لا شك أن القارة الإفريقية هي القارة الأكثر وفرة بالثروات الطبيعية، فلك أن تتخيل ما يُستخرج منها من الثروات الطبيعية كالذهب والماس والنفط والغاز الطبيعي والنحاس واليورانيوم وغيرها في أجزاء مختلفة من القارة، فتتمتع القارة بحوالي 97٪ من الكروم في العالم، و90٪ من الكوبالت في العالم، و85٪ من البلاتين الموجود في العالم، و70٪ من الكاكاو في العالم، و60٪ من قهوة العالم.
اقرأ أيضاً الجمهورية الطرابلسية 1918م.. الجمهورية العربية الأولى
اشتهار الكونغو الديمقراطية أرض الثروات
وكل بلد في إفريقيا لديها ثروات من الموارد الطبيعية، فماذا لو قلت لك إن بلدًا تمتلك أكثر من 100 تريليون دولار من الموارد الطبيعية؟ إنها جمهورية الكونغو.
في هذا المقال سنتعرف بالتفصيل إلى جمهورية الكونغو أرض الثروات وأرض الفقر، فتابع القراءة.
جمهورية الكونغو الديمقراطية هذه الدولة التي تعدُّ بحجم أوروبا الغربية، هي أكبر دولة في إفريقيا جنوب الصحراء، وتتمتع بثروات طبيعية استثنائية.
المناخ في جمهورية الكونغو الديمقراطية استوائي مع موسمين ممطرين بما في ذلك هطول الأمطار الغزيرة، ودرجات الحرارة المرتفعة على مدار السنة، فيها موارد الطاقة الخضراء غير المحدودة.
والطاقة الكهرومائية، والرياح، والطاقة الشمسية والحرارية، وهذا إن دل على شيء دل على تنوع الثروات الطبيعية بها، وتتمتع جمهورية الكونغو الديمقراطية بإمدادات مياه غير محدودة من الأنهار والغابات والسافانا والمستنقعات والغابات التي غمرتها الفيضانات، وبها حوض الكونغو القلب النابض للتنوع البيولوجي في العالم.
بالأحرى يدل حجم الثروات الرائع في هذا البلد، فتربته أغنى تربة خصبة من أي أرض في العالم، وتحت التربة وفرة من الرواسب المعدنية ذات المستوى العالمي، ففيها ثروات معدنية ضخمة من الكوبالت والذهب والماس والبترول والأخشاب والبوتاس والرصاص والزنك واليورانيوم والنحاس والفوسفات والذهب المنجنيز والغاز الطبيعي والكولتان ومشتقاته من النيوبيوم والتنتالوم.
وخام الحديد والليثيوم البريليوم، والأتربة النادرة المونازيت والأوكسينيت والنيوبيوم والتنتالوم كولومبو لتانتاليت والبيركلور والزركونيوم والتيتانيوم والجرمانيوم، فلك أن تتخيل أن قيمة الرواسب المعدنية غير المستغلة بها أكثر من 35 تريليون دولار.
دعني أخبرك أنه لم يستفد معظم الناس في جمهورية الكونغو الديمقراطية من هذه الثروات الهائلة، فلقد أدى التاريخ الطويل من الصراع والاضطرابات السياسية وعدم الاستقرار والحكم الاستبدادي إلى أزمة إنسانية خطيرة ومستمرة، بالإضافة إلى التهجير القسري للسكان، ولكن لم تتغير هذه الميزات كثيرًا منذ نهاية حروب الكونغو في عام 2003.
اقرأ أيضاً السياحة وفرص العمل وتأثيرها على ميزانية الدولة
نبذة مختصرة عن الكونغو أرض الثروات
منذ 62 عامًا من الاستقلال لم تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية أول انتقال سلمي للسلطة حتى كانون الثاني (يناير) 2019، لا تستغرب عزيزي القارئ، فالانقلابات والحروب هي العامل الحاسم في تولي السلطة في هذا البلد المليء بالثروات التي لم تُستغلّ حتى الآن.
كان آخر شيء من ناحية تولي الحكم أنه فاز فيليكس أنطوان تشيسكيدي تشيلومبو نجل إتيان تشيسكيدي زعيم المعارضة منذ فترة طويلة في البلاد في الانتخابات الرئاسية في أيلول (ديسمبر) 2018، وخلّف جوزيف كابيلا الذي قاد البلاد مدة 18 عامًا.
وتوجد مؤشرات إلى احتمال ظهور عقد اجتماعي جديد بين الدولة ومواطنيها من خلال نشر التعليم الابتدائي المجاني، وزيادة الشفافية وإصلاحات القطاع العام، والتركيز على منع نشوب النزاعات وتحقيق الاستقرار في الشرق.
ورغم الجهود المبذولة لمنع نشوب النزاعات وتحقيق الاستقرار لا يزال انعدام الأمن قائم في البلد ولا سيما في المنطقة الشرقية، ورغم ذلك تستعد البلاد للانتخابات العامة المقبلة المقرر إجراؤها في أواخر عام 2023، فقد يُسمح بإجراء هذه الانتخابات بسلاسة في البلاد بالاستمرار على طريق الاستقرار السياسي ومتابعة الإصلاحات اللازمة لتمكين معظم شعبها من الاستفادة من الثروات الهائلة التي تزخر بها البلاد.
اقرأ أيضاً أفضل أماكن السياحة في دبي.. ننصحك بزيارتها
الوضع الاقتصادي لأرض الثروات والفقر
الكونغو تمتلك أكبر احتياطيات من المعادن في العالم
وفقًا لبحث أجرته شركة Albanian Minerals تمتلك الكونغو أكبر احتياط من الكوبالت في العالم مع احتياطيات محتملة تزيد عن 10 ملايين طن متري في الأعوام القادمة، فيعتبر الكوبالت من المعادن الأساسية المستخدمة في البطاريات في السيارات الكهربائية وأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة.
ربما ستدهش حينما تعرف أن أكبر احتياطي في العالم من الكولتان في هذه الجمهورية، فحوالي 80 في المئة من الاحتياطيات العالمية من الكولتان موجودة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، لقد أصبح الكولتان "الذهب الأسود" الجديد الذي يُكرر إلى مسحوق التنتالوم لصنع مكثفات مقاومة للحرارة في الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وغيرها من الأجهزة الإلكترونية المتطورة.
وما هو أغرب أن الكونغو تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النحاس وأعلى احتياطيات موجودة على مستوى العالم، فيُقدّر أن بعض المناجم تحتوي درجات أعلى من 3 إلى 5٪ من المتوسط العالمي البالغ 0.8٪، لكن تغيرت أسعار المعادن والفلزات كثيرًا من عام 2021، ووفقًا لإعادة شركة ألبانية لتقييم المعادن كان لدى جمهورية الكونغو الديمقراطية ما يزيد عن 35 تريليون دولار من الرواسب المعدنية غير المستغلة كانت تقدر سابقًا بـ 24 تريليون دولار.
اقرأ أيضاً قطر من دولة صغيرة عادية إلي دولة واعدة عظيمة
الكونغو والثروات المائية والكهربائية
بدهيًا إن أرضًا مثل الكونغو لا بد أن تكون لها إسهامات في الماء والكهرباء، فتقدّر قيمة الموارد المائية والطاقة الكهرومائية في جمهورية الكونغو الديمقراطية بأكثر من 40 تريليون دولار، فلك أن تتخيل أنها تمتلك أكثر من 50٪ من احتياطيات المياه في القارة الإفريقية مع أكبر إمكانات الطاقة المائية الخضراء في العالم، فليس سرًا أن يعد نهر الكونغو أكبر نهر إفريقي، فتصريفها السنوي 1.3 تريليون متر مكعب من الماء، وسينشأ فيها أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في العالم مقترحٌ على نهر الكونغو جراند إنجا.
دعني أخبرك أنه وضعت أكبر خطة مشروع للطاقة الخضراء لإعادة تأهيل سدَّين، وبناء سدَّين للاستفادة من إمكانات طاقة نهر الكونغو المائية الهائلة، فمن المعروف أنه مشروع تحويلي سيكون منارة للتنمية في القارة الإفريقية بتوفيره الكهرباء الرخيصة إلى 500 مليون إفريقي بسعة تقدر بـ 45 ألف ميغاواط (MW)، أو 40٪ من احتياجات القارة من الكهرباء، فلقد قيّمت Albanian Minerals سد Grand Inga، وعدّته مشروعًا لأغنى وأقوى الشركات في العالم كمرساة مهمة للطاقة الخضراء وحل مشكلة نقص الكهرباء في إفريقيا؛ حقًا إنها أرض الثروات.
اقرأ أيضاً الدولة الحمادية في شمال إفريقيا
الطاقة الخضراء بالكونغو أرض الثروات
كان للطاقة الخضراء والبيئة نصيب وفير من الثروات في جمهورية الكونغو، فتقدر قيمة موارد الأراضي بأكثر من 25 تريليون دولار، فالغابات الممطرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية منتشرة جدًا، وتشهد الكونغو ما يقرب من ثمانية أشهر من الأمطار، وأكثر من 50٪ من جميع الأنهار والبحيرات والأراضي الرطبة في إفريقيا، والأراضي الزراعية أكثر من أي بلد إفريقي.
يحتوي حوض الكونغو على ثاني أكبر غابة مطيرة في العالم، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للغابات المطيرة، فتؤدي غابات الكونغو المطيرة دورًا حاسمًا في استقرار مناخ العالم.
ويشكل حوض الكونغو أهم المناطق البرية على وجه الأرض، وتعد الغابات المطيرة في حوض الكونغو واحدة من أهم مراكز التنوع على هذا الكوكب، فهي تُؤوي واحدًا من كل خمسة أنواع من عالم البرية؛ فالغابة هي موطن لأغنى تنوع بيولوجي على هذا الكوكب مع الآلاف من أنواع الأسماك والنباتات والطيور والثدييات.
يوجد ما يقرب من 10 آلاف نوع من النباتات الاستوائية في حوض الكونغو، و30 في المئة فريدة من نوعها في المنطقة، لكن الحياة البرية مهددة بالانقراض بما في ذلك أفيال الغابات والشمبانزي والبونوبو، أتعرف أن غوريلا الأراضي المنخفضة والجبلية تسكن الغابات؟ في هذه الغابات المورقة يمكن أن تعثر على 400 نوع آخر من الثدييات و1000 نوع من الطيور و700 نوع من الأسماك.
لكن تحتاج الكونغو إلى أنظمة مبتكرة تحمي وتعزز قاعدة الموارد الطبيعية مع زيادة الإنتاجية بها، فنجد حاجة إلى ثورة نحو الإيكولوجيا الزراعية، والزراعة الذكية مناخيًا، والزراعة المحافظة على الموارد، والتحسينات التكنولوجية إلى جانب التخفيضات الكبيرة في استخدام الوقود الأحفوري التي من شأنها أن تساعد في معالجة تغير المناخ العالمي.
اقرأ أيضاً الدولة العميقة
التجارة بأرض الثروات
أكبر 3 سلع مصدرة (2020): النحاس والمواد الكيميائية غير العضوية والخامات.
الناتج المحلي الإجمالي بأرض الثروات
- نسبة إنتاج قطاع الزراعة من إجمالي الناتج القومي: 19%.
- نسبة إنتاج قطاع الصناعة من إجمالي الناتج القومي: 45%.
- نسبة إنتاج قطاع الخدمات من إجمالي الناتج القومي:33%.
اقرأ أيضاً الدولة الزيانية وبن خلدون
الكونغو من الدول الفقيرة رغم ثرواتها
لا يزال اقتصاد جمهورية الكونغو الديمقراطية عرضة لتقلبات أسعار السلع الأساسية، وأداء نمو الشركاء التجاريين الرئيسيين الذين قد يتأثرون بالصراعات الجيوسياسية والتداعيات الاقتصادية للحروب من خلال ارتفاع تكاليف الغذاء العالمية وارتفاع أسعار النفط.
منذ الثمانينيات أشعلت الحكومة فتيل العجز الاقتصادي، ولم تبالِ بما سيعانيه شعب جمهورية الكونغو، فلقد وضعت سياسة مالية قلبت العملية الشرائية رأسًا على عقب، وزادت من حدة التضخم.
فالحروب ازدادت كثيرًا بعد احتجاجات الشعب بعد زيادة الديون الخارجية، وكانت التجارة هي الأخرى قد تأثرت، فالمشاريع ببلد الثروات تحتضر بعد سياسة الحكومة، برأيكم هل توقف الأمر عند هذا الحد؟
لقد نالت البنية التحتية نصيبها من الإهمال، وعم الفساد والفقر، وأحاط الغموض بالاستثمارات التي ترغب في استغلال هذه الثروات المتنوعة بالكونغو، لكن يوجد عدة إسهامات حقيقية في محاولة خروج هذا البلد من الفقر المدقع به؛ فحاول كل من صندوق النقد الاقتصادي وكذلك البنك الدولي ذلك، لكن بقي الحال كما هو عليه، فالتضخم يتضاعف والثروات لم تستغل، والفقر شتت ملاذ الشعب.
فما يقرب من 64٪ من الكونغوليين؛ أي أقل بقليل من 60 مليون شخص يعيشون على أقل من 2.15 دولار في اليوم، ويعيش واحد من كل ستة أشخاص في فقر مدقع في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في جمهورية الكونغو الديمقراطية رغم تريلونات الثروات التي تزخر بها نظرًا للنزاعات المستمرة في الشرق.
تتمثل التحدي المباشر لجمهورية الكونغو الديمقراطية في تعزيز الأمن والحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي الكلي مع تكثيف الإصلاحات الجارية لضمان النمو المستدام.
اقرأ أيضاً علم السياحة وتطوره عبر العصور
افتقار دولة الكونغو للازدهار
فتتمتع السياحة والثروة الحيوانية والغابات ومصايد الأسماك بإمكانيات هائلة في الكونغو، ولكنها تحتاج إلى تغيير ثوري، وهذا التغيير لا يحدث إلا عندما ينخرط الناس العاديون ويتفاعلون ويتحدون للمطالبة بذلك.
وتحتاج إفريقيا إلى نظام تعليمي ينمِّي هذا المفهوم للمواطنة النشطة، والتغيير الدائم لا يأتي من أي شخص فيحدث ذلك فقط عندما يعمل الجميع في إفريقيا معًا للفوز بالتقدم وحمايته.
نعم، تمتلك إفريقيا إمكانات هائلة للاستثمار بالصبر والمثابرة، ويمكنها أن تتحسن، ويمكن تحقيق التقدم، ويمكن تشكيل الازدهار بالعمل الجوهري والتفاني ما دام جميع الناس في إفريقيا والعالم يؤدّون دورًا رائعًا في ذلك.
نظرًا لكون إفريقيا غنية جدًا باحتياطيات كبيرة من أهم المعادن في العالم يجب أن تغير المسار على الفور، وتصبح مجهزة تقنيًا وماليًا لتصبح مُنتِجًا مهمًا، وتضع حدًا لنمط الموارد الوفيرة في إفريقيا التي تحقق فوائد محدودة لإفريقيا والأفارقة.
في الوقت الحالي تذهب المكاسب المالية في الكونغو في الغالب إلى الشركات الأجنبية التي تصدر المواد الخام التي يُحصل عليها بأسعار رخيصة للغاية.
الشعب الكونغولي فقير بالنظر إلى القضية بعد الازدهار الاقتصادي، فمن الإنصاف القول إن تداول المواد الخام في الأسواق العالمية بسعر منخفض للغاية يمثل عيبًا كبيرًا.
الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من هذا الموقف هو: لا يعمل النموذج الحالي لتجارة الموارد المعدنية على تحقيق الازدهار الاقتصادي لإفريقيا وخاصة في الكونغو أغنى دولة في العالم بالموارد الطبيعية.
لذلك لا بد أن نجد رؤية جديدة للثروات المعدنية الإفريقية لاستخدامها بفعالية لتلبية احتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية، ولتحقيق التطلعات العالية لهذه الرؤية تحتاج إفريقيا إلى العودة إلى الأساسيات وحل مشكلات الكهرباء والبنى التحتية الحيوية التي استمرت في إضعاف إدارة الموارد الطبيعية للقارة، والسماح لبلد مثل الكونغو باستغلال ما فيها من ثروات حتى تتعافى اقتصاديًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.