أحدث ألكسندر فليمنغ تحولًا جذريًا في الطب باكتشافه البنسلين عام 1928 بعد ملاحظته أن فطر العفن يثبط نمو البكتيريا، وهو الاكتشاف الذي مهد لظهور عصر المضادات الحيوية وأنقذ ملايين الأرواح. وقد تُوِّج هذا الإنجاز بحصوله مع إرنست تشين وهوارد فلوري على جائزة نوبل في الطب عام 1945 بعد نجاح تطوير البنسلين وإنتاجه للاستخدام العلاجي الواسع.
يُعد العالم الاسكتلندي الشهير ألكسندر فليمنغ أحد أبرز العلماء في القرن الـ20، والذي اختير ضمن أفضل 100 شخصية بريطانية إطلاقًا؛ نظرًا لإسهاماته الكبيرة في تطور الطب بعد اكتشافه للبنسلين وإنزيم الليزوزيم، ليحتل مكانة كبيرة بين العلماء الذين استطاعوا إحداث تأثير كبير في الحياة البشرية في القرن الماضي.
وفي هذا المقال، نتجول معًا في حياة العالم الاسكتلندي الكبير ونتعرف على قصة مكتشف البنسلين ألكسندر فليمنغ وأهم محطاته الشخصية والعلمية في السطور التالية.
متى ولد ألكسندر فلمنج؟
وُلد ألكسندر فليمنغ يوم 6 أغسطس عام 1881 في شرق أيرشاير بإسكتلندا، وكان الطفل الثالث بين 4 أبناء للمزارع هيو فليمنغ، الذي كان ميسور الحال ويعمل بتربية المواشي، والذي توفي عندما بلغ ألكسندر فليمنغ السابعة من عمره، فكان دائمًا في رعاية والدته.
أمضى ألكسندر فليمنغ طفولته في الريف الاسكتلندي حتى بلغ 14 عامًا، فالتحق بإخوته في لندن من أجل إكمال تعليمه، وبناء شخصيته التي عُرف عنها الهدوء والاتزان والخجل، وكذلك عُرف عنه الذكاء والقدرة على الحفظ والاستنتاج منذ صغره، بالإضافة إلى انجذابه إلى الظواهر العلمية والتجارب.
كان ألكسندر فليمنغ يحب الرياضة، ومارس السباحة والرماية في المدرسة وفي كلية الطب، بالإضافة إلى ميوله الفنية بجانب اهتمامه بالميكروبات التي استخدمها كذلك في الرسم، في حين كان يعمل موظفًا في أحد مكاتب الشحن في أثناء دراسته الجامعية.
محطات في حياة ألكسندر فليمنغ
تخصص فليمنغ في الجراحة عام 1905، وحصل على البكالوريوس عام 1908، بالإضافة إلى حصوله على ميدالية ذهبية تُمنح لأفضل طالب، بسبب أطروحته التي قدمها عن «العدوى الميكروبية وكيفية مقاومتها»، وهو ما يدل على نبوغ الشاب الذي كان دائمًا يلفت الأنظار بسبب ذكائه وقدرته على الملاحظة.
كان فليمنغ ينوي أن يعمل في الجراحة بعد تخرجه، إلا أنه عمل في قسم التلقيح عام 1909، وبدأ اهتمامه يتزايد بعلم الجراثيم، بالإضافة إلى ميوله البحثية التي وجدت بيئة خصبة في المختبرات العلمية، ليصبح ألكسندر فليمنغ أحد أعضاء فريق السير ألمروث رايت، الذي كان يُعد من علماء عصره فيما يخص اللقاحات وعلاقتها بالمعالجة الطبية.
أصبح ألكسندر فليمنغ في غضون مدة بسيطة محاضرًا في المدرسة الطبية، ومارس مهنة الطب منذ عام 1909 وحتى عام 1914، وعمل أيضًا في الفيلق الطبي في أثناء الحرب العالمية الأولى، وهي المدة التي منحته دراسة «التهابات الجروح». وبعد انتهاء الحرب، أصبح ألكسندر فليمنغ مديرًا لقسم التلقيح في جامعة لندن، وأصبح أيضًا أستاذًا فخريًّا في علم الأحياء عام 1948.
تولى ألكسندر فليمنغ رئاسة جامعة إدنبرة في الفترة من عام 1951 وحتى عام 1954، وحتى بعد تقاعده، كان مستمرًا في زيارة المختبر الذي قضى فيه أفضل أوقات حياته حتى توفي.
الاكتشافات العلمية: ماذا اكتشف العالم ألكسندر فلمنج؟
كانت حياة ألكسندر فليمنغ مملوءة بالاكتشافات العلمية، إلا أن الاكتشاف الأول كان في أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما أدرك فليمنغ أن المطهرات التي تُستخدم لعلاج الجروح تعد أكثر إيذاءً لخلايا الجسم من الميكروبات، وبالتالي بدأ يستخدم المياه المالحة بدلًا من المطهرات.
جاء الاكتشاف الأبرز لألكسندر فليمنغ عندما توصل إلى أن الإنزيم الموجود في مخاط الأنف يمكن أن يؤدي إلى تحلل الجراثيم، وبالتالي اكتشف وجوده في الأنسجة البشرية والإفرازات التي يفرزها الجسم، مثل الدموع واللعاب وبياض العين، وهو ما جعلها يبتكر مصطلح «الليزوزيم»، الذي لم يحظَ باهتمام العلماء والباحثين في البداية، إلا أن هذا الاكتشاف فتح الباب أمام فليمنغ لدراسة قدرة الجسم على مقاومة العدوى، التي أدت بعد ذلك إلى اكتشاف البنسلين.
كان اكتشاف البنسلين عام 1928 نتيجة ملاحظة ألكسندر فليمنغ لفطر العفن، الذي اكتشف أنه يقوم بتثبيط نمو البكتيريا بشكل أفضل من المطهرات، وبالتالي أطلق عليه اسم «البنسلين»، والذي يعني «عقار العفونة»، ثم بدأ استخدامه لعلاج الالتهابات الناشئة عن البكتيريا منذ عام 1929. إلا أن الاكتشاف لم يلقَ أيضًا صدى علميًّا كبيرًا لدى الباحثين والعلماء، ولكن ألكسندر فليمنغ استمر في زراعة «البنسليوم» حتى عام 1932.
كانت الصدفة هي سبب عودة الاهتمام بالورقة البحثية التي قدمها ألكسندر فليمنغ عن البنسلين، إذ صادف علماء الكيمياء الحيوية العثور على الورقة البحثية، فباشروا العمل على عينة من البنسليوم، ما أدى إلى نجاح العلماء في تنقية البنسلين واستخراج المادة التي جُرِّبَت على الفئران عام 1940، ثم على متطوعين بشريين عام 1941، ونُشِرَت النتائج في المجلات الطبية.
جاء استخدام البنسلين أول مرة كعلاج عام 1941 على رجل شرطة إنجليزي كان يعاني تسممًا في الدم، إلا أن العقار لم يكن موجودًا بكمية كافية لإنقاذ الرجل. لكن التجارب ظلت مستمرة، ففي عام 1942 عُولِج رئيس الوزراء البريطاني تشرشل من الالتهاب الرئوي باستخدام البنسلين، في الوقت الذي كانت شركات الأدوية الأميركية تنتجه بكميات كبيرة من أجل علاج الجنود في الحرب العالمية الثانية.
أصبح ألكسندر فليمنغ أشهر علماء عصره، وأُطلق عليه «رجل البنسلين» أو مكتشف البنسلين، كما أُطلق على البنسلين نفسه اسم «الدواء العجيب» نظرًا لقدرته على علاج الالتهابات، بالإضافة إلى تمهيده لاكتشاف المضادات الحيوية الأخرى.

هل ألكسندر فليمنج حائز على جائزة نوبل؟
في عام 1944 تم إنتاج البنسلين بكميات هائلة، خاصة بعد حادثة «بيرل هاربر»، وهو ما أدى إلى حصول العلماء الثلاثة الذين قاموا على اكتشاف وإنتاج البنسلين على جائزة نوبل في الطب عام 1945، وهم ألكسندر فليمنغ، وإرنست تشين، وهوارد فلوري. إلا أن ألكسندر فليمنغ هو من حاز كامل الشهرة، وقُدِّم في كل مكان باعتباره مكتشف البنسلين.
أصبح البنسلين في متناول الجميع بعد أن كان محصورًا على الاستخدامات العسكرية، إذ أصبح منتجًا رائجًا في الولايات المتحدة وبريطانيا، وهو ما جعل ألكسندر فليمنغ يدلي بتصريح تحذيري يقول فيه إن البكتيريا تتعلم مقاومة البنسلين، لذا يجب استخدامه بحذر.
ورغم ذلك، يوجد عدد من علماء الفيزيولوجيا يؤكدون وجود بحوث قديمة أجراها علماء آخرون على العفن الفطري وخصائصه الطبية، مثل جون سكوت أندرسون، والطبيب المعروف ويليام روبرتس، بالإضافة إلى عالم الفيزياء البريطاني جون تيندال، كما يتحدث آخرون عن الاستخدامات القديمة للعفن الفطري، إذ كان قدماء المصريين يستخدمون الخبز المتعفن لعلاج الجروح. إلا أن البحوث والتوثيق العلمي وضع ألكسندر فليمنغ كمكتشف للبنسلين.
من الجدير بالذكر أن البنسلين ما زال مستخدمًا حتى الآن في علاج عدد من الأمراض، مثل التهاب المفاصل، والالتهاب الرئوي، وتسمم الدم، والزهري، والسيلان، والحمى القرمزية، بالإضافة إلى أمراض العظام، والغرغرينا، والسل. ويُعد من العلاجات الآمنة، رغم أن عددًا قليلًا جدًّا من الناس قد يكون لديهم حساسية من البنسلين، بالإضافة إلى أنه مهد الطريق لاكتشاف وصناعة واستخدام المضادات الحيوية بأشكالها وأنواعها المختلفة.
جوائز وتكريمات ألكسندر فليمنغ
حصل العالم الاسكتلندي الكبير ألكسندر فليمنغ على عدد من التكريمات والجوائز؛ كونه العالم الذي اكتشف أول مضاد حيوي، ونظرًا لاكتشافاته الهائلة التي مهدت الطريق لثورة طبية كبيرة في النصف الثاني من القرن الـ20. ومن أبرز هذه التكريمات والجوائز ما يلي:
- جائزة جون سكوت من مدينة فيلادلفيا عام 1944.
- لقب فارس من الملك جورج السادس، إذ سُمِّي بعد ذلك «السير ألكسندر فليمنغ» عام 1944.
- جائزة نوبل التي حصل عليها بالمشاركة مع عالمين آخرين في وظائف الأعضاء عام 1945.
- وسام قائد جوقة الشرف الفرنسية عام 1945.
- جائزة كاميرون من جامعة إدنبرة في إسكتلندا عام 1945.
- عضو فخري في الكلية الملكية لأطباء أدنبرة عام 1945.
- الأستاذية من الكلية الملكية للجراحين عام 1945.
- الميدالية الذهبية من الكلية الملكية للجراحين عام 1946.
- وسام ألبرت من الجمعية الملكية للفنون عام 1946.
- عضو فخري في الأكاديمية البابوية للعلوم عام 1946.
- عضو فخري في الأكاديمية الفرنسية للطب عام 1946.
- الميدالية الذهبية من الجمعية الملكية للطب عام 1947.
- أستاذ فخري لعلم الجراثيم في جامعة لندن عام 1948.
- الدكتوراة الفخرية من نحو 30 جامعة أوروبية وأمريكية.
- اختياره ضمن أهم 100 شخصية في القرن الـ20 بحسب مجلة التايم عام 1999.
- اختيار اكتشاف البنسلين كأهم اكتشاف في القرن الـ20، بحسب 3 مجلات سويدية علمية كبرى في استفتاء أُجْرِي عام 2000.
- اختيار ألكسندر فليمنغ ضمن أعظم 100 شخصية بريطانية في القرن الـ20 في استفتاء أُجْرِي في تلفزيون بي بي سي عام 2002.
- اختيار مختبر ألكسندر فليمنغ كمعمل كيميائي تاريخي من قبل الجمعية الكيميائية الأميركية بالإضافة إلى الجمعية الملكية للكيمياء.
- اختيار ألكسندر فليمنغ كأشهر ثالث رجل في تاريخ أسكتلندا بعد الشاعر الوطني روبرت بيرنز والبطل الشعبي ويليام والاس، بحسب تصويت أُجْرِي عام 2009.
- وُضِعَت صورة ألكسندر فليمنغ على إحدى العملات النقدية التي صدرت عام 2009 من فئة 5 جنيهات إسترلينية، التي أصدرها بنك كلي ديسديل في إطار الاحتفال بذكرى العالم الكبير، كما أُطْلِق اسمه على كويكب في حزام الكويكبات تقديرًا لدوره العلمي الكبير.
من أقوال ألكسندر فليمنغ
- «أحيانًا يجد المرء ما لا يبحث عنه، فعندما استيقظت فجر يوم 28 سبتمبر عام 1928، لم أكن أخطط أبدًا لإحداث ثورة في عالم الطب كله عن طريق اكتشاف أول مضاد حيوي أو قاتل للبكتيريا في العالم، إلا أن هذا ما حدث بالفعل».
- «كنت أحاول استعمال البنسلين لتوضيح نقطتين؛ الأولى أن العمل الجماعي قد يمنع الانطلاقة الأولية لأمر جديد، لكن بمجرد الحصول على مفتاح أو دليل قد يصبح العمل الجماعي ضرورة حتمية لبلوغ الاكتشاف تقدّمه الأقصى، أما الثانية فأن القدر قد يلعب دورًا شاسعًا في الاكتشافات. القدر لوَّث علب المستعمرات البكتيرية عام 1928، والقدر هو من قاد تشين وفلوري للتحقق من البنسلين عام 1938، لذا فربما نظن أننا أسياد الوضع، لكننا ببساطة أحجار شطرنج تتحرك في لوحة الحياة بفعل قوة عليا».

وفاة ألكسندر فليمنغ
توفي العالم الإسكتلندي الكبير ألكسندر فليمنغ يوم 11 مارس عام 1955 بسبب إصابته بأزمة قلبية، حدثت نتيجة تجلط الدم في الشريان التاجي، لتنتهي حياة العالم الكبير عن عمر يناهز 73 عامًا. وأُحْرِق جثمانه ووضع رماده في كاتدرائية القديس بولس، بعد أن منح البشرية أحد أهم وأكبر الاكتشافات العلمية في القرن الـ20، وربما في تاريخ العلم كله.
إرث رجل البنسلين الحي في شرايين البشرية
وفي نهاية مقالنا الذي تضمن جولة في حياة العالم الإسكتلندي الكبير ألكسندر فليمنغ والحديث عن اكتشافه البنسلين وحصوله على جائزة نوبل في الطب، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافات. وتبقى حكاية فليمنغ إثباتًا لنا أن العبقرية ليست مجرد ذكاء أكاديمي، بل هي شغف بالملاحظة الدقيقة وقدرة على اقتناص الصدفة وتحويلها إلى طوق نجاة للبشرية جمعاء.
كما يسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات حول الدور الذي تلعبه المضادات الحيوية في حياتنا اليومية، ولا تنسَ مشاركة المقال على مواقع التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.