الكلام الفاحش أمر موجود في كل عصر وزمان، وفي كل مكان، غير متعلق بشعب معين، ولا بوقت من الأوقات؛ فهي مشكلة ليست وليدة العصر الراهن فقط، ولكنها استشرت وانتشرت في مجتمعنا الحالي بشكل مُذرٍ للغاية.
اقرأ أيضاً حقوق وواجبات الفرد في المجتمع.. تعرف إليها الآن
ظاهرة الكلام الفاحش في المجتمع
ولا يخفى على أحد مدى انتشار هذه المشكلة بشكل مُروِّع في وقتنا الحاضر! بين جميع طوائف وطبقات الشعب: من الكبار والصغار، والمثقفين والجُهَّال، حتى بين الإناث والأطفال!
أصبحنا لا نخطُو خطوة في أي مكان، دون سماع سُبَّة أو شتمة، أو رؤية فعل فاحش أو ذميم؛ للحد الذي وصلنا معه نرتجي عودة زمن السُّباب الجميل.
الزمن الذي كان السُّباب فيه بـ يا ابن معدومة الشعر(القرعة) بالعامية؛ أو يا ابن الحزاء مثلاً، أو يا ابن هذا الحيوان أو تلك! مع رفضنا للسُّباب والتقليل من الآخر بشتى صوره، لكن والله جعلونا نتحرق شوقًا لهذا مع تحفظنا؛ بالطبع هذا أفضل من السب والقذف، والرمي بالزنى والعياذ بالله، ونحوه مما نراه الآن، من العجب العُجاب.
لذا كان لزامًا علينا مناقشة هذهِ الظاهرة من أجل الوقوف على أسباب انتشارها، وكيفية علاجها والحد منها، لما لها من سلبيات تعود على الفرد والمجتمع سنذكرها.
اقرأ أيضاً وسائل الإعلام وأهميتها في المجتمع
ما هو الكلام الفاحش؟
بصورة أشمل، الفُحش في القول هو كل ما يخرج من الفم أو الأنف، من ألفاظ، وعبارات، وحركات بذيئة مُنافية للأداب والأعراف السائدة، الدينية أو الاجتماعية؛ أو مُنافية للمروءة، وخادشة للحياء عامةً.
صور الكلام الفاحش
ومن المعلوم أن للكلام الفاحش صورًا عديدة ومنها:
· السب والشتم بألفاظ خادشة للحياء؛ كالقول يا كذا، أو يا ابن كذا؛ مقرون ذلك طبعًا بألفاظ سوقية مُنافية للأعراف العامة والآداب السائدة.
· إيحاءات غير أخلاقية؛ كالإيحاءات الإباحية والجنسية بين طيات الكلام، وتؤخذ على سبيل المُزاح للأسف!
· ازدراء الأديان والمُعتقدات؛ مما نراه من سبٍّ للأديان، بشكل آلي، وكأنهُ شيء عادي وطبيعي! بل الأدهى والأمر، أن السب يكون من أبناء الدين نفسه لدينهم، ياللعجب! هل تُدركون مقدار ما تقترفونه من جُرم عظيم يا سادة؟!
· التقليل من الآخر بألفاظ غير إنسانية وغير آدمية؛ كالعنصرية والتنمر الوقح، على الشكل، أو اللون ونحوه.
· الألفاظ السوقية؛ حتى لو لم يكن لها معنى في اللغة، فهي مرفوضة لكونها مرفوضة في العرف، حتى لو لم تكن تحمل معنى قبيحًا، أو ليس لها معنى أصلًا؛ لأن الكثير يتحجج عندما يذكر لفظًا غير لائق، بأن معناه ليس سيِّئًا، أو ليس لهُ معنى؛ لا صديقي يُصبح الفعل مذمومًا، إذا اعتبرهُ العرف كذلك، حتى وإن كان معناه يُخالف ذلك.
· الاعتراض بحركات مُنافية للآداب العامة والعرف؛ كالنخر والبصق ونحوه من إيماءات وألفاظ الاعتراض المعهودة.
· التكلم بألفاظ مخالفة للمعتقدات الدينية والأعراف الاجتماعية؛ كالقذف والرمي بالزنا، وما أكثر ذلك الآن! بشكل يكاد يكون اعتياديًّا بين الشباب، أصبح هذا النوع من القذف لغة وحديث الكثيرين منهم، اعتاد لسان حالهم هذه الألفاظ، بشكل كبير ومُقلق للغاية، أصبح استخدام هذه الكلمات مثل قولهم صباح الخير.
وغير ذلك من أنواع كثيرة، لا حصر لها؛ ولكننا نكتفي بذكر أبرز تلك الأنواع.
قد يهمك أيضًا آثار التنمر على الشباب: البلطجة تؤذي الجميع
نشأة المشكلة وجذورها
من المعلوم بداهةً أن هذه المشكلة لا تتعلق بالبيئة المعاصرة فقط، وإنما نشأت مع نشأة الإنسان ووجوده على ظهر الحياة؛ فهي متعلقة بالطبيعة الإنسانية جمعاء، التي جُبلت على الاختلاف ومحاولة إثبات الذات.
لكن هذه المشكلة تختلف حدتها، وخطورتها، ومدى انتشارها، من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل، ومن مكان إلى مكان؛ حسب وعي وإدراك المجتمع لأبعاد هذه المشكلة.
فتوجد مجتمعات انتشرت فيها هذه المشكلة بشكل كبير للغاية، كمجتمعنا في الوقت الحاضر؛ كما توجد مجتمعات قلَّت عندهم حدة هذه المشكلة على نحو كبير.
ولكن هذه المشكلة لم ولن تنتهي في أي عصر من العصور، فستظل مدى الدهر والأيام؛ ولكن بدرجات مختلفة ومتفاوتة لعدة أسباب أهمها:
اختلاف الثقافات والوعي بين الشعوب، ومدى الإعلاء من شأن القيم والمبادئ الأخلاقية.
فالمجتمع الذي أعلى من شأن هذه الأمور، قلَّت المشكلة عنده على نحو كبير؛ والمجتمع الذي أغفل هذه الأمور انتشرت المشكلة بين أفراده.
اختلاف طبيعة الشعوب
يوجد شعب حاد الطبع غير متسامح، ولا متساهل؛ ويوجد شعب هادئ الطبع متسامح، وغير متشدد، ويقبل الرأي والرأي الآخر بسهولة ويسر، ويقبل أيضًا الاختلاف.
اختلاف طبيعة الأشخاص
فيوجد أشخاص تتسم بالتعجرف والتعصب والتطرف، ويوجد من يتسمون بالسماحة وسعة الصدر والليونة والبشاشة.
السياسات السائدة في المجتمع
فالمجتمعات المنغلقة، المحكمة بقبضة قوية، وكبت للحريات؛ بالطبع تختلف عن المجتمعات المنفتحة على الآخرين، ومتروك فيها حرية التعبير على نحو كبير؛ لهذه الحريات الكبيرة دور في انتشار مثل هذا الفُحش في الكلام طبعًا.
قد يهمك أيضًا الظاهرة الاجتماعية : مفهومها وخصائصها
أسباب نشأة مشكلة الكلام الفاحش
كما ذكرنا آنفًا بأن هذه المشكلة، ليست وليدة عصر من العصور، ولا زمن من الأزمان، ولا متعلقة بأي مكان؛ وإنما هي أمر موجود ومُتأصل في طبيعة الإنسان.
لذلك قبل تناول أسباب انتشارها في عصرنا الراهن، يجب أن نتناول الأسباب التي تؤدي لظهور هذه المشكلة من الأساس بشكل عام، دون التقيد بزمان ومكان..
أسباب ظهور المشكلة عامةً
· الاستعمال الخاطئ للغة؛ كاستعمال ألفاظ في غير محلها، أو للدلالة على معانٍ لم توضع لها أصلًا؛ أو استعمال كلمات ليس لها معنى.
· الرغبة في التقليل من الآخر، والرغبة في الإعلاء من الذات.
· الكراهية والعدوانية بشتى صورها، بسبب أي خلاف أو اختلاف.
· العنصرية والاستعلاء على الغير؛ بسبب اللون، أو العرق، أو الطبقة، أو الجنس، ونحوه.
· الأمراض النفسية الذميمة، التي تدفع بالإنسان للتنمر على الغير، بدون سبب، وبدون وجه حق.
· الاختلاف بشتى أنواعه وصوره: السياسي، أو الاعتقادي، أو الديني، أو الاجتماعي، أو الثقافي وغير ذلك.
· الغضب والاعتراض بشتى طرقه.
· عدم الالتزام بالأخلاقيات والأعراف العامة، وكذا الدينية والقانونية.
· انعدام التوجيه والتوعية والتربية، من الأهل، والمؤسسات المعنية بذلك: الدينية والتعليمية والتربوية.
· طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع؛ هل هو مجتمع يحترم عاداته وقيمه، أم لا؟ هل هو مجتمع سوي ومنظم، أم عشوائي ومنحل؟ هل أفراده متسامحون وليِّنون، أم حادُّو الطبع ومتعصبون؟... إلخ.
قد يهمك أيضًا ثقافة الحوار بين لغة الرقي و لغة الشتائم
أسباب انتشار المشكلة في مجتمعنا الحالي خاصة
بالإضافة إلى ما ذكرنا من الأسباب التي تؤدي لظهور هذه المشكلة من الأساس؛ نتناول أسباب انتشار هذه المشكلة في مجتمعنا خاصة؛ ولماذا في وقتنا الحاضر زادت هذه المشكلة عن حدها على نحو كبير هكذا.
الانفتاح الكبير في المجتمع
لعل من أبرز أسباب انتشار مشكلة الكلام الفاحش، هو الانفتاح الكبير الذي حدث في المجتمع، على الحضارات والثقافات الأخرى، بسبب الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي؛ التي استُغلت بشكل خاطئ للأسف.
وما نراه الآن على هذه المواقع والتطبيقات من إسفاف وابتذال وبذاءات لا حصر لها، من صناع المحتوى الذين يُفترض أنهم قدوة لمحبيهم ومتابعيهم!
الفن الهابط
وكذلك السينما والتلفاز لهما دور كبير أيضًا في ذلك؛ كم من أفلام وإعلانات مُخلة ومخالفة للذوق العام، الذي فسد بسببها.
كذا الأغاني السائدة والمنتشرة في هذا العصر، المليئة بكم هائل من الخصومات والنزاعات، ناهيك عن الإيماءات والإيحاءات غير اللائقة؛ كل هذا وتتساءلون عن الذوق العام من أفسده؟!
التقلبات القوية في المجتمع
سواء كانت هذه التقلبات والتغيرات سياسية، أو اجتماعية، أو حضارية؛ كالحروب والثورات والمجاعات ونحوه.
ونحن تعرضنا في مجتمعنا لبعض هذه التغيرات كالثورات التي حدثت بكثرة في عصرنا الراهن.
ويُعد ذلك سببًا مباشرًا في إحداث هزة في منظومة القيم، نظرًا للشعور بالحرية المطلقة المُفاجئة، بعد كبت كبير؛ وتزامن ذلك مع الانفتاح الذي تحدثنا عنه آنفًا؛ فهذا كفيل بجعل منظومة القيم تنهار وليس تهتز فقط.
الانجراف وراء الهوى الجمعي
يتمثل ذلك في القابلية للاستهواء، والانسياق وراء الشائع من الكلام والأفكار، دون تفكير أو فهم، هل هذا الأمر الذي أفعله أو أذكره يصح أم لا؟
كثيرون للأسف يفعلون الشيء لمجرد أن كثيرين يفعلونه، ونظرًا لشهرته وانتشاره فقط، دون أي تفكير ونظر؛ على سبيل الروشنة والموضة! دون الوضع في عين الاعتبار ما إذا كان هذا الأمر مُخالفًا لأفكارك، أو معتقداتك، أو ثقافتك.
هذا بالإضافة إلى الأسباب العامة التي ذكرناها مُسبقًا.
قد يهمك أيضًا تفسير وأسباب ظاهرة الجاثوم أو شلل النوم
الآثار السلبية المترتبة على الكلام الفاحش
تسألني عن الآثار السلبية لهذا الأمر! أولم تلمس ذلك بنفسك حينما تنزل للشارع، وتتمشى في الطرقات!
تجد هذا يسب هذا، وذاك يلعن جدود ذاك؛ حتى الفتيات صرن يتلفظن بألفاظ يتحرج منها كثير من الرجال.
تسألني عن السلبيات! شاهد حديث الناس كيف أصبح على المقاهي، وفي النوادي والأسواق؛ حتى في أماكن التعليم: في المدارس والجامعات.
تسألني عن السلبيات؟
هل أُحدثك عن قلة الحياء والتبجح!
أم عدم احترام الكبار قبل الصغار!
أم عن التهاون بالعادات والقيم الاجتماعية والدينية، والاستهتار بها والتقليل منها.
أم عن المخالفة لكل الأديان والمعتقدات؛ أم عن ماذا وماذا! عن المجتمع الذي يفقد قيمه وموروثاته بالتدريج.
أو الأخلاق التي ذهبت بلا عودة.
والدين الذي أضعناه منذ مدة.
إذا أكملت التحدث فسأظل أُعنعن هكذا كثيرًا؛ لذا دعونا ننتقل للحديث عن الحلول.
كيفية علاج مشكلة الكلام الفاحش والحد منها
ابدأ بنفسك.
حوار الأصدقاء صار سبًّا وقذفًا ولعنًا وطعنًا في الأعراض، لذا فلتبدأ بنفسك، ولا تسمح بذلك يخرج من الآخرين تجاهك، أو منك تجاه الآخرين؛ لأن السُّبة سترد عليك يا صديقي؛ لا تعرض أهلك لهذا سيدي، هم لا يستحقون هذه الإهانة.
أختي العزيزة.. جمالك يكمن في حيائك، في هدوئك، في الحرج والإقلال من الحديث؛ لا في التبجح وتقليد الشباب، والتلفظ بما شذ وسفل من الكلام .
ابدأ بنفسك، فلا تنسق وراء ما يسمى بالـ Trend لا تكن قابلًا للاستهواء، تُردد ما تسمعه كالببغاء بدون وعي.
قد يهمك أيضًا ظاهرة التنمر.. تأثيرها السلبي على الأطفال وكيفية علاجها
دور الأسرة
فللأسرة دور كبير في الحد من هذه المشكلة بالتأكيد؛ فبغياب الدور الرقابي للأسرة في هذه الآونة، انتشرت هذه المشكلة على نحو كبير.
لذلك أول شيء تفعله أي أسرة هو الرقابة الجيدة على أطفالهم.
التوعية والنصح والإرشاد، وغرس القيم الحميدة داخل الطفل؛ لكن التزام ولي الأمر بهذا أولًا؛ فلا يصح أن ينصح أب ولده بالبعد عن السب والشتم، وهو لا يتوقف عن فعل ذلك؛ كالذي يقول لا تشتم يا ابن ال...!.
أبعد طفلك عن الشارع قدر الإمكان، فالشارع يعلم جميع أنواع المساوئ.
ولا داعي لإخبارك بإبعاده عن صحبة السوء.
دور المؤسسات التعليمية
بعض المدرسين أنفسهم يعلمون طلابهم بالسب والركل والشتم، ماذا تنتظر منهم إذا؟!
بالتأكيد للمدرسة دور كبير في غرس السلوك القويم داخل الطالب، والنصح والإرشاد.. إلخ، لكن ننتظر تعديلًا من سلوك بعض المعلمين أولًا، ومعاملة طيبة حسنة لأبنائنا الطلاب، حتى ننتج جيلًا سويًّا غير معقد.
دور المؤسسات الدينية والمدنية
ننتظر توعية من العلماء على المنابر والفضائيات، والقساوسة في الكنائس، توعية بمدى خطورة هذا الكلام الفاحش من الجانب الديني، والعقاب الذي سيحل بفاعله من الله إذا لم يتوقف عنه.
والمؤسسات المدنية بندواتها الثقافية والعلمية، ننتظر توعية بحجم انتشار هذه المشكلة، ومدى خطورتها على الفرد والمجتمع، وتأثيرها على إفساد الذوق العام.
دور المؤثرين والمشاهير
رسالة لكم.. أنتم قدوة لكثير من الشباب؛ فلا تفعلوا ذلك على الأقل أمامهم؛ مع أنه من المفترض أن تقوموا أنتم بتوعية الشباب بالابتعاد عن هذه البذاءات، لا تعليمهم إياها.
دور القانون
يجب معاقبة كل من يقلل من الآخر بلفظ مهين أو غير لائق، إذا كنا فعلًا نريد الحد من هذه الظاهرة السيئة، والعقاب يكون رادعًا لكل من تسول له نفسه فعل ذلك.
يجب إخواني وأخواتي الأفاضل، أن تعوا بأن الكلام الفاحش منقصة من قدرك، ومفسدة للمجتمع، ليست شبحنة كما تظنون..
هيا اذهبوا إلى الجحيم! لا.. أنا أمزح؛ أقصد إلى النعيم، إلى السعادة ونقاء اللسان من كل قولٍ ذميم.
وبذلك نكون انتهينا من مقال اليوم الذي وضحنا فيه تأثير ظاهرة الكلام الفاحش في المجتمع وأسباب المشكلة من بدايتها وكيفية علاجها..
مقال جامد ❤️
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.