ألكسندر دوماس.. مغامرات وأسرار أشهر أدباء فرنسا وعالم الرواية

وُلد ألكسندر دوما عام 1802، وأصبح أحد أشهر الأدباء الفرنسيين بفضل أعمال خالدة مثل الكونت دي مونت كريستو والفرسان الثلاثة، اللتين تُرجمتا إلى عشرات اللغات وتحولتا إلى مئات الأعمال السينمائية والدرامية. ورغم نجاحه الأدبي الكبير وثروته الواسعة، فقد عانى مرارًا من الأزمات المالية بسبب أسلوب حياته الباذخ، بينما استمرت شهرته في النمو بعد وفاته حتى نُقل رفاته عام 2002 إلى البانثيون تكريمًا لإسهاماته الأدبية والفكرية.

لا بد أنك قد تعاملت مع الأديب الفرنسي الكبير ألكسندر دوماس، أو كما يطلق عليه ألكسندر دوما، فإن لم تكن قد قرأت أحد أعماله الروائية أو القصصية فإنك بالتأكيد سمعت عنها أو شاهدت أحدها بعد تحويله إلى عمل سينمائي أو درامي.

فقد تم إنتاج أكثر من 200 فيلم سينمائي من أعمال ألكسندر دوما الذي تُرجمت أعماله الروائية والقصصية إلى أكثر من 100 لغة من بينها اللغة العربية، ويعدُّه كثير من النقاد والدارسين والمتابعين للحركة الأدبية أشهر أدباء فرنسا على الإطلاق، رغم أنه نشط في الكتابة المسرحية والروائية في القرن التاسع عشر.

في هذا المقال نصحبك في جولة سريعة بين أهم محطات ألكسندر دوما الإبداعية والشخصية؛ لنتعرف على كثير من المعلومات والأسرار الخاصة بالكاتب الفرنسي الكبير الذي أُطلق عليه (الدنجوان أو المغامر)، والذي حظي بشهرة كبيرة في حياته وشهرة أكبر بعد موته.

المولد والنشأة

وُلد ألكسندر دوما يوم 24 يوليو عام 1802في إقليم (آن) في فرنسا لأب يعود إلى أصول من سان دومنيك التي يطلق عليها الآن هاييتي. ويطول الحديث عن والد ألكسندر دوماس وجده، وقصة الابن مختلط الأعراق ألكسندر دوماس، فلم يُتعرف إلى والده جيدًا؛ فقد توفي عام 1806 متأثرًا بمرض السرطان، حين كان ألكسندر دوما في الرابعة من عمره، وبالتالي عاش مع أمه في ظروف صعبة.

كان ألكسندر دوماس طفلًا ذكيًا، استطاع أن يستفيد من كل الموارد الموجودة حوله رغم قلتها، فكان رغم كراهيته للدراسة يعكف على تعليم نفسه القراءة والكتابة، ويقرأ كل ما تيسر في كافة المجالات؛ وهو ما جعل وعيه يمتلئ بالثقافة والزخم في سن صغيرة، حتى إنه تعلَّم اللغة الإسبانية بدون مدرسة أو معلم؛ وهو الأمر الذي ساعده في العمل والكتابة بعد ذلك.

الحياة المهنية لألكسندر دوما

استطاع ألكسندر دوما أن يحصل على عمل في القصر الملكي نتيجة سمعة العائلة الطيبة رغم ضعف المستوى المادي، فقد التحق عام 1822 بمكتب (لويس فيليب) الذي كان يشغل منصب دوق أورليان، وهو ما جعل ألكسندر دوما ينتقل بشكل دائم إلى مدينة باريس وهو في الـ 20 من عمره، وهي المدة التي بدأ فيها ينشط بصفته كاتب مسرحيات ومقالات، وينشر كثيرًا من القصص في الصحف والمجلات.

في عام 1830 أدت أحداث (ثورة يوليو) إلى الإطاحة بالملك شارل العاشر من حكم فرنسا، وتعيين دوق أورليان الذي يعمل لديه ألكسندر دوما ملكًا على البلاد، وسُمي لويس فيليب وأُطلق عليه (الملك المواطن).

ونتيجة هذه الأحداث المضطربة بدأت تتغير طبيعة الحياة في فرنسا، حيث أعمال الشغب والغضب الكبير الذي ساد طبقة الفقراء التي تسعى إلى تغيير الأحوال، واستمر الأمر عدة سنوات حتى بدأت الأحوال تعود إلى هدوئها السابق، وهي الفترة التي استغلها ألكسندر دوما من أجل تسويق مسرحياته و إظهار مهاراته الأدبية.

ورغم أن ألكسندر دوما حقق نجاحًا كبيرًا عاد عليه بشعبية كبيرة وأموالًا طائلة، فإنه كان دائمًا يعاني من الإفلاس نتيجة الإسراف والبذخ في نمط الحياة الذي كان يتبعه، فقد كان ينفق كل ما يملك في الملذات والسهرات والعلاقات المتعددة مع النساء، ويذكر أنه عام 1846 بنى منزلًا ضخمًا في ضواحي باريس وأطلق عليه اسم (قصر دي مونت كريستو) وألحقه بمبنى إضافي لاستقبال المعارف والغرباء؛ وهو ما جعله ينفق مزيدًا من المال الذي أدى في النهاية إلى بيع العقار بالكامل بعد عامين من بنائه.

حياة ألكسندر دوما الشخصية

يُعد ألكسندر دوما من الأدباء المحبين للحياة، فقد كان دائم المغامرة والسفر والسهر والعلاقات النسائية. ورغم أنه تزوج من الممثلة المعروفة (أيدا فيرير) فإنه ارتبط بكثير من النساء، سواء اللاتي لديهن قدر من الشهرة مثل الممثلة الأمريكية (آدا إيزاكس منكين)، أو النساء المجهولات من أجل الحصول على متعة وقضاء الوقت، وهو الأمر الذي كان طبيعيًا في تلك الفترة، خاصة لدى أبناء طبقة النبلاء والأثرياء والمشاهير. 

لكن ألكسندر دوما كان يتمتع بسمعة كبيرة في هذا الأمر، حتى إن أحد الباحثين ويُدعى (كلود شوب) أجرى بحثًا موسعًا عن حياة ألكسندر دوما، وأشار إلى أكثر من 40 عشيقة وعدة أبناء غير شرعيين للأديب الكبير؛ وهو ما أدى إلى إطلاق اسم (الدنجوان) على ألكسندر دوما.

يذكر أيضًا أن ألكسندر دوما كان عضوًا في أحد النوادي التي كان يتعاطى أعضاؤها الحشيش بانتظام، مثل كثير من الأدباء وعلى رأسهم (فيكتور هوغو وشارل بودلير ودي بلزاك)؛ لذا فقد كان ألكسندر دوما يجتمع مع أعضاء النادي مرة أو مرتين كل شهر من أجل تعاطي الحشيش، بالإضافة إلى أنه أشار إلى الحشيش أكثر من مرة في رواياته المختلفة.

مسيرة ألكسندر دوما الأدبية

في عام 1829 بدأت المسيرة الحقيقية للكاتب ألكسندر دوما، حيث تم إنتاج مسرحيته الأولى تحت عنوان (هنري الثالث وبلاطه)، وكان عمره في ذلك الوقت 27 عامًا؛ وهو ما جعله يحصل على شهرة كبيرة ودفعة هائلة لكتابة المسرحية الثانية (كريستين) التي حقَّقت له مكاسب مادية ومعنوية جعلته في مصاف الأغنياء والمشاهير. ثم توالت المسرحيات بعد ذلك حتى تحول ألكسندر دوما إلى كتابة الروايات، وتهافتت الصحف والمجلات على رواياته من أجل نشرها على هيئة سلاسل منتظمة.

لم يكتفِ ألكسندر دوما بكتابة المسرحيات والروايات، وإنما كان يكتب المقالات ويجمِّعها في مجلدات مثل (كتاب أشهر المجرمين والجرائم في التاريخ الأوروبي) الذي لاقى نجاحًا كبيرًا وانتشارًا هائلًا. وقام ألكسندر دوما بعمل ما يشبه ورشة الكتابة، جمع فيها كثيرًا من الكُتاب والموهوبين وأشرف عليهم لكتابة القصص والروايات، بالإضافة إلى كتابته مجموعة هائلة من كُتب الرحلات وكتب السفر التي كانت رائجة بشدة في ذلك الوقت.

تنوعت كتابات ألكسندر دوما بين الواقعية والخيالية والفنتازيا، بالإضافة إلى الكتابات الرومانسية، ويُعد ألكسندر دوما مؤسس (المسرح التاريخي) في فرنسا، أضف إلى ذلك المقالات والموضوعات السياسية والثقافية التي كتب فيها ألكسندر دوماس لمناقشة الأوضاع في فرنسا وإيطاليا وأوروبا بشكل عام.

لذا فإننا حينما نتحدث عن ألكسندر دوما فإننا نتحدث عن مفكر وفيلسوف وليس فقط مجرد روائي أو كاتب قصة، وهو ما يوضح لماذا زادت شهرة دوما بعد موته، ولماذا ظهرت مؤسسات وجمعيات تسعى لجمع أعمال ألكسندر دوما وطباعة أعماله التي لم تُنشر في حياته.

تُعد أشهر أعمال ألكسندر دوما التي تحولت إلى أفلام سينمائية رواية (كونت دي مونت كريستو)، ورواية (الفرسان الثلاثة)، ورواية (الرجل في القناع الحديدي)، وهي أيقونات أدبية على قائمة الأدب العالمي، وربما لا يعرف بعض مشاهدي هذه الأعمال السينمائية الرائعة أن هذه الأعمال من تأليف كاتب عاش في القرن التاسع عشر يُدعى ألكسندر دوما.

أعمال ألكسندر دوما

تعددت أعمال ألكسندر دوما الروائية والقصصية والمسرحية، بالإضافة إلى كتب الرحلات والمقالات، وكان الأديب الفرنسي الكبير غزير الإنتاج. وبالتالي فإننا نشير إلى أهم أعماله:

  • قانون كورنثوس
  • اليهودي التائه
  • الكابتن بول
  • أوتو رامي السهام
  • الكابتن بامفيل
  • سيد المبارزة
  • الأم الشبح
  • الإخوة الكورسيكيون
  • الزنبقة السوداء
  • بيترو موناكو وزوجته ماريا أوليفريو
  • كسارة البندق
  • السيدة الشاحبة
  • الكونت دي مونت كريستو
  • المتآمرون
  • ابنة الوصي
  • الفرسان الثلاثة
  • بعد 20 عامًا
  • الرجل ذو القناع الحديدي
  • لويس الرابع عشر وفترته
  • حرب النساء
  • الحراس الخمسة والأربعين
  • الكونتيسة دي شارني
  • روبن هود الخارج عن القانون
  • أمير اللصوص
  • الصياد والعشيقة
  • هنري الثالث وبلاطه
  • الزفاف والجنازة
  • 30 عامًا من تاريخ فرنسا
  • شارل السابع في منازل أتباعه العظماء
  • كاليغولا
  • ابن الليل القرصان
  • لصوص الذهب
  • انطباعات السفر في سويسرا
  • عام في فلورنسا
  • من باريس إلى قادش
  • طروادة الجديدة
  • رحلة إلى القوقاز

تكريمات ألكسندر دوما

كما أوضحنا من قبل أن الأديب الفرنسي الكبير ألكسندر دوما حظي بشهرة كبيرة في حياته، إلا إن شهرته في القرن الـ20 كانت أكبر، بالإضافة إلى تكريمه بأكثر من طريقة، فقد أُطلق اسمه على إحدى محطات المترو في باريس عام 1970، بالإضافة إلى أن منزله الريفي القديم الذي بناه خارج باريس وباعه لظروف مادية قد تحول بعد ذلك إلى متحف يخص مقتنيات ألكسندر دوما تحت اسم (متحف قصر دي مونت كريستو).

وجمع باحث نيوزيلندي يسمى وايلدر في بدايات القرن الـ20 كثيرًا من الكتب والأعمال والمخطوطات التي تتعلق بألكسندر دوما والتي تضمنت أكثر من 3000 مجلد ومئات الأوراق التي كُتبت بخط اليد، بالإضافة إلى عشرات الطبعات الأولى بلغات عدة منها الإنجليزية والبلجيكية والفرنسية، وتم التبرع بالمجموعة كاملة إلى مكتبة أوكلاند.

هذا وقد نُقل رفات الأديب الكبير ألكسندر دوما عام 2002 إلى ضريح البانثيون الذي يُعد مقبرة العظماء في باريس، وهو إجراء يحمل كثيرًا من التكريم من الرئيس الفرنسي في ذلك الوقت جاك شيراك، فقد نُقل رفات ألكسندر دوما بطريقة مميزة عن طريق مشاة الحرس الجمهوري والفرسان، بالإضافة إلى خطاب الرئيس الذي يرد إلى ألكسندر دوما كثيرًا من اعتباره الذي كان مفقودًا نتيجة العنصرية التي كانت تمارس في فرنسا مدة طويلة.

ومن التكريمات التي حصل عليها ألكسندر دوما:

  • حصل ألكسندر دوما على وسام جوقة الشرف من رتبة فارس عام 1837.
  • حصل على وسام إيزابيلا الكاثوليكية.
  • حصل على نيشان كارلوس الثالث.
  • حصل على نيشان جوقة الشرف من رتبة ضابط.
  • حصل على وسام أسد هولندا من رتبة فارس.
  • حصل على نيشان الافتخار. 

اقتباسات ألكسندر دوما

  • «ليس في الدنيا سعادة مطلقة وشقاء مطلق، وإنما هناك مقارنة بين حالة وأخرى، ومن ذاق الألم والعذاب كان أقدر الناس على أن يحس بالسعادة القصوى».
  • «أنتم يا من بأيديكم السلطة، لستم تملكون من وسيلة إلا المال، أما نحن الساعين إلى السلطة فإن لنا الوسائل التي يمنحها التفاني».
  • «إياك أن تنسى يومًا أن حكمة البشرية جمعاء تتلخص في هاتين الكلمتين: (انتظر، وتذرَّع بالأمل)».
  • «ثمة لحظات يدركها الإنسان بحدسه، لكنه لا يستطيع التعليق عليها بفكره، وإن أغلب الشعراء في أمثال هذه الحالات هو الذي يكتفي بإطلاق الصيحة الأعنف والأشد طبيعية».
  • «كان يضع يدًا على جبينه ويشد بالأخرى على قلبه يخشى أن تفضحه دقاته، وقد ظل يردد في ذهنه بصوت قلبه: لقد ماتت.. ماتت، وهو نفسه أحس نفسه يموت».
  • «لعل قلبي كان أوهن من قلوب غيري، فتألمت أكثر مما يمكن أن يتألموا لو أنهم كانوا في موضعي».

وفاة ألكسندر دوماس

توفي الكاتب والروائي الفرنسي الكبير ألكسندر دوما يوم 5 ديسمبر عام 1870 بسبب سكتة دماغية أدت إلى الوفاة عن عمر يناهز 68 عامًا.

ولم تحظَ وفاته باهتمام كبير في المجتمع الفرنسي نتيجة الحرب الفرنسية البروسية والأحداث السياسية التي غطَّت على خبر موته، بالإضافة إلى انخفاض شعبية الروائي الكبير في الفترة التالية لموته نتيجة التقلبات الكبيرة والتغيرات الهائلة التي شهدتها التوجهات الأدبية في فرنسا وأوروبا، قبل أن يعود النقاد والباحثون مرة أخرى إلى اكتشاف وتناول أعمال ألكسندر دوما.

في الختام، يظل ألكسندر دوماس ظاهرة أدبية استثنائية تجاوزت حدود الزمان والمكان؛ فرغم وفاته في القرن التاسع عشر وسط تقلبات سياسية غيبت بريقه مؤقتًا، فإن إرثه الروائي والمسرحي عاد ليتصدر المشهد الثقافي العالمي بقوة، والدليل على عبقريته تحول أعماله إلى مئات الأفلام والمسلسلات وتكريمه في ضريح البانثيون كأحد عظماء فرنسا.

ما هي الرواية أو العمل السينمائي المفضل لديك من إبداعات ألكسندر دوماس؟ ولا تنسَ مشاركة المقال مع أصدقائك من محبي الأدب العالمي لتعم الفائدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة