاوز تلك المسجلة في كثير من مناطق العالم. وهذا يعني أن المحصولات الأساسية، مثل قصب السكر والبطاطا والذرة والخضراوات الورقية، تتراكم فيها هذه السموم وتدخل إلى السلسلة الغذائية.
والأكثر إثارة للقلق، أن التأثيرات الاقتصادية لهذا التلوث هائلة. فقد قدر تقرير صادر عن منظمة Systemiq أن التكلفة الصحية والبيئية السنوية للمواد الكيميائية الاصطناعية في النظام الغذائي، بما في ذلك PFAS، تتراوح بين 1.4 و2.2 تريليون دولار، مع تكلفة بيئية إضافية تقدر بـ 640 مليار دولار بسبب تدهور النظم البيئية وفقدان المحاصيل.

من التهديد إلى الحل: كيف تعيد الطريقة الجديدة الأمل إلى الحقول
في هذا السياق المقلق، تأتي الطريقة الجديدة التي طورها فريق جامعة ييل لتقدم بارقة أمل حقيقية. فهي لا تقتصر على إزالة PFAS من التربة، بل تعيد إحياء الأراضي الزراعية، وتستعيد إنتاجيتها، وتسهم في الأمن الغذائي بعدة طرق.
- أولًا: استعادة الأراضي الزراعية. فبدلًا من ترك ملايين الهكتارات بورًا أو تدميرها بالطرق التقليدية المكلفة، تسمح هذه الطريقة للمزارعين بمواصلة العمل على أراضيهم في أثناء معالجتها. ففي الولايات المتحدة وحدها، تقدر الأراضي الزراعية الملوثة بنحو 1.2 مليون هكتار. واستعادة هذه الأراضي يعني إعادة ملايين الأطنان من المحاصيل إلى الأسواق، وتوفير الغذاء لملايين الأشخاص.
- ثانيًا: تحسين غلة المحاصيل. فإزالة PFAS من التربة لا تعيد فقط سلامة المحاصيل، بل تعيد أيضًا خصوبتها. فالتربة التي تخلو من السموم تكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بالماء والمغذيات، وتدعم نموًا أقوى للمحاصيل. وقد أظهرت الدراسات أن إضافة الفحم الحيوي إلى التربة، وهو جزء من هذه الطريقة، يمكن أن يزيد إنتاجية المحاصيل بشكل ملحوظ.
- ثالثًا: تقليل تلوث السلسلة الغذائية. فبتثبيت بقايا PFAS في التربة ومنع تسربها إلى المياه الجوفية بنسبة تزيد عن 95%، تقلل الطريقة انتقال هذه السموم إلى المحاصيل والمياه، ما يضمن سلامة الغذاء ويحمي صحة المستهلكين.
- رابعًا: تمكين المزارعين الفقراء. فالتكلفة المنخفضة للطريقة، التي تبلغ 1,460 دولارًا للهكتار سنويًا، تجعلها في متناول المزارعين في البلدان النامية، حيث تكون ميزانيات المعالجة محدودة. وهذا يعني أن الطريقة يمكن تطبيقها في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث يتركز الفقر والجوع.
الجوع والتربة الملوثة: حلقة مفرغة تنكسر
ما يجعل هذه الطريقة ثورية حقًا هو أنها تكسر الحلقة المفرغة بين تلوث التربة والجوع. ففي البلدان الفقيرة، يضطر المزارعون غالبًا إلى استخدام الأسمدة الرخيصة، مثل المواد الصلبة الحيوية، لتحسين خصوبة التربة. لكن هذه المواد تحمل معها PFAS، التي تلوث التربة وتقلل الإنتاجية، ما يدفع المزارعين إلى استخدام مزيد من الأسمدة، في دورة مستمرة من التدهور.
الطريقة الجديدة تغير هذه المعادلة. فبدلًا من إدخال مزيد من السموم إلى التربة، تعمل على تنظيفها وتحسينها في الوقت نفسه. وبدلًا من الاعتماد على الأسمدة الكيماوية المكلفة، يستفيد المزارعون من الفحم الحيوي الذي يحسن خصوبة التربة بشكل طبيعي. وبدلًا من فقدان أراضيهم، يستعيدونها، بل ويحسنونها.
وهذا له آثار مباشرة على هدف التنمية المستدامة الثاني (SDG 2)، الذي يهدف إلى القضاء على الجوع. فاستعادة الأراضي الزراعية، وتحسين إنتاجيتها، وضمان سلامة الغذاء، كلها خطوات أساسية نحو تحقيق هذا الهدف.
التربة النظيفة، والجوع المقهور
في مزارع ولاية مين، حيث ظلت السموم عالقة في التربة لعقود، بدأ الأمل ينبت من جديد. فبفضل الطريقة الجديدة، التي تجمع بين الصخور والنباتات والفحم الحيوي، أصبحت إزالة «المواد الكيميائية الأبدية» ممكنة بتكلفة أقل، وأثر بيئي أفضل. لكن الأهم من ذلك، أن هذه الطريقة تقدم حلًا لمشكلة أعمق: الجوع.
ففي عالم يتزايد فيه عدد السكان، وتتضاءل فيه الأراضي الزراعية، وتتفاقم فيه أزمة المناخ، تصبح كل قطعة أرض ثمينة. والطريقة الجديدة، بإعادة إحيائها لملايين الهكتارات من الأراضي الملوثة، وإعادة إنتاجيتها، وضمان سلامة غذائها، تسهم في معركة البشرية ضد الجوع.
وقال الباحثون في دورية Food Control: «إذا لم تتم معالجة تلوث PFAS معالجة صحيحة، فقد يؤثر ذلك في الأمن الغذائي العالمي». لكن مع هذه الطريقة، قد يكون التأثير معاكسًا: فقد تصبح التربة النظيفة سلاحًا في معركة إطعام البشرية.
بصفتي متخصصًا في علوم التربة والنباتات، أرى أن الطرق التقليدية القائمة على حفر التربة وحرقها تعد وسائل تدميرية تقتل النظام البيئي الحي للتربة وتدمر الميكروبيوم الجذري بالكامل. في حين تكمن عبقرية المنهجية الجديدة في اعتمادها على المعالجة النباتية الطبيعية، فيُعد اختيار نبات القنب الصناعي خيارًا استثنائيًا بفضل جذوره العميقة وقدرته العالية على استنزاف الملوثات المعقدة وتخزينها في أنسجته دون إفساد بنية الأرض.
أما الخطوة الأهم زراعيًا، فتتمثل في تحويل هذه النباتات بالتحلل الحراري إلى فحم حيوي يُعاد دمجه في التربة؛ فهذا الإجراء لا يضمن فقط تثبيت بقايا سموم المواد الكيميائية الأبدية ومنع تسربها، بل يعمل كإسفنجة مجهرية تحتفظ بالماء والمغذيات الأساسية. وهو ما يعزز النشاط الميكروبي ويرفع الخصوبة، ليحول هذه التقنية من أداة لتنظيف الأرض إلى وسيلة لإعادة إحيائها وزيادة إنتاجيتها.
في المرة القادمة التي تسمع فيها عن «المواد الكيميائية الأبدية»، تذكر أن هناك حلًا ينبت من الأرض نفسها. تذكر أن الصخور والنباتات والفحم الحيوي، بتكاتفها، لا تقتل السموم فحسب، بل تبني تربةً جديدة، وأملًا جديدًا، ومستقبلًا أكثر أمنًا من الجوع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.