الكلام والكلوم

 " أمِنْ أُمّ أوْفَى دِمْنَةٌ لم تَكَلّمِ "

هذا الشطر الشعري هو الشطر الأول من مطلع معلقة زهير بن أبي سُلمى الشهيرة، قلما تجد أحدًا من دارسي اللغة العربية ومحبي الشعر لا يعرف هذه المعلقة ومبدعها العبقرى زهير بن أبي سُلمى، وزهير فحل من فحول الطبقة الأولى وأحد الثلاثة المُقدمين بجوار صاحبيه "امرىء القيس والنابغة الذبياني" ، وهو صاحب الحوليات (قالوا إن القصيدة كانت تأخذ منه  حولاً كاملا ً انتاجًا وتنقيحًا وتهذيبًا حتى يُخرجها للجمهور) وهو رائد مدرسة عبيد الشعر، وعبيد الشعر هم الشعراء الذين يهتمون بنصوصهم وينقحونها قبل عرضها، زهير وصفه عمر بن الخطاب بأنه أشعر الناس ، وهو شاعرٌ فذٌ عبقري ولا خِلاف، ونصوصه الشعرية خير دليل على ذلك، ولكني هُنا سأتحدث عن مطلع معلقته الشهيرة التي تُعد  -وبجدارة مُستحَقة -  من عيون الشعر العربي.

هذا المطلع وللأسف الشديد ظلمهُ الشُّراح، ويتم حاليًا تداوله فى المناهج الدراسية بشرحٍ لو كان زهيرًا على قيد الحياة لرفع قضية رد اعتبار لنفسه ولمعلقته، والسبب هو كلمة " تَكلَّمِ " فى آخر الشطر.

فزهير كان شاعرًا عبقريًا حكيمًا ويعرف جيدًا أن براعة الاستهلال من شروط النص الجيد.. الرجل في معلقته يتحدث عن الحرب والسلام، يُنفر من الحرب وويلاتها ويدعو إلى السلام فطبيعي أن يبدأ قصيدته بشىء يتعلق بالموضوع.

بعض الشَّراح فهموا كلمة " تَكلَّم" على أنها من الكَلام والحديث، فقالوا  إن زهير يتساءل بحزن ويقول: "هل لم يتبقَ من ديار أم أوفى سوى دمنة لم تتكلم ولم تنطق" ، وهذا معنى ركيك سخيف لا يمكن أن يبدأ به شاعر مبتدىء، فما بالكم بزهير بن أبي سلمى  الشاعر العبقرى الحكيم.. إذ إن الدمن لا تنطق بطبيعتها وليس هناك أي تركيب استعارى،  فما فائدة هذا السؤال اللامعقول؟!

لقد كنت طالبًا ووقفت أمام هذا المطلع كثيرًا ولم يعجبني هذا الفهم السطحي جداً لمطلع القصيدة فبدأت البحث.

كانت رحلة طويلة لأفهم فقط معنى الشطر الأول ولأشعر بالقصيدة كما كان يُريد مبدعها زهير 

ما معنى " لم تَكلَّمِ " ؟!

فى البداية فكرت هل الفعل " تكلَّم " مُخفف أم لا؟ فوجدته مخففاً، فالأصل قبل التخفيف كان " لم تَتَكَلَّم " وحُذفت التاء الثانية تخفيفاً فصار " لم تَكلَّم " ، حسناً.. تساءلت بعد ذلك هل تتكلم هنا من الكَلام (بفتح الكاف) أم من الكِلام (بكسر الكاف)  وتعنى الجروح؟ لو كانت من الكَلام والحديث فسيكون المعنى سخيفاً ولا وزن للقصيدة أصلاً إذا كان مطلعها بهذا السُّخف والضعف والركاكة.. وزهير شاعر قوى جداً..  إذن هى من الكِلام أي الجروح، ولكني أريد شيئًا أستأنس به.

بحثت فى القصيدة وما هى إلا لحظات حتى وجدت زهيرًا نفسه يقول " تُعفَّى الكُلُوم بالمئين فأصبحت .. يُنجمها من ليس فيها بمجرم " بمعنى أنهم كانوا يدفعون ديات القتلى بمئات الإبل ومئات الدنانير رغم أنهم لم يكونوا مشتركين أصلا فى المعركة ، ويقصد السيدين الكريمين اللذين تدخلا لإيقاف الحرب بين عبس وذبيان وإحلال السلام .. هذا رائع 😊 لقد استخدمها زهير " الكُلُوم " بمعنى الجراح،  بل يمكن أن تعنى القتلى والمجاز مرسل علاقته جزئية أى ذكر الجروح وقصد القتلى .. حسنا😊 هل أحد من الشعراء استخدمها ؟ نعم😊 ، المتنبى فى مدح سيف الدولة  ، يقول المتنبى " تمرُّ بك الأبطال كَلمَى هزيمةً ..  ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمُ " .. رائع 😊  هل ذُكِرت فى القرآن ؟ نعم بالتأكيد 😊 قال تعالى:  " وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ " تكلمهم أى تجرحهم لأنهم كانوا لا يوقنون بآيات الله،  وربما تعنى تقتُل منهم أناسا  أو تقتلهم جميعا لعدم يقينهم بآيات الله  .. حسنًا ، كل هذه إشارات جيدة ولكن ما معنى الشطر الأول ؟؟؟

زهير يتحدث عن الحرب والسلام ويقارن بين حال الديار فى حالة الحرب وفى حالة السلام، فبماذا سيبدأ برأيكم؟ 

بالتأكيد سيبدأ بذكر حالة الديار بعد الحرب والدمار والخراب ثم يعود بذاكرته إلى حال هذه الديار قبل الحرب، ليجعلك عزيزي المتلقي على بينة من كل شىء وليجعلك تحب السلام وتترك التعصب وتلجأ إلى تحكيم العقل، وليجعلك تحب الرجلين الذين ساهما فى تحقيق السلام لتعود هذه الديار إلى حالتها الأولى من العز والنعيم "عليهن دَل الناعم المتنعم".

إذن ما معنى الشطر الأول؟

ببساطة كلمة " تكَلَّمِ " في آخر الشطر الأول من الكِلام أي الجروح،  وبذلك يكون المعنى كالتالي: 

يتساءل الشاعر فى بداية القصيدة  بكل أسىً وحزن وحسرة ويقول "هل تبقى من ديار أم أوفى - ولو دمنة ولو دمنة بالية - لم تتكلم أي لم تتأذى،  وهذا سؤال بلاغى وليس استفهاماً حقيقياً، غرضه إظهار الألم والحسرة،  وليقذف بك الشاعر أمام المشهد مباشرةً ويجعلك تشاركه في مشاهدة هذا الخراب والدمار الذي حل بالديار بسبب الحرب وتشاركه حالته الوجدانية، فالحرب أتت على الأخضر واليابس حتى أنها لم تترك الدمن (البقايا البالية) دون إيذاء، وأصل الفعل تتكلم (تتأذى) وتم حذف التاء الثانية - على رأى سيبويه - فأصبح تكلَّم مثل الفعل تتذكرون الذي تُحذف تاؤه الثانية تخفيفاً فيصبح تذكَّرون، والفعل تتنزل الذي يُخفف فيصبح تنزَّل، مثل ما جاء فى قوله تعالى "تنزَّلُ الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"، والأمثلة كثيرة. 

إن هذه البداية فقط هي التي تجعل هذه القصيدة من المعلقات، وهذا الفهم لبدايتها يُعطي لزهير مكانته الشعرية التي يستحقها، ويعطي لقصيدته مكانتها التي تستحقها فى الأذهان قبل الكتب.

 

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب